Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


عـمر الكدي

الأربعاء 27 أغسطس 2008

الغـيبة الصغـرى لسيف الإسلام

عـمر الكدي

أعلن سيف الإسلام القذافي في خطاب ألقاه أمام جمهور حاشد من الشباب، يوم 20 أغسطس الماضي، في مدينة سبها، أنه قرر عدم التدخل في شئون الدولة، وأنه سيعمل فقط على تنمية المجتمع المدني والاقتصاد الليبي، والعمل الخيري، وقال "لم تعد لي معارك كبرى ولكن موقفي أصبح محرجا". وبالرغم من أنه لم يوضح كيف أصبح موقفه محرجا، إلا أنه برر تدخل في السابق في شئون الدولة بسبب غياب المؤسسات، ونظام إداري فعال، وكأنه يقول أنه ينسحب بعد أن أصبحت في البلاد مؤسسات قوية، ونظام إداري متطور، وهو ما لم يحدث على الإطلاق، وقال سيف الإسلام أنه نجح في كل الملفات والقضايا التي تدخل فيها، وأنه تمكن من وضع البلاد التي شبهها بقطار على السكة الصحيحة، وقال بالرغم من أن القطار لم يصل إلى محطته الأخيرة، ولكنه حتما سيصل ذات يوم، وهذه المحطة هي "ليبيا الغد"، حيث "لا مظلوم ولا مغبون ولا محروم"، مؤكدا أن ليبيا لن تتحول إلى الملكية أو دكتاتورية، وكأنها بلد في منتهى الديمقراطية، وأشار إلى أن البلاد ستحكم بواسطة عقد اجتماعي "دستور"، ولكنه شدد على أن والده لا يزال "خط أحمر"، وأن الدستور سيؤكد على هذا الخط الأحمر، وأن الامتيازات التي يتمتع بها العقيد القذافي غير قابلة للانتقال أو التوريث.

غيبة سيف الإسلام تبدو هي "الغيبة الصغرى"، وهي الفترة الممتدة منذ مولد الإمام المهدي، إلى وفاة والده الإمام العسكري، أما الغيبة الكبرى فهي الغيبة التي تستمر حتى عودته في آخر الزمان، ليملأ الأرض عدلا، ولعلنا نكون منصفين إذا حللنا ما يجري في عالم السياسة، بمصطلحات ومفاهيم عالم اللاهوت والغيب، إذا كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، يردد في كل المحافل أنهم في إيران يجهزون البلاد لعودة المهدي المنتظر من غيبته الكبرى، فإنه من المنطقي أن يتم تجهيز ليبيا لعودة سيف الإسلام من غيبته الصغرى.

لا يمكن فهم قرار سيف الإسلام بالانسحاب من شئون الدولة، إلا من خلال التطورات السياسية التي شهدها العالم، والتي كانت ليبيا طرفا فيها، حيث تراجع العقيد القذافي بكل وضوح عن سياسة "الاستسلام الوقائي"، التي انتهجها منذ عام 2003، عندما اتضح له أن الأمريكان فشلوا في العراق، وأن برنامجهم لفرض الديمقراطية في الشرق الأوسط، استبدل بسياسة الأمر الواقع، وخاصة بعد أن انتهت بالفعل مرحلة انفراد الولايات المتحدة بكونها القطب الأوحد، وبعد أن أخذ التنين الصيني يجرب الطيران، وينفث اللهب من فمه، بينما استيقظ الدب الروسي من سباته الشتوي، ليلتهم جورجيا، في حين لم يستطع الغرب هذه المرة إلا التنديد، ولم يجرد بوش الصغير، كما فعل والده حملة دولية لطرد الروس من جورجيا، على غرار ما فعل والده في العراق عندما اجتاح الكويت، في الوقت الذي تتعقب فيه الهند خطوات جارها الصيني، ولم تعد أمريكا اللاتينية حديقة خلفية للولايات المتحدة ة، وعندها قرر القذافي مقاطعة الاتحاد من أجل المتوسط، وأيد التدخل الروسي في جورجيا، وبالتالي فإنه لم يعد بحاجة إلى ابنه ولعلاقاته الدولية، التي كونها منذ أن كان مسئولا على ملف لوكربي، وحتى التوقيع النهائي على التسوية الشاملة مع الأمريكان، ودفع كل التعويضات التي يرفعها البعض لتصل إلى 20 مليار دولار، ويخفضها البعض لتصل إلى 16 مليار دولار، وقد انعكس هذا التغيير على الداخل، حيث بدأ التضييق على الإصلاحيين من أتباع سيف الإسلام، بعد اختطاف المحامي ضو المنصوري، مؤسس مركز الديمقراطية، الذي ألغته الحكومة، وبعد رفع قضية ضد أستاذ العلوم السياسية، الدكتور فتحي البعجة، وعودة اللجان الثورية إلى خطابها القديم، والتهديد باللجوء إلى السلاح، والتصفية الجسدية، وهي تطورات قد يحتاجها سيف الإسلام خلال غيبته الصغرى، ليحشد من حوله مزيدا من الإصلاحيين، وليكون البديل إذا أضطر النظام مرة أخرى للعودة إلى سياسة "الاستسلام الوقائي".

من الغريب أن فكرة المهدي المنتظر التي ظهرت في العراق، زمن الخلافة العباسية، لم تنجح إلا في شمال إفريقيا، عندما أسس عبيد الله المهدي الدولة الفاطمية، وعندما تمكن محمد أحمد المهدي من تأسيس الدولة المهدية في السودان أواخر القرن التاسع عشر، وهاهي الفكرة ستتحقق مرة أخرى في ليبيا، وخاصة وأن العقيد القذافي هدد في أكثر من مناسبة بتأسيس الدولة الفاطمية الثانية، ويبدو أن الفكرة هذه المرة ستتمحور حول انصراف سيف الإسلام عن الدولة الليبية، واهتمامه فقط بالمجتمع المدني، بحيث سيكون جاهزا لاستلام السلطة إذا غاب والده لأي سبب، ولكن هذه المرة من خلال "ثورة" علنية، يترقبها الشعب بفارغ الصبر، حيث سيكون لسيف الإسلام "معارك صغرى" هذه المرة، ضد الدولة العجيبة التي أسسها والده، وضد "القطط السمان"، ولصوص المال العام، الذين أفقروا البلد، وكلما توسع سيف الإسلام في تأسيس منظمات المجتمع المدني، كلما كان أقدر على جمع أكبر عدد من الليبيين من حوله، وبالتالي سيحول التوريث إلى مطلب شعبي، قد يموت كثيرون من أجله، وبعد أيام من "انسحابه" شنت صحيفة أويأ التابعة لشركة الغد التي أسسها سيف حملة تكالب بعودة سيف الإسلام، لأنه ليس ملك نفسه، وإنما هو ملك الشعب، والغريب أن اللجان الثورية فعلت نفس الشيء، ومن المفترض أنه ستتضرر مصالحها بشدة إذا تحقق برنامج سيف، وطالب أعضاء اللجان الثورية في تجمع حاشد العقيد القذافي بإقناع ابنه بالعودة عن قراره، بينما وجد أحد قادة اللجان مخرجا لقضية التوريث في الفقه الثوري الجماهيري، ووصف سيف الإسلام بأنه القائد "الموقفي"، ولكنه نسى أن يشير إلى التشابه العجيب بين "ثورة وتوريث". ولكن هل سيضمن سيف الإسلام السلطة لنفسه من بعد والده حقا؟ بينما يسيطر شقيقه المعتصم على القوات المسلحة. إنني شخصيا أرى أن ما حدث بين أبناء علي باشا القرهمانللي في القرن الثامن عشر سيتكرر مرة أخرى، إلا إذا نجح سيف الإسلام في حشد الناس من حوله، بالإضافة إلى دعم دولي، يرى أن ليبيا ستتحول إلى دولة ناجحة على يديه، وعندها يمكنه هزيمة العسكريين من أشقاءه، ولكن في المحصلة النهائية، فإن معمر القذافي حكم ليبيا مثلما حكم اليابان إمبراطور إله، وسيتركها لأحد أبناءه من بعده، الذي ينجح في إقصاء الآخرين من خلال مساعدة الشعب، وهي لعمري نتيجة عجيبة لا تتطابق مع القصص التي تبدأ بالمظالم، وتنتهي بانتصار الحق والعدل.

elkeddi@hotmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية، الثلاثاء 26 أغسطس 2008.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home