Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


عـمر الكدي

الألسبت 22 نوفمبر 2008

رشوة الشعوب (*)

عـمر الكدي

تقريبا في نفس الأسبوع، أعلن جمال مبارك في ختام أعمال المؤتمر السنوي الخامس للحزب الوطني الحاكم، عن خطة لتوزيع أصول الدولة مجانا على كل مصري فوق سن 21 عاما، وأصر العقيد القذافي خلال اجتماع متلفز مع الحكومة وأمانة مؤتمر الشعب العام، على توزيع الثروة على الشعب، رغم تحفظات الحكومة.

في مصر لن يصبح الشعب شريكا للدولة في كل شيء، فقد استثنيت من هذه الخطة شركة قناة السويس، وشركات الطاقة والموارد المائية، والسكك الحديدية، والجسور، بينما ستحتفظ الدولة بنسبة لا تقل عن %67 من أصول الشركات الناجحة التي تحتكر العمل في مجالها، مثل الألومنيوم، والنحاس، والسكر، والإسمنت، والحديد والصلب، في الوقت الذي ستحتفظ فيه بنسبة %51 في العديد من الشركات في قطاع الصناعة التحويلية، و%30 في شركات الخدمات، ومن بينها شركات تنوء بديون كبيرة منذ السبعينيات. ورغم أنه لم يتم تقدير قيمة هذه الشركات بعد، لنعرف حصة كل مواطن فيها، ولكننا نعلم أن أرباح هذه الشركات مجتمعة، والتي يقدر عددها بـ 155 شركة، حوالي ثمانية مليارات جنيه سنويا، وإذا قسمنا هذا الرقم على 41 مليون مصري، هم من سيستفيد من هذه الأرباح، فإن الناتج سيكون أقل من 200 جنيه سنويا، وإذا خصمنا حصة الحكومة فإن الرقم سينخفض كثيرا، ما يعني أن الحزب الوطني الحاكم يرشو الشعب من أجل البقاء في الحكم، وطالما أن جمال مبارك هو من بشّر الشعب بهذه المفاجأة، فهذا يعني أنه لا يأمل بقاء الحزب الوطني في الحكم فحسب، وإنما أن يتحول التوريث إلى مطلب شعبي، خاصة أن المصريين تعودوا أن يعطوا للحكومة، لا أن يأخذوا منها.

ثمة هدف آخر بالإضافة إلى تيسير التوريث، وهو التخلص مما تبقى من القطاع العام، دون معارضة تذكر، خاصة أن توزيع الأصول مجانا يقتضي أن يتقدم المواطن بطلب مكتوب، وإلا فلن يحصل على فلس واحد، وغالبا ما سيتم استخدام هذا الطلب ضده إذا اعترض على تخلص الدولة من شركات القطاع الخاسرة، مثل مصانع غزل المحلة، والتي أصبحت تسبب الصداع للحكومة، ويرى عدد من المراقبين أن هذه الأسهم غالبا ما ستنتهي في يد رجال الأعمال، حيث سيشترون من المواطنين المتلهفين على بيع هذه الأسهم، للحصول على سيولة تخفف عنهم وطأة الأزمة الاقتصادية التي يعيشونها منذ سنوات، وهكذا ستنتهي في يد الحزب الوطني الحاكم، لأن رجال الأعمال يمثلون قوة لها اعتبار، خاصة في لجنة السياسات التي يترأسها جمال مبارك الذي عليه في كل عام أن يفاجئ الشعب المصري بهدية من أمواله، أو كما يقول المثل الليبي «من لحيته افتل له حبل»، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وهو ما يجعله في حالة أشبه بحالة ولي عهد بريطانيا الذي احتفل في الأيام القريبة الماضية بعيد ميلاده الستين، وهو ما جعل أحد الكوميديين البريطانيين يقول، إن الأمير سيتقاعد بعد خمس سنوات دون أن يصبح ملكا.

في ليبيا المجاورة ترغب الحكومة في خطة جمال مبارك أكثر من خطة العقيد القذافي، وذلك بإشراك الليبيين في ملكية الشركات العامة، بينما يرغب القذافي في إلغاء معظم الوزارات، وتوزيع عوائد النفط على الشعب الذي عليه أن يقوم بما كانت تقوم به الحكومة كاملا، من تعليم، وصحة، وصناعة، وزراعة، وخدمات، وسيكتفي ما تبقى من الحكومة بالإشراف على الأمن، والدفاع، والخارجية، والعدل. وفي الاجتماع الذي كان أشبه بالمناظرة بين العقيد القذافي وحكومته، امتلك الوزراء شجاعة نادرة لم تظهر مرة واحدة طوال الأربعين عاما الماضية من حكم العقيد، وانتقدوا دون تردد رغبة العقيد الجارفة في توزيع الثروة، والتي أعلن عنها للمرة الأولى في مارس الماضي، دون احتساب إعلانه القديم في أول سبتمبر من عام 1977، عندما قال إنه اليوم يسلم الشعب السلطة والثروة والسلاح، وهو ما جعل عددا من المراقبين يرجحون أن العقيد تراجع عن توزيع الثروة، ويريد أن يتحمل وزراؤه عواقب ذلك، أما أسباب التراجع فليست تلك التي تحدث عنها الوزراء، وفي مقدمتها أن البلاد ستعيش في فوضى غير مسبوقة، والتي أطلق عليها العقيد اسم «الفوضى الخلاقة»، ولا الخوف من التضخم الذي سيصل إلى أرقام فلكية، كما حذر محافظ مصرف ليبيا المركزي، وإنما الأزمة المالية العالمية التي تحتاج كل دولار، وهو ما يجعل العقيد يلعب في الساحة الدولية بأوراق مربحة، بدلا من توزيعها على أولئك الذين انتظروا أطول مما انتظر ولي عهد بريطانيا دون جدوى.

elkeddi@hotmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية، الخميس 20 اكتوبر 2008.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home