Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


Omar  El-Keddi

Saturday, 22 March, 2006

العـودة الإجبارية إلى الماضي...
هـولندا والتعـددية الثقافية
(*)

عـمر الكدي

لم تكن مسألة التعددية الثقافية مطروحة للنقاش في المجتمع الهولندي مثلما هي عليه الآن، فقد تصالح الهولنديون بعد معارك طاحنة على اختيار العلمانية إطارا يجمعهم، كما اختاروا أن يكون البرلمان هو ميدان الصراع، وهو الذي أوصد أبوابه في وجه كل ما له علاقة باليوم الآخر. أسست كل مجموعة مؤسساتها التي عاشت متجاورة، يفصلها خيط دقيق من التسامح المبني على التواطؤ بعدم رؤية الآخر، وإلى اليوم لا تزال هوية المجموعات الرئيسية في المجتمع واضحة بداية من المدارس إلى الصحف، هكذا تأسس المجتمع الهولندي على أربعة أعمدة رئيسية، وهي البروتستانت، الكاثوليك، اليهود، والاجتماعيين، والمجموعة الأخيرة هي أكبر المجموعات وأكثرها أهمية، وتتكون من كل من وضع الدين وراء ظهره.

اغتراب مزدوج

عندما وصل المهاجرون الجدد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، للمساهمة في إعادة اعمار البلاد، لم يجد الهولنديون مكانا لهؤلاء الوافدين، فلجئوا إلى حيلتهم القديمة ربما لأنهم لم يستطيعوا تطبيق نظام "الآبرتايد" عليهم، والذي طبقوه بحزم على سكان البلاد الأصليين في جنوب إفريقيا، عندما كان الهولنديون هم المهاجرون وليس الأفارقة، وكانت الحيلة الجديدة القديمة هي في تجاهل حضورهم. افعلوا ما يحلوا لكم واتركونا نفعل ما يحلوا لنا. كانت الحيلة ناجحة لبعض الوقت، خاصة وأن المهاجرين كان ينظر لهم كضيوف طارئين، سرعان ما يغادرون البلد بعد الانتهاء من إعادة اعماره، وأيضا بسبب جهل القادمين بحقوقهم، فقد اقتضت حكمة الملك الحسن الثاني عندما طرق الهولنديون بابه سألين جلالته عن يد عاملة رخيصة، أن أرسل لهم فقراء الريف المغربي، الذين كانوا بالنسبة له مشكلة عويصة ليس لها حل إلا باختفاء بعضهم من المملكة، وهكذا وصل إلى أمستردام وروتردام وأوترخت رجال لم يشاهدوا في حياتهم الرباط والدار البيضاء. كانوا أميين وأغلبهم لا يجيد أي لغة أخرى باستثناء الأمازيغية كما تنطق في منطقة الريف شمال المغرب، وليست بقية اللهجات الأمازيغية مثل الشلحية والسوسية، وكان عدد قليل منهم يتحدث العربية. بينما كان المجتمع الهولندي يبحر نحو ليبرالية متقدمة، وقد واتته رياح هبت على أوروبا الغربية بعد خروجها من رماد الحرب العالمية الثانية، حيث تفجرت ثورة الجنس والطلاب، واستقام "الضلع الأعوج" لينتزع حقوقه المؤجلة منذ الخروج المخزي من الجنة لوالدي البشرية. عندها قرر العمال الضيوف البقاء في البلاد.

الحياة في الهامش

على عكس الجالية المغربية جاء الأتراك من المدن التركية الكبرى. بمستوى تعليمي أفضل، وبتقاليد اجتماعية أرسخ في التضامن، وهكذا بنوا بسرعة مظلة اجتماعية لجاليتهم، وحتى الآن لا تجد غير الأتراك يعملون في المحلات التركية، ولا يزال الأتراك يستعملون لغتهم في عملهم وبيوتهم، بينما انشطر المغاربة بين ثقافتين، وبين هويتين لا يعترف لهم الآخرون بأي منهما. فهم هولنديون عندما يعودون في عطلة الصيف إلى المغرب، وهم مغاربة مهما عاشوا في هولندا. بقاء العمال الذين رحب بهم أرباب العمل، لأنهم يرحبون بأرخص يد عاملة على ظهر الكوكب، استدعى حضور الزوجات والأطفال، وهنا بدأ الهولنديون يلاحظون الفوارق الثقافية بينهم وبين هؤلاء الذين يعيشون معهم. رؤية رجل مكفهر الوجه تسير زوجته على بعد خطوتين خلفه لفت انتباه الهولنديين بقوة، وحوله إلى مصدر للسخرية، ولكن لم يستدع دق ناقوس الخطر، إلا بعد ذلك الوقت بزمن طويل، عندما أصبح الجيل الثالث يدب في شوارع المدن الهولندية الكبرى، وهو لا يجيد غير اللغة الهولندية، ولكن لا أحد في المجتمع يعترف له بهويته الهولندية، ولم يسمح له ببناء عموده، الذي سيكون العمود الخامس بين أعمدة المجموعات الأربع الرئيسية في المجتمع. هذا التجاهل أجبر الجاليات على تأسيس مؤسساتها وفقا لمصالحها ووعيها. الأتراك بنوا مساجد كبيرة بقباب ومآذن، تلقى فيها خطب الجمعة باللغة التركية، وتخضع لرقابة رؤساء الجالية، الذين هذبتهم السطوة العلمانية الآتاتوركية، بينما اختار المغاربة الأفقر، والأقل تنظيما أي مكان تسمح به البلدية ليصبح مسجدا، ومع وصول مهاجرين جدد من أفغانستان، العراق، الصومال، ودول إسلامية أخرى، تحولت تلك المساجد الصغيرة، التي كان يكتفي فيها المهاجرون بالتعبد بعيدا عن إباحية مجتمعهم الجديد، الذي حرصوا أن لا يتسرب لأبنائهم من خلال المدارس أي "دنس" يهدد "طهريتهم"، ويبعدهم عن جنة عرضها السماء والأرض، وهكذا وبسبب هذه الهوية المتشظية، والاغتراب المزدوج، وصعود الخطاب السلفي في أرض الأجداد، بدأ الشباب في رحلة البحث عن جذورهم بعيدا عن مجتمعات القرن الواحد والعشرين، وداخل غيتوهاته في نفس الوقت.

جرس الإنذار

أول من دق جرس الإنذار بقوة هو الكاتب والأستاذ الجامعي بول سخيفر في مقال نشر عام 2000 تحت عنوان "دراما التعدد الثقافي"، ومنذ ذلك الوقت ارتفع غبار من النقاش لم يهدأ حتى الآن، وانتقل من الأحاديث اليومية، والمقالات الصحفية، ليفرض نفسه بقوة في البرلمان، الذي كان قد أقفل أبوابه منذ زمن بعيد في وجه كل الخطابات الدينية، ولم يبق من تلك الحقبة البعيدة إلا اسم الحزب الأكبر" الحزب الديمقراطي المسيحي"، وحزب الاتحاد المسيحي، وأيضا حزب صغير لم ينجح إلا في احتلال ثلاثة مقاعد من مقاعد البرلمان البالغة مائة وخمسين مقعدا، وهو الحزب البروتستانتي المتشدد، الذي يسعى دون هوادة أو كلل ، لتطبيق الإنجيل، والذي يؤمن أن على النساء العودة إلى البيت، ولكن في نفس البرلمان يحتل حزب تخصص فقط في حقوق الحيوانات ثلاثة مقاعد أيضا، وهو لا يؤمن بأي دين من الأديان السماوية أو الأرضية، وهو أول حزب من نوعه في العالم يدخل أي برلمان، كما حاول دخول البرلمان حزب يحاول أن يخفض سن الممارسة القانونية للجنس من سن 16 سنة إلى سن 12 سنة، والذي أقرت المحكمة العليا حقه في تأسيس حزب، ولكنه لم يتمكن من دخول البرلمان.

التحذير القوي الذي بادر به بول سخيفر أصبح يصم الآذان وخاصة بعد أن تحققت توقعاته بمقتل السياسي الشعبوي اليميني بيم فورتاون، ثم بمقتل المخرج السينمائي ثيو فان خوخ، انتهاء بمقتل شاب مغربي خلال شهر نوفمبر الماضي، في مركز للشرطة بحي سلوترفارت في أمستردام، بعد أن اقتحم المركز مسلحا بسكين، طعن به شرطية طعنتين، كما طعن شرطيا في عنقه وظهره، وتمكنت الشرطية الجريحة من أن تطلق عليه النار، وترديه قتيلا.

في عام 2000 قال بول سخيفر إن:" التقليد القديم بتجنب الصراع ليس حلا لمشكلة الهجرة." وكانت خلاصة مقاله تقول:" فشلت عملية اندماج المهاجرين، لأن الهولنديين يغضون النظر عن المشاكل ولا يجرؤون على تسميتها."

اليمين واليسار والإسلام

هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي جاءت بعد عام من مقال سخيفر أجبرت الهولنديين على النظر إلى المشكلة وتسميتها، وهنا اختلفوا بشكل كبير. اليمين بقيادة بيم فورتاون قال أن الإسلام هو المشكلة، لأنه دين "مغلق" لا يمكنه تقبل الديمقراطية، والتعددية الثقافية وحقوق الإنسان، أما خليفته في قيادة اليمين المتطرف خيرت فيلدرز زعيم حزب الحرية اليميني، الذي له تسعة مقاعد في البرلمان الهولندي، فقد طالب علنا بإلغاء الجزء الأكبر من القرآن ليسمح للمسلمين بالبقاء في البلاد، ووعد ناخبيه بقفل باب الهجرة أمام المسلمين، بينما يحاول تيار اليسار التمييز بين "المسلم الجيد" من "المسلم السيئ"، وخاصة حزب العمال المشارك في الائتلاف الحاكم، الذي يحظى تقليديا بدعم عدد كبير من مسلمي البلاد، ولكنه يلعب لعبة محفوفة بالمخاطر، فهو من جهة يحاول أن يرضي ناخبيه المسلمين، وأغلبهم من المسلمين التقليديين الذين اختاروه لأنه يجيد الدفاع عن حقوق العمال، وفي نفس الوقت يحاول الحزب من خلال ذلك أن يكون متوافقا مع القيم الليبرالية التي يؤمن بها، بينما يضيق ذرعا أغلب اليساريين من هذه العودة المباغتة إلى الماضي، فهم من جهة يقفون دائما مع حقوق الأقليات والمهاجرين، ولكنهم يستشعرون الخطر من الإسلام الأصولي، ليس فقط لأنه معاد لقيمهم، ولكنه يفزعهم من تذكر حقب بعيدة من تاريخهم قدموا فيها الضحايا على مذبح الحرية، في مواجهة اليمين الذي يستغل هذه الأزمة لزيادة عدد مقاعده في البرلمان، و العودة لمناقشة مواضيع تم حسمها وصارت من المبادئ الراسخة، مثل وضع المرأة، حرية الاعتقاد، الحرية الجنسية، وحرية التعبير.

الركوب القسري لقطار العولمة

هولندا لم تعد هي نفسها هولندا فهي لا تمثل ثقافة سكانها الأصليين الذين يطلق عليهم "الاوتوختون" أي المواطن الأصلي، ولا الوافدين الذين يطلق عليهم " الالختون"، ومن العجيب أن هاتين الكلمتين تستخدمان في هذا البلد الليبرالي بشكل واسع من البرلمان إلى أصغر مقهى في البلاد، مع أن التسمية تشير إلى جذور بعيدة في نفي الآخر، وعدم الاعتراف به، ومن الواضح أن العلمنة قد عصفت بالجميع على عكس ما كان متوقعا في البداية، حيث كان يخشى الضعفاء من هيمنة الأقوياء، وها هي العلمنة تجتاح كل أركان الكوكب، مجبرة المتخلفين على اللحاق بالركب، ولو اقتضى ذلك تقريعهم، وإجبارهم على نسيان اعتقادات ظلت راسخة بسبب العزلة، ولكن العولمة في نفس الوقت تجبر الذين سبقوا على الانتظار، والالتفات بقوة باتجاه أسئلة وقضايا، كانوا يعتقدون أنهم صارت جزءا من الماضي البعيد.
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "العرب" القطرية، 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home