Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


عـمر الكدي

السبت 20 ديسمبر 2008

بينما العالم يتغـيّر.. العـرب خارج هذا التغـيير (*)

عـمر الكدي

في نهاية عام 2008 يبدو العالم وكأنه يتغير بوتيرة سريعة، إلا في المنطقة العربية التي تبدو مثل سفينة تحولت تحتها مياه البحر إلى رمال. بعد أيام سيدخل البيت الأبيض أول رئيس أسود في تاريخ أمريكا، اختاره معظم الأمريكيين بسبب ثقتهم في أنه سينجح في التغيير الذي وعد به، وهم على استعداد للمرة الأولى لتغيير نمط حياتهم الذي سبب للكرة الأرضية أمراضا لن تختفي في ما تبقى من هذا القرن. لن يتخلصوا من جورج بوش وهؤلاء الأفاقين الذين ورطوهم في أكبر أزمة مالية في التاريخ، وأيضا حربين لا يبدو أنهم سيخرجون منها منتصرين حتى ولو استخدموا كل أسلحتهم النووية، سيتخلصون أيضا من مدمني الكمبيوتر الذين كانوا فخر البنوك الكبرى، بالرغم من أنهم كانوا يستثمرون في الديون، وكأنها لعبة الكترونية أدمنوها منذ أن كانوا في الثانوية. لن يكون العالم بعد 2008 عالما افتراضيا، لن يخسر أحد إلا شتائمه عندما يخسر في لعب العالم الافتراضي، على الأرجح سيتوقف الأمريكيون عن أكل ما يبيعه لهم ماكدونالد، الذي على الأرجح يكون قد استثمر كل ما ربحه من الأمريكيين في صنع الأدوية، لعالج البدانة المفرطة، أمراض القلب والشرايين، وأيضا في إنتاج الأنسولين، مثله مثل شركات التبغ التي تستثمر في أنواع أخرى من الأدوية.

في المنعطفات الكبرى يضطر التاريخ إلى وسم ضحاياه بالحديد والنار، مثلما يسم البدوي الإبل وهي ترغي، ربما لأنه لا يمكن أن نتخيل الصينيين، الهنود، والبرازيليين، الذين سيكونوا من أغنى أمم الأرض على الأرجح مع منتصف هذا القرن، وهم يأكلون نفس كمية اللحوم التي يأكلها الأمريكيون، لأننا سنترحم على الديانة الهندوسية التي جعلت معظم هؤلاء البشر ولأسباب دينية يأكلون الأعشاب فقط، أما عندما نرى سيارات في حجم السيارات الأمريكية، وهي تتزاحم في شوارع نيو دلهي ومومباي، فعندها سيكون المكان الوحيد الصالح للسباحة هو القطب الشمالي أو الجنوبي.

الجميع يتغير، إلا هؤلاء الذين اختاروا أن يكونوا أعضاء في الجامعة العربية. ثمة استثناءات نادرة هنا وهناك، ولكنها على الأطراف أشبه برجل مصاب بجلطة يحرك أصابع قدميه، بالرغم من أن الضالعين في المعرفة يقولون أن تحريك هذه الأصابع يدل أن الرجل يستجيب للعلاج، حتى ولو كان آخر العلاج الكي. يقولون أن التاريخ لا يكوي ضحاياه هناك فقط بل يكوي ضحاياه هنا أيضا، وبطريقة أكثر قسوة، فإذا كان في وسع الأمريكيين أن يختاروا من أجل التغيير رئيسا أسود، فإن جماعة الجامعة العربية لا يمكنهم اختيار أي رئيس آخر ما عدا جورج بوشهم الحالي، حتى ولو حكمهم منذ أربعين عاما. من أجل تغيير هذا الواقع العجيب لابد من أن يعرج بهؤلاء في كل مستنقعات العالم النتنة، لعله يستيقظ بفضل ذلك النشادر، فهو في الحقيقة مومياء فرعونية، يعشقها الغربيون وهي هامدة في تابوتها الملكي، ويخشونها عندما تستيقظ وتجوب شوارعهم وهي ترتدي أسمالها، التي صممت وصنعت منذ خمسة آلاف عام، وخاصة عندما تهذي بتعاويذها العجيبة وطلاسمها السحرية.

الفائدة الوحيدة التي استفاد منها هؤلاء منذ استقلالهم، هي أنهم جربوا كافة الخيارات دون جدوى، حتى أنه يمكن القول أن العراق هو من أفضل البلدان العربية عام 2008، بالإضافة إلى الصومال الذي اكتشف منبعا للثروة لا ينضب حتى وان نضب النفط. في العراق عاد المجتمع لينطلق من جذوره الأولى، سنة، شيعة، عرب، أكراد، مسيحيون، يزيديون، وصابئه، وهو في تقديري أهم من التقسيمات السابقة، بعث، شيوعيين، إخوان مسلمين، ليبراليين، حزب الله، وحزب الشيطان، وهم في الحقيقة من قاد المنطقة إلى ما هي عليه الآن. قد يبدو الأمر مضحكا لأولئك المتفائلين في الستينات، ولكنه ليس كذلك لعبد الرحمن بن خلدون، الذي كان يدرك خطورة الخلطة العجيبة للشرق الأوسط أكثر من كارل ماركس، الذي أطلق على هذا النموذج مصطلح "الاستبداد الشرقي"، وعاد إلى جذوره الأوروبية بالرغم من أن لحيته الكثة ستثير ريبة جيرانه في حي الهاي غيت في لندن الآن حيث عاش آخر سنوات حياته، ولحلق لحيته فورا خوفا من أن يصنف ضمن تنظيم القاعدة، أو لشكر طيبة.

في عام 2008 أجريت تعديلات على الدساتير لتمكن الرئيس من البقاء في السلطة ولاية أخرى، بينما تعكف لجنة في ليبيا لوضع أول دستور في البلاد منذ أربعين عاما، كانت مسودة الدستور قد سربت منذ أن وضعته لجنة سابقة أكثر غموضا من اللجنة الحالية، وينص الدستور الجديد في البند الرابع، أي بعد الله والوطن والثورة، على أن العقيد القذافي شخص تاريخي مقدس، لا يمكن محاسبته أو الطعن فيما يقول، ووفقا لما صرح به ابنه فهو خط أحمر لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزه، وهو ما يؤشر إلى أن الدستور الموعود سيكون أشبه ببقية الدساتير في المنطقة، يمكن في أي وقت تعديله في جلسة لا تستغرق أكثر من خمس دقائق، بينما تؤكد تقارير المنظمات الحقوقية، أن عام 2008 شهد تراجعا في الحريات العامة، وفي الاصلاحات التي كانت الأنظمة قد باشرت بها، بعد غزو العراق.

لماذا يخرج التايلنديون إلى الشوارع لإسقاط الحكومة، ولماذا يثور طلاب اليونان هذا الثورة الغاضبة؟ بينما لا يخرج إلى شوارعنا إلا الانتحاريون، ويصول ويجول في برلماناتنا القبليون، والطائفيون، في الوقت الذي لا يستمع فيه أحد إلى العقلانيين الذين يملكون حلولا عملية لهذه المشاكل المزمنة، ولكن هذه الحلول تحتاج لتعميمها وتجذيره في الرمال المتحركة، أكبر قدر من الحوار الهادئ، حتى مع هذه الأنظمة التي جعلت المكان غير صالح للحياة، ولكنها لا تزال الطرف الأكثر تأثيرا في الواقع. للآسف سيمضي عام 2008، بينما العرب ومن في حكمهم لا يتغيرون حيث يتغير بقية العالم بشكل سريع وكبير.

elkeddi@hotmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية، الجمعة 19 ديسمبر 2008.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home