Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


Omar  El-Keddi

Saturday, 23 September, 2006

أسبانيا تستقبل القذافي وهي تلعـن فرانكو

عـمر الكدي

من حسن الحظ أن القذافي زار أسبانيا في نفس العام الذي أتخذ فيه البرلمان الأسباني قرارا تاريخيا، ففي أكتوبر الماضي أصدر البرلمان قانونا يدين انقلاب الجنرال فرانكو، وأيضا الحقبة الدكتاتورية التي حكم فيها أسبانيا، لمدة أربعين عاما متواصلة، ويجبر القانون الحكومة، وبقية السلطات على تمويل أي مجهود للبحث عن المقابر الجماعية لقتلى الحرب الأهلية الأسبانية، ومعظمهم من الجمهوريين، الذين يمثلهم اليسار الحاكم بقيادة ثباتيرو، الذي أعدمت قوات فرانكو جده، وإن كان لم يولد بعد عندما أعدم جده، إلا أنه وضع هذا القانون في سلم أولويات حكومته، وكأنه يسعى إلى ثأره الشخصي، ولكن هذه المرة دون إراقة قطرة واحدة من الدماء.
واستنادا إلى هذا القانون ستتم إزالة كل تماثيل الجنرال، وكل ما يمت له بصلة، بما في ذلك تغيير أسماء الشوارع، والميادين، والمدارس، وغيرها من المنشاءات. ليس فرانكو فقط، بل كل رفاقه، الذين شاركوا في استيلاءه على السلطة، أو تولى المسئولية أثناء حكمه الطويل، وكأن أغلب الشعب الأسباني يفضل أن ينسى هذه الحقبة، ويلغيها بشكل كامل من ذاكرته. كما يحق لكل من تم طرده خارج البلاد، أو أجبر على البقاء في المنفى بسبب هذه المرحلة الدموية من تاريخ البلاد، بما في ذلك جميع أبناءه وأحفاده من الحصول على الجنسية الأسبانية، والعودة إلى البلاد، والمساهمة في البحث عن قبور أجداده، وإعادة دفن رفاتهم.
ليس هناك أي تشابه بين العقيد الليبي والجنرال الأسباني، سوى في كونهما عسكريين، وأنهما حكما بلاديهما لمدة تقترب من الأربعين عاما، وأن فرانكو قال لأحد السفراء العرب بأن أصوله عربية. فيما تبقى يختلف الرجلان من حسن حظ أسبانيا، وسؤ حظ ليبيا.
لم يسرق فرانكو السلطة الشرعية تحت جنح الظلام، وإنما ظهر في وقت تتمزق فيه بلاده. شارك في الحرب الأهلية الأسبانية، تقريبا كل اليسار الأوروبي، وكان شعراء وكتاب اليسار من لوركا الأسباني الذي طار بجناحي الشعر، وبقدر غجري ليكون واحدا من أشهر شعراء القرن العشرين، وقد تبنته كل لغات الأرض. كان كل من بول ايلوار الفرنسي، إلى ارنست همنغواي الأمريكي، مرورا بجورج أورويل الانجليزي على الخط الأول من جبهات القتال، وساند الإتحاد السوفيتي الجمهوريين، بينما وقف هتلر، وبينيتو موسوليني مع الجنرال فرانكو. كانت معركة فريدة. كتبت خلالها قصائد تضاهي عدد الطلقات التي أطلقت، وأرخت تلك الحرب في روايات كبار كتاب القرن العشرين، الذين كانوا شبابا من طينة أخرى يثور على أوروبا العجوز، بإرثها الاستعماري، وقيمها المحافظة، وهذا العداء القومي، الذين دفعوا ثمنه غاليا بعد خروجهم خاسرين من معركة أسبانيا.
بينما كان هتلر يزيت آلة الحرب الألمانية شبت النار في بلاد فرانكو، فهرع من المغرب حيث كان يتمركز بلوائه المكون معظمه من المغاربة، وتمكن بعد ثلاث سنوات من الحرب الضروس، التي اندلعت في كل قرى ومدن أسبانيا، لمجرد أن بعضهم يريد الحكم الملكي، والآخر يريد الحكم الجمهوري من الزحف على مدريد بأربعة ألوية، وبطابور خامس لم يغادر المدينة على الإطلاق، فالمعركة كانت أيديولوجية، ولم تكن حربا قبلية. لم تكن أسبانيا جاهزة للديمقراطية مثل معظم أوروبا. عانت البلد التي عاشت وسط تزمت كاثوليكي قرونا طويلة، منذ أن انكفأت على نفسها، منسحبة من إمبراطوريتها الشاسعة، بما في ذلك العالم الجديد، تاركة الأرمادا تحترق بين السفن الانجليزية، وهي ظاهرة كانت واضحة في بلدان جنوب أوروبا مثل البرتغال، إيطاليا، واليونان، بينما كان وصول هتلر إلى السلطة في المانيا يعبر عن أزمة أخرى عانت منها المانيا، وهي تمر بطور جديد من الرأسمالية، التي ليس لها مستعمرات.
عندما توفى فرانكو عام 1975 كان قد نقل أسبانيا مرحلة متقدمة بحيث صنفت في عام وفاته عاشر دولة صناعية في العالم، بينما استلمها مفلسة، ومحطمة بالكامل، ولم يترك السلطة لولده، وإنما أعادها لوريثها الشرعي الملك خوان كارلوس، الذي أشرف فرانكو بنفسه على إعداده لهذه المهمة، وكأنه كان غير واثق من أن شعبه لن يعود لذلك القتال، لذلك قرر أن يكون وصيا عليه، وأن يقوده بحزم عسكري نحو أفق آخر، كان يعلم أن الديمقراطية تنتظر شعبه هناك عند ذلك الأفق. من حق الأسبان أن يتصرفوا في تاريخهم ورموزهم بالطريقة التي يشاءون، ولكن كان اليسار الأسباني يبدو أكثر انسجاما مع نفسه، ليرفض زيارة العقيد القذافي على الأقل في هذا العام الذي لم يبق على نهايته إلا بضعة أيام، وهو العام الذي يزيل فيه هذا اليسار كل ما يمت للجنرال فرانكو بأي صلة.
في فرنسا تحرك اليسار محتجا على زيارة القذافي، ورفض ساركوزي طلب القذافي. الآن فهمت أنه فعل ذلك لأنه لم يكن في السلطة، فجاره اليسار الأسباني في السلطة، ومع ذلك سعى ثاباتيرو دون أن يرف له جفن لاستقبال القذافي. لم ير في العقيد الليبي بالرغم من تنكره في الملابس التقليدية، وغير التقليدية، أنه كان يصافح قاتل جده الذي ، بالرغم من أن هذا قاتل جده هو الذي مهد الطريق لكي يصل حفيد ضحيته إلى رئاسة الحكومة، بينما يمنع نضيره الليبي شعبه ليس فقط من الوصول إلى أفق فرانكو، بل حتى رؤيته من بعيد، وقد حجبه ضباب، تحول بعد قرابة أربعين عاما إلى سحب سود.
يقال أن الأسبان عندما سمعوا نبأ وفاة الجنرال فرانكو يوم 20 نوفمبر قبل 32 سنة صعدت آهة واحدة، وحلقت مثل سحابة متموجة هائلة في سماء أسبانيا، وهو ما لن يحدث في سماء ليبيا، لأن الأسبان كانوا منشغلين عن فرانكو بأعمالهم الناجحة، بينما لا يزال الليبيون يعيشون في انتظار غودو، والذي يأتي ولا يأتي.
لا أعتقد أن العقيد القذافي لم يكن على علم بقرار البرلمان الأسباني المذكور، فهو لم يطلب كما في فرنسا مخاطبة البرلمان، وبدلا من ذلك حضر حفلا لفرقة متخصصة في رقص الفلامنكو، وهي رقصة تقليدية ظهرت في منطقة الأندلس، وتعتمد على تحريك الجسد بعنف ورشاقة، استجابت لعلو وخفوت صوت المغني، وصوت الفيتارة المصاحبة، كما يرافق طرقات كعوب الراقصين تصفيق جماعي، ينسجم مع الموسيقى والغناء، وهي رقصة تعكس روح أسبانيا، وجراحها التاريخية، باعتبارها البلد الذي شاهد الحوار، والقتال، التسامح والعداء، الحب والكراهية، بين الشرق والغرب، وبين الإسلام والكاثوليكية. لم يكن القذافي يعلم أن تلك الصرخات، وتلك الآهات المبحوحة والملتاعة، التي تخرج من بيني شفتي المغني، إنما هي صرخات الضحايا، الذين سيقوا إلى حتفهم، مثلما يقتل الثور في حلبة مصارعة الثيران. ليس بسيف الماتادور، وإنما بتلك الحراب والسهام، التي غرزت ببشاعة في جسد الثور قبل ساعات من مقتله.
هل سينتبه القذافي لمغزى قرار البرلمان الأسباني بعد 32 سنة من اختفاء الجنرال، الذي لم تبلغ ديمقراطية أسبانيا بعد عمره كدكتاتور؟ أشك شخصيا في ذلك، ولكنني على يقين أن هذا ما سيحدث في ليبيا ولو طال الزمان، حتى ولو استدرك القذافي أخطاءه، وحاول وهو يدنو من قبره، وأشرف بنفسه على المصالحة قبل الإصلاح، والتي تبدأ بالاعتراف بالأخطاء مهما كانت كبيرة وبشعة، ومهما حاول القذافي شراء اليمين واليسار الأوروبي، الذي يجلس مجتمعا في البرلمان، سواء أكان في الحكومة أو في المعارضة، وعقد معه الصفقات بمليارات الدولارات، فإن الامتحان العسير يتقرر هناك، تحت تلك الرمال التي لم ينظر لها القذافي إلا لكونها مصدرا للذهب الأسود، بينما ينظر بنهم طورا إلى جيرانه العرب، وطورا إلى إفريقيا، وها هو الآن ينظر إلى أوروبا حيث ترتفع الفاتورة فجاءة سواء أكان الأوروبيون على اليمين أو على اليسار أو في الوسط.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home