Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


عـمر الكدي

الأحد 20 يوليو 2008

اتحاد ساركوزي الغامض (*)

عـمر الكدي

كل بلد وجد في الاتحاد من أجل المتوسط ما يروق له، وبالرغم من أن فكرته الفرنسية الساركوزية، تلعب بدهاء على الفشل الأمريكي في العراق، إلا أن الأوروبيين تشبثوا بالاتحاد خوفا من أن يكون بديلا عن الاتحاد الأوروبي، فحضروا فيه من سواحل غرينلاند إلى جزيرة مالطا، وهم لا ينكرون أن فكرة ساركوزي إذا نجحت كفيلة بوضع حد للهجرة السرية، والإرهاب، وتأمين أقرب مصدر للنفط والغاز في ليبيا والجزائر، كما أن هناك أهدافا غامضة لم يفهمها الأوروبيون في حينها، مثل منع تركيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، عندما يتم ضمها إلى المتوسطي، وقد ينطبق ذلك على ألبانيا، والبوسنة والهرسك، أما ساركوزي فقد ضمن بهذا الاتحاد على الفور قيادة فرنسا للاتحاد الأوروبي، وخاصة أنه اختار الإعلان عن الاتحاد المتوسطي، وهو يترأس الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، وأيضا في وقت يلعق فيه بوش جراحه، بينما أمريكا منشغلة حتى عن العراق بانتخاباتها الرئاسية، وهل سيحكمها لأول مرة رجل أسود، اسمه باراك حسين أوباما، فهدف ساركوزي المخفي بدهاء هو أن تقود فرنسا أوروبا، وأن تعود أوروبا إلى مركزها القديم، بحيث لا تترك الأمريكيين يتصرفون لوحدهم في هذا العالم الخطر، وأن لا تكون أوروبا مرة أخرى مجرد سانشو يتبع دون كيخوته في جنونه العجيب.

كما وجدت البلدان المطلة على الضفة الجنوبية والشرقية للمتوسط ما تبحث عنه في هذا الاتحاد. الإسرائيليون رأوا فيه أفضل قنطرة يعبرون عليها للتطبيع مع الجميع، والفلسطينيون وجدوا فيه رافعة قوية لمفاوضات لم تقد إلا إلى معابر مغلقة، وأفق مسدود، بينما وجد فيه السوريون أفضل حل لكل مشاكلهم دفعة واحدة، وفوقها الجولان كاملة، لذلك أعلنوا على الفور عن استعدادهم للتبادل الدبلوماسي مع لبنان، كما وعدوا أوروبا بإيصال رسالتهم إلى إيران، كأنهم فجاءة تحولوا مثل أجدادهم الفينيقيين، من رماد محتمل ليس إلى طائر الفينيق، وإنما إلى مجرد حمامة سلام بين أوروبا وإيران، وهو ما يرفع من وزن سورية الاستراتيجي، حتى على إسرائيل، أما بقية البلدان فقد وجدت في الاتحاد ما قد يعينها على حل مشاكلها الاقتصادية المتفاقمة، وأيضا بسبب مواجهتها لمشاكل اجتماعية واختناقات سياسية تمس شرعية الأنظمة الحاكمة، فهي إن أجبرت بعد غزو العراق، على القيام بإصلاحات شكلية هنا وهناك، فإنها عادت وتراجعت حتى عن هذا الإصلاحات بعد تأكدها من فشل أمريكا في العراق، ومرت وتمر معظم هذه البلدان بسيناريوهات متقاربة في تعديل الدستور للسماح للرئيس بحكم فترات أخرى، كانت الدساتير السابقة تمنعها، أو بسيناريوهات التوريث.

من الواضح أن ساركوزي كان حريصا على إنجاح مشروعه، حتى ولو تنازل عن نصف الرئاسة إلى مصر، ليس لأنها تطل على أكثر من بحر، ولكن لأن المشروع بدأ يكشف عن وجهه الحقيقي قبل أن يتحول إلى برامج وخطط. تريد أوروبا من دول الجنوب أن تتحول إلى حراس لسواحلها، من المهاجرين والإرهابيين، مقابل استثمارات ومساعدات أكثر، ستكون بالتأكيد أقل مما يكلف أوروبا الآن، ولكن الأوروبيين الذين دفعوا ولا زالوا يدفعون للفلسطينيين على استعداد لدفع المزيد، إذا أدى ذلك لحل النزاع مع إسرائيل، فهم لا يملكون نفس قدرة الضغط التي يملكها الأمريكيون على إسرائيل، ولكنهم قد يعوضون الفلسطينيين على حقوقهم التي سترفض إسرائيل التنازل عنها، وخاصة وأن الجميع تعب من القتال.

لم يتخلف أحد في باريس، وكل له أهدافه الخاصة من هذا الاتحاد الغامض، الذي يبدو أحيانا مثل متحف يضم كل أشكال الأنظمة السياسية، وخاصة على الضفتين الجنوبية والشرقية، لدرجة أن المتوسط يبدو أحيانا بحرا تطل عليه قرون مختلفة، وليس فقط بلدان مختلفة. فقط العقيد القذافي الذي كان من أكبر المتحمسين للمشروع، قبل أن تدخل فيه كل أوروبا، والبلدان المطلة على الضفة الشرقية، رفض الذهاب إلى باريس، فالقذافي كان يريده ميني جيب مقياس 6 +6، وليس ماكسي مقاسه 43. في هذا الازدحام لا يستطيع العقيد فرض شروطه. قد يقبل الاتفاق مع هذه الشعوب التي استعمرتنا وتشبهنا، عن أولئك الشماليين الشقر الذين لا يكفون عن الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، لدرجة أن ساركوزي قال عندما استقبل القذافي في باريس، أن الأخير لا يعتبر دكتاتورا في الشرق الأوسط، وكأنه يقول أنه ليس دكتاتورا وفقا للقرن الذي يعيش فيه جيراننا على الضفة الجنوبية.

احتجاج سكان باريس على إغلاق الجسور بسبب مرور مركب القذافي في نهر السين. تصريحات وزير الخارجية، ووزيرة حقوق الإنسان، التي قالت أن "بلادنا ليست ممسحة يمسح فيها الطغاة أقدامهم من الدماء"، وغياب أعضاء الجمعية العمومية عن الحضور إلى مقرها، عندما زاره العقيد القذافي، تجعله دون شك يتذكر كل هذا عندما اتخذ قراره بالتغيب المدوي عن الحضور لقمة المتوسط، لدرجة أن غيابه كان حاضرا أكثر من حضور الكثيرين، فالأول مرة يكون وحيدا بالكامل، وليس بالضرورة صقرا هذه المرة أيضا. حاول القذافي وضع كل العصي الممكنة في دولاب الاتحاد من أجل المتوسط، ودعا إلى قمة حضرها قادة الدول المغاربية، والرئيس السوري بشار الأسد، وغاب عنها الرئيس مبارك، وعندما فشل في إقناعهم بعدم الذهاب إلى باريس، شن هجوما لاذعا على الاتحاد، بالرغم من أن التسريبات كانت تقول أن القمة كانت من أجل المصالحة بين مصر وسورية، وهو أمر مهم بالنسبة للقذافي لعدة أسباب، منها أن المصالحة بين مصر وسورية ستعزل السعودية، ولكن الأهم أن تقف ليبيا جنبا إلى جنب مع سورية حليفتها القديمة، التي قررت منذ البداية عدم الرضوخ، وهاهم يكافئونها بدعوتها إلى الاتحاد المتوسطي، ويعدونها بالجولان كاملة، بينما هو الذي سلم كل شيء، وعوضهم عن كل شيء، وعقد اتفاقيات بعشرات المليارات معهم، وفي الأخير لا يمنحونه حتى دولة المقر أو رئاسة هذا الاتحاد الغامض، الذي قد يقود إلى نفس الأسئلة المملة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

هذه المرة الثانية التي يخذل فيها العرب القذافي، بعد أن خذلوه في أزمة لوكربي، فجعلوه يكتشف الفضاء الإفريقي، الذي يبدو هو أيضا قد انتهى دوره، ولم يبق من فضاءات متاحة إلا فضاءات البداوة، لذلك زار العقيد القذافي مؤخرا بعد قمة الاتحاد الإفريقي في شرم الشيخ، قبائل البدو في سيناء، والقبائل الليبية في الصحراء الغربية، ووعد باستثمار عشرة مليار دولار في مصر خلال عامين، ثم أشيع أن ليبيا ستبني مدينة كاملة على الحدود المصرية الليبية، حيث تندر المياه، وكأن القذافي يحاول ضم مصر إلى صفه، فينهار الاتحاد من أجل المتوسط، وهو ما فطن له الأوروبيون فجعلوا مباركا رئيسا لاتحادهم، ولكن الأهم أن الفضاءات تقلصت، ولم يبق منها إلا الفضاء البدوي المصري.

elkeddi@hotmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية، الخميس 17 يوليو 2008.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home