Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


عـمر الكدي

الأحد 19 اكتوبر 2008

أميركا ضحية الأصوليات التوحيدية (*)

عـمر الكدي

تفيد التقارير القادمة من الولايات المتحدة أن الأميركيين يشعرون بكآبة وقلق من المستقبل، لم يسبق أن ظهرا بهذا الوضوح في كل الأزمات التي مرت بها أميركا، بما في ذلك يوم الحادي عشر من سبتمبر الرهيب، والذي لم يؤثر في تفاؤل الأميركيين بمستقبلهم، بل على العكس من ذلك أجج رغبتهم في الانتقام، وإشعار العالم أنهم القوة العظمى على وجه الأرض. كما وحّد مشهد البرجين وهما يهويان بين الأميركيين إلى حين. أما تهاوي البنوك وإفلاس الشركات، وانهيار السوق العقارية في أميركا، فقد كان أشبه بإعصار شديد التدمير، لم يأت هذه المرة من المحيط، وإنما من قلب النظام الرأسمالي وهو يواجه طورا جديدا من تطوره، ولكنه ذلك التطور الذي ينتج عنه انهيار إمبراطورية وصعود أخرى.

ما نراه اليوم في أميركا وفي الاقتصادات المرتبطة بها هو مجرد طفح جلدي يخفي الداء العضال، وكأن كل ما مرت به أميركا في العقد الأخير هو مجرد هذيان مريض محموم، منذ أن وقف الرئيس كلينتون ليقسم أنه لم يمارس الجنس مع مونيكا لوينسكي، إلى انتخاب جورج بوش مرتين، وكل هذه الأخطاء العجيبة التي تجاوزت ما قصده تشرشل في الحرب العالمية الثانية، عندما قال: يصدر الأميركيون كل القرارات الخاطئة قبل أن يتوصلوا إلى القرار الصحيح.

عندما فاز بوش على آل غور في الانتخابات الأولى، كشف هذا الفوز عن أن آل غور فاز بأغلبية أصوات الشعب الأميركي، بينما فاز بوش بأغلبية أصوات الهيئات الانتخابية. وعندها اكتشفنا أن آباء أميركا المؤسسين أعطوا للولايات الصغيرة التي انضمت للاتحاد الأميركي أصواتا مساوية لولايات يزيد سكانها عن سكان تلك الولايات. وفي الانتخابات الثانية فاز جورج بوش بوضوح، لكن بفضل معظم تلك الولايات التي تعرف بولايات حزام الإنجيل، والتي لا تساهم حتى بربع المساهمة التي تساهم بها الولايات الطرفية، ويقل عدد سكانها كثيرا عن عدد سكان الولايات المطلة على الساحلين الغربي والشرقي. ولكن في نهاية الأمر فرضت تلك الولايات مرشحها المسيحي البروتستانتي الذي جاء ليحقق آمال المسيحيين المتصهينين، وهو تيار لا علاقة له بهذا العصر، يؤمن أتباعه البالغ عددهم في أميركا 40 مليون نسمة، بفكرة لا تعني من بعيد أو قريب أغلب سكان الساحلين الذين لم يعد مرجعهم الدين، ولا يمانعون في الإجهاض، والعلاقات الجنسية خارج الزواج، وإجراء التجارب على الخلايا الجذعية، والزواج بين المثليين.. وهي القضايا التي جعلت جورج بوش يفوز، رغم كل ما فعله من أخطاء في السياسة الخارجية، وأيضا في السياسة الداخلية.

بينما يحدث كل هذا في أميركا بمفارقة عجيبة، حدث منذ سنوات عديدة تحول مهم في النظام الرأسمالي الذي تحول إلى كائن حي، على عكس الأنظمة الأخرى التي تولد عادة ميتة، فيمكن التنبؤ بسهولة بانحلالها من خلال الرائحة فقط، بينما يمتلك هذا الكائن الذي صنع كل هذا التقدم في العالم، القدرة على إصلاح نفسه، حتى ولو أدى ذلك إلى انقراض الرأسمالية نفسها. ويتمثل هذا التحول في نهاية رأس المال على احتكار القيادة، وترك طائعا القيادة لصاحب المعرفة والمعلومة. في زمن فورد مؤسس شركة فورد لصناعة السيارات، كان المهندسون والمخترعون ينالون رواتب أكثر من الآخرين، لكن الأرباح الضخمة تذهب إلى فورد، وفي زمن بيل غيتس أصبح المخترع شريكا في رأس المال، وتؤكد مسيرة بيل غيتس ذلك، ومن العجيب أنه تقاعد قبل أشهر قليلة من هذا الانهيار الكبير، عندما قرر الانصراف لمعالجة إفريقيا، وهو ما لم يفكر فيه المسيحيون الصهاينة الذين يبتهلون في إذاعاتهم وتلفزيوناتهم صباحا ومساء، من أجل عودة المسيح ونهاية العالم.

بيل غيتس الفقير صنع ثروة أكثر مما صنع فورد وروكفلر، لكن لأول مرة في تاريخ الاقتصاد يصبح المنتوج المادي أقل قيمة من المنتوج الافتراضي. ففي الحقيقة لم يبع بيل غيتس إلا سلسلة طويلة من رقمين فقط هما صفر وواحد، بينما كان الرأسماليون قبله يبيعون أشياء مثل السيارات، والنفط، والحبوب، ودجاج كنتاكي. رفيق بيل غيتس قرر الانصراف عن البرمجيات والانكباب على صنع أجهزة الكمبيوتر، فربح عدة مليارات، ولكن أقل كثيرا من بيل غيتس.

معظم هؤلاء العباقرة الذين أسسوا العالم الافتراضي جاءوا من الولايات الطرفية، ومن بقية أنحاء العالم وخاصة الهند، ولم يأتوا أبداً من الولايات التي صوتت لجورج بوش. كان الانقسام خطيرا لدرجة أن خريطة ظهرت في تلك الأيام تضم الولايات الساحلية لكندا، وتترك ولايات حزام الإنجيل تنتظر المسيح وحيدة.

تبدو أميركا اليوم عرجاء، فبقدر ما تقف على ساق قوية تقود العالم، لكنها في نفس الوقت هي ساق افتراضية، لا تقدم ما يطعم ويسقي، ولكنها تقدم البرمجيات التي من الصعب على العالم الاستغناء عنها، حتى ولو عاش على نصف الحبوب التي ينتجها الإنجيليون المتصهينون، ولكنها تقف في نفس الوقت على ساق أخرى عرجاء، ففي الحقيقة غادرت معظم الشركات التي تنتج كل ما يأكله ويشربه ويلبسه ويستخدمه الأميركيون إلى حيث اليد العاملة الرخيصة، والخامات الرخيصة، والضرائب القليلة، والقيود البيئية الخفيفة.

في هذا الوقت بالذات وصل جورج بوش ومعه كل التراث التوراتي والإنجيلي، ولم يحضر معه أي شيء جديد، ما عدا المحافظين الجدد، وهو اسم يوضح حجم المفارقة، لأن الديانات التوحيدية جاءت متعاقبة، حدث ذلك الصدام العجيب بينها. إذا كان بن لادن قد وصف ما جرى يوم الحادي عشر من سبتمبر بغزوة نيويورك وهو ينظر إلى العالم من كهوف تورا بورا، فقد وصف جورج بوش غزوه لأفغانستان والعراق بأنه حملة صليبية، وانجر بكل سهولة إلى حرب لم يستعد لها بيل غيتس الذي فكر في كل شيء إلا الرجوع عدة قرون إلى الوراء، ولهذا فقدت القوات الأميركية كل كفاءتها التي تعتمد على أذكى وأكثر أنواع الأسلحة فتكا، عندما لجأ الخصوم إلى تكتيكات بدائية، أفتكها الأجساد المفخخة، ورافق هذا التكتيك اقتصاد متقشف، تمثل في زرع عبوات ناسفة لا تكلف الواحدة خمسين دولارا، لتدمر عربة تكلف عشرات الآلاف.

ويبدو أن سبب عدم نجاح الأميركيين في القبض على بن لادن هو أن الأخير تخلى عن اصطحاب أو استخدام أي جهاز، ما عدا المصباح الكهربائي. ومن المفارقات العجيبة، والتي يؤكدها التاريخ بقسوة عجيبة، هو أن كآبة الأميركيين اليوم، وقلقهم من مستقبل غامض، هو إحساس قديم انطبع على الوجوه بقسوة في منطقة الشرق الأوسط، وهي نتيجة لم يكن يتوقعها أفضل المتفائلين أو المتشائمين، وهو ما يؤكد أن زمن العولمة زمن ينقل العدوى بسرعة وسهولة، مهما احتاط الآخر وعزل نفسه. في الحقيقة لقد ذهبت أميركا ضحية لثلاثة تيارات سلفية أصولية تمثل ثلاث ديانات، وهي المسيحية الصهيونية، والأصولية اليهودية، وأخيرا الأصولية الإسلامية، وذلك رغم أنف بيل غيتس وكل عصر المعلوماتية، وهو أشبه بانتصار البدو على الحضر في منطقة الشرق الأوسط، مهما تفنن الحضر في بناء كل هذه المدن.

elkeddi@hotmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية، الخميس 16 اكتوبر 2008.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home