Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


عـمر الكدي

الأحد 17 أغسطس 2008

نهاية مرحلة القطب الأوحد

عـمر الكدي

منذ عام 2005 تقريبا، ظهرت مؤشرات تدل على نهاية مرحلة القطب الأوحد، التي بدأت فور انهيار الاتحاد السوفيتي، وبالتأكيد فإن غزو العراق عجل في ذلك، ولكن أسباب نهاية الولايات المتحدة كقطب أوحد قد بدأت قبل غزو العراق، وقبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومنذ أن بدأت أمريكا تنفق أكثر مما تنتج، وهو ما لاحظه مبكرا وتحديدا عام 1988، المؤرخ البريطاني، وأستاذ التاريخ في جامعة ييل، بول كنيدي، في كتابه (صعود وسقوط القوى العظمى)، والذي تنبأ فيه بقرب انهيار الإمبراطورية الأمريكية، لنفس السبب الذي انهارت به معظم الإمبراطوريات في التاريخ، وهو الإنفاق العسكري، والتوسع الخارجي، على حساب الإنتاج الداخلي، وشكك العديد من الباحثين في ما توصل إليه كنيدي، وخاصة وأن الولايات المتحدة شهدت في نفس الفترة ازدهارا اقتصاديا غير مسبوق، حتى وصل دخلها القومي إلى 4 تريليون دولار، وهو رقم قياسي لا يستطيع من يحتل الترتيب الثاني والثالث والرابع، خلف الولايات المتحدة تحقيقه مجتمعين، ولكن تأجلت رؤية السوس الذي لا يظهر إلا عندما ينتهي من نخر الأخشاب، وعندها يبدأ كل شيء بالتداعي.

من غرائب الأمور أن يكون السوس الذي كشف عن هشاشة أمريكا، هو تنظيم القاعدة وليس الاتحاد السوفيتي الذي تحداها منذ ظهوره المفارق في روسيا، وليس في غرب أوروبا كما تنبأ ماركس، وليس من العجيب أن ينهار الاتحاد السوفيتي وهو يقاتل هؤلاء الذين انضموا لاحقا لتنظيم القاعدة، ولكن نظرية بول كنيدي تنطبق أيضا على الحالة السوفيتية أيضا، فقد أنفق السوفييت على السلاح أكثر مما أنفقوا على الطعام، والأحذية، والملابس. سبب الغرابة في ذلك أن الذي كشف عن الهشاشة هو تنظيم ينتمي إلى عصر متخلف، ولا يتماهى مع هذا العصر إلا في استخدام منتجاته التقنية، بقدر يكفي لتحقيق المهمة، لدرجة أن الذين قاموا بالهجوم الانتحاري على نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر، اكتفوا بتعلم قيادة الطائرات في الجو، لأنهم لم يكونوا فعلا في حاجة إلى تعلم الإقلاع والهبوط. والباقي تولاه التاريخ كعادته بسخرية مرة، مثل المصادفة العجيبة في وجود شخص مثل جورج بوش في البيت الأبيض، وحوله المحافظون الجدد، ووجود نظام طالبان العجيب، في ذلك البلد الذي غادر القرن العشرين، باتجاه الماضي السحيق، دون أن يضطر إلى تعلم فن الإقلاع والهبوط، وأيضا وجود شخص مثل صدام حسين لا يستدعي مبررات كثيرة لغزو بلاده، ولكنها البلاد التي كشفت تركيبتها العجيبة غطرسة الأمريكي، ثم توالت المفاجئات المذهلة بسرعة عجيبة، فقد كشفت العراق الذي انكشف مجتمعه فإذا به غير بعيد عن مجتمع أفغانستان، وأن الطاغية وهو يسير متبخترا تحت وهم عظمته، كان في الحقيقة الحشرة التي نخرت عصا سليمان، فإذا بالنبي والملك المبجل، الذي يخاطب الطير والهوام، جثة هامدة منذ زمن بعيد، وقبل أن يصل الجيش الأمريكي إلى بلاد الرافدين.

في أسبوع واحد انكشف آخر ما حاولت الولايات المتحدة ستره، فقد تولت الصين الإعلان المدوي عن استيقاظ التنين الأصفر، واستعداده للطيران، خلال أربع ساعات ممتعة لوقائع افتتاح أكثر دورات الألعاب الأولمبية جدلا في التاريخ، وفي آخر الأمر ابتلع الغربيون كلماتهم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في الصين، ووصل عدد الرؤساء الذين حضروا الافتتاح، مائة رئيس، ورئيس وزراء دولة، وهو رقم قياسي في تاريخ الألعاب، فقد جذبهم أكبر سوق في العالم، حتى ولو كان يئن في أركان السوق عدة ملايين. أما روسيا فقد استغلت تطورات الأحداث في اوسيتيا الجنوبية، لتؤكد أن الدب القطبي قد استيقظ من سباته، منذ حلول الربيع.

كيف ستنعكس مرحلة التعددية القطبية على هذه الصحراء الممتدة من المحيط إلى الخليج؟ من الصعب التنبؤ بأحوال الموتى قبل أن يستيقظوا، ولكن يمكن القول أن تنملا يسري في هذا الجسد الميت، وأن قشعريرة تسري في تلك الجثة، لابد أنها علامة استيقاظ وليس مزيدا من الموت، وخاصة وأن شعوب المنطقة استهلكوا كل الخيارات، وهاهو الفلسطيني يطرد من بيته على يد فلسطيني آخر، فلا يجد أمامه إلا الفرار إلى إسرائيل، بينما تعب رجال العراق من قتل بعض، ففتحوا الطريق أمام النساء الانتحاريات، بينما يقود المصالحة في البلدان الأخرى، أبناء نفس الزعماء الذين قادوا هذه المجتمعات إلى هذا الموت السريري، ومع ذلك فلا تزال هذه المنطقة قادرة على ارتكاب المعجزات، مثل انتفاضة عسكر موريتانيا من أجل الديمقراطية، هل يعني هذا أنهم استيقظوا، أم أنهم يهذون ؟ بينما ينظر لهم العالم، الذي استيقظ، والذي سيخلد إلى النوم بقرف عجيب.

elkeddi@hotmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية، الخميس 14 أغسطس 2008.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home