Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


Omar  El-Keddi

Thursday, 17 April, 2008

عودة الكونت دي مونت "برلسكوني" (*)

عـمر الكدي

تبدو إيطاليا مغرمة منذ بضع سنوات بسلفيو برلسكوني، الذي أعادت انتخابه رئيسا للوزراء للمرة الثالثة. ليس لأن برلسكوني تمكن بكل مهارة من إقناع الناخب الإيطالي، بأنه الأحرص على مصلحته، وهو الأنظف يدا بين كل السياسيين في تلك البلاد التي أنجبت المافيا. كلا، وإنما يرى الناخب الإيطالي في برلسكوني حلمه الشخصي. يريد أن يكون غنيا مثله، وأن يكون له نادي كرة قدم يلعب فيه نجوم العالم، وأن يكون له قنوات تلفزيونية لا تطل منها إلا الحسناوات، ولأنه لا يستطيع ذلك فسيصوت لمن أستطاع الوصول إلى هذا الحلم، وخاصة أنه نجح في الاحتفاظ بحكومة واحدة لمدة خمس سنوات، وهو رقم قياسي إيطالي.

لقد انتخب الإيطاليون برلسكوني للمرة الأولى رئيسا للوزراء عام 2001، وكأنهم يريدون وضع حد مع بداية القرن الجديد، لكل تلك الطبقة العجيبة من السياسيين، الذين طوال 60 عاما لم يتمكنوا من الاحتفاظ بحكومة واحدة، أطول من عام واحد. في نهاية الأمر اختاروا كل الأحزاب تقريبا، باستثناء الحزب الشيوعي، الذين كانوا يفاخرون بأنه أكبر حزب شيوعي في أوروبا الغربية، أكثر من مفاخرتهم بشركة الفيات والفاتيكان، ومع ذلك فقد اتضح أنهم جميعا لصوص، من قادة الحزب الديمقراطي المسيحي، الذي كانوا يعملون على بعد خطوات من البابا مع المافيا، إلى الحزب الاشتراكي الذي فر أمينه العام إلى تونس، وبحوزته عدة ملايين. في تلك الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، لم ينسجم الإيطاليون إلا مع الرئيس ساندرو برتيني، والذي لم ينبهروا به بسبب نضاله ضد الفاشية، وإنما أغرموا به في شيخوخته، عندما تولى رئاسة الجمهورية، فأخرجها بمرحه من تلك الأجواء الكئيبة، بتندره على زوجته، وبلفتاته الإنسانية، وخاصة عندما منح وسام المواطن المثالي إلى عامل النظافة الذي كان يعمل أمام القصر الجمهوري، وعندما سئل أجاب بأنه منذ سنوات طويلة لم ير الرجل تأخر، أو تخلف عن عمله يوما واحدا، وهو أمر نادر في هذه البلاد، وفي ثلاثينات القرن الماضي، أغرم الإيطاليون ببينيتو موسيليني، فمشوا خلفه وهم يرددون الأناشيد الفاشية حتى دخل روما، وقد أعفوه جميعا من الانتخابات والتصويت، وكأنهم يستقبلون قيصرا جديدا، ولكنهم لم يترددوا في سحله في شوارع ميلانو، عندما اكتشفوا أنه عادي، وأنهم هزم في الحرب، ولم يكن سوى طبل أجوف، أما من تبقى من سياسيي ما بعد الحرب العالمية، فكانوا عاديين لدرجة أن أهمهم خطفته وقتلته الألوية الحمراء.

إذا كان السابقون مجرد لصوص، تعمدوا إدخال البلاد في أزمات سياسية حتى يغطوا سرقاته، فلماذا لا يختار الإيطاليون برلسكوني؟، فهو أغنى رجل في البلاد، ولن يسرق مثل نشال في سوق الأحد، وإنما سيغير ببساطة القوانين من أجل أن تربح شركاته، وسيحمي نفسه بالحصانة، وسيعرف كيف يخرج مثل الشعرة من العجينة، من كل تلك التهم التي لا يكف المدعي العام على رفعه ضده، وهو يدرك أن الشعب الإيطالي لا ينتظر إطلالته من شرفة قصر الحكومة، وإنما إطلالته من شرفة ملعب ميلانو، وهو يحمل كأس الأندية الأوروبية، مثل قيصر منتصر يحمل أذن الأسد المصروع في الساحة، ولعله لا يدرك وهو مندمج في هذا الدور المعقد، أنهم سيملونه وقد يسلخون جلده، إذا فشل في تجسيد الحلم، مثلما فعلوا مع موسيليني.

إذا نجح برلسكوني مع نادي الميلان فلماذا لا ينجح مع هذا الحذاء الطويل، الملقى بنعومة في أحضان المتوسط، وإذا تمكن من شراء كل هؤلاء النجوم، الذين يخلبون عقول الجماهيرية، بتمريراتهم الرائعة، وأهدافهم الجميلة، فبإمكانه شراء هؤلاء السياسيين بسعر أرخص، وخاصة هؤلاء الذين يجيدون اللعب بأقدامهم اليمنى، مثل حزب رابطة الشمال، الذي يهدد على طريقة الأزواج الإيطاليين بالانفصال، وهو لا يستطيع المبيت خارج إيطاليا ليلة واحدة، فعندما سيحاول الحديث بأي لغة أخرى، ستفضحه أجراس لغة يحلو بها السباب.

سيلجأ برلسكوني إلى المزيد من عمليات شد الوجه، حتى وهو يتبجح بأن أحفاده يعتقدون أنه سوبرمان، وسيقول لفتاة سألته من تتزوج، دون أن يرمش له جفن. تزوجي أبن برلسكوني، لكنه لن يتوقف أبدا عن مطاردة تلك اللذة، التي شعر بها عندما أنجز صفقته الأولى في حياته. كل ما في الأمر أن اللعبة تعقدت، وأصبحت ممتعة أكثر، ولعلها كذلك بالنسبة للإيطاليين.
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية، الخميس، 16 أبريل، 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home