Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


عـمر الكدي

الأربعاء 16 يوليو 2008

الطربوش، القبعـة، والحجاب (*)

عـمر الكدي

تبدو المعركة حول الحجاب في تركيا بين حزب العدالة والتنمية الحاكم، والحزب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك معركة مبتذلة، فقد زج الإسلاميون بقضية الحجاب قبل أن يسيطروا على بلد، يحكمه مصطفى كمال أتاتورك من قبره، بينما لم ينظر العلمانيون إلى نجاحات الإسلاميين في الاقتصاد، وقدرتهم على وضع حد للفساد، وهو مرض مستوطن في تلك البلاد، وتمسكوا بقضية الحجاب مثل امرأة عمياء تتمكن من القبض على لص، بالرغم من أن أتاتورك نفسه لم يفرض الحجاب، الذي فرض على طالبات الجامعات في سنوات التسعينات، وبسب هذا القرار منعت عشرات الآلاف من النساء التركيات من مواصلة دراستهن في الجامعة، وهو أمر يتناقض مع روح العلمانية كما تتجسد في العديد من البلدان الديمقراطية، ولكن تركيا تختلف في هذا الشأن، فالعلمانية التركية علمانية شمولية، وضع أسسها عسكري حقيقي أنتصر في معارك شرسة، وتمكن من تحرير التراب التركي كاملا خلال ثلاث سنوات، وأسس جيشا لم يخض حروبا إلا ضد الأكراد، والقبارصة اليونانيين، بينما قام بأربعة انقلابات على حكومات منتخبة.

منذ أيام استوقفتني صورة رأيتها على إحدى صفحات الجرائد. يظهر فيها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الدولة التركية الحديثة، وخلفه يسير جمع من الرجال، وإلى جانبه تسير سيدة قصيرة القامة، تضع على رأسها حجابا يخفي كل رأسها، وينسدل على كتفيها، بينما كان وجهها سافرا، تنم ملامحه على سيدة لا تقل شخصيتها قوة عن شخصية زوجها الأسطورية، التي كانت ترتجف منها تركيا من الأناضول إلى البوسفور. الذي استوقفني أن حجاب لطيفة هانم زوجة مصطفى كمال أتاتورك، أكثر تزمتا من حجاب خير النساء، زوجة الرئيس التركي عبد الله غل.

بعد إلغاء الخلافة فرض أتاتورك على شعبه نزع الطربوش وارتداء القبعة الأوروبية، كما فرض عليهم أن يختاروا ألقابا، وفي آخر الأمر استبدل الحرف العربي بالحرف اللاتيني، أما الآذان فقد أصبح باللغة التركية، وإذا تحمست أنقرة واسطنبول لهذه التغييرات الرمزية، فقد شعرت مدن وقرى الأناضول بالإهانة، ومنذ ذلك الوقت لم يغفروا لأتاتورك هذا التسلط، حتى أنهم يرفضون مناداته بلقب أتاتورك الذي يعني أبو الأتراك، ويتحينون الفرصة للثأر للطربوش من القبعة، وذلك بإعادة الاعتبار إلى الحجاب بعد سبعين عاما من وفاة أتاتورك.

ثمة شرخ عميق بين معظم شعوب الشرق الأوسط، يظهر تارة على شكل صراع أبدي بين البدوي والحضري، وكأنه يؤكد أن ما حدث بين هابيل وقابيل لا يزال يحدث اليوم، وتارة يظهر على شكل اختلاف حاد بين الريف والمدينة، وهو الصراع الذي يحكم تركيا المعاصرة. لم يبق الصراع على شكله القديم، بين ريف بعيد، ومدينة حديثة مترفعة، تنظر إلى هؤلاء الذين دفعهم الفقر والجفاف إلى هجرة قراهم، إلا كما ينظر الأوروبيون إلى المهاجرين، ولكن الطفرة الاقتصادية التي شهدتها تركيا في العقود الأخيرة، جعل هؤلاء الريفيين جزءا من الطفرة. زادت ثروتهم، وتحسن تعليمهم، وولدوا وعاشوا في المدن التي كانت تلعنهم، فكشفوا عن وجههم الحقيقي، الذي أخفوه عندما دخلوا المدينة، وآن الأوان لاحتلالها من الداخل.

تؤكد الإحصائيات أن ثلتي نساء تركيا يرتدين شكلا من أشكال الحجاب، يتراوح بين الحجاب التقليدي الذي ترتديه القرويات في الأناضول، وحجاب متزمت أقرب إلى البرقع، كالذي ترتديه المتشددات في كبرى المدن، وهذا يعني أن ذلك الدستور الذي وضعه أتاتورك في منتصف عشرينات القرن الماضي، لا يعكس الواقع كما هو عليه اليوم، وأن ذلك الشعب البدوي القادم من أعماق آسيا ليحتل ما يعرف اليوم بآسيا الصغرى، يمر بلحظة مفارقة في تاريخه، قد تنتهي إلى مصالحة تاريخية، وقد تنتهي بانقسام عميق.

وبالرغم من احتلال الأتراك لمعظم العالم الإسلامي لمدة خمسة قرون متعاقبة، إلا أنهم لم يتركوا خلفهم ما يفخرون به. في الحقيقة تركوا جيشا من الحريم، وجيشا من الانكشاريين، من يستيقظ منهم أولا يمارس السلطة، ولكن هذه المرة علينا أن نتعلم من الأتراك، وخاصة أن الإسلاميين فيها برهنوا أنهم الأذكى، والأعقل، والأطول نفسا، بينما برهن العلمانيون أنهم مجرد انكشاريين يسيطرون على الجيش، والمحكمة الدستورية.

elkeddi@hotmail.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "العرب" القطرية، الخميس 10 يوليو 2008.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home