Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


عـمر الكدي

الخميس 14 أغسطس 2008

المصالحة على صفحة قديمة

عـمر الكدي

يحاول سيف الإسلام القذافي لملمة كل الجرائم التي ارتكبها نظام أبيه، على طريقة الرز والعصبان أو البازين واللحم، وكل تلك الطقوس البدوية، التي تبدأ بصخب، وتنتهي بالصلاة على النبي، وتقبيل الرؤوس، وعودة المياه إلى مجاريها بين الخصوم، حتى إذا لم يتحقق العدل، وتعود الحقوق إلى أصحابها.

قد تكون هذه الطقوس ملائمة لمجتمع النجوع، ولكنها ليست ملائمة لكل الليبيين إذا أرادوا مثلما يتوقون بالفعل أن يبنوا دولة جديدة، تستند إلى المؤسسات الراسخة، وحكم القانون، والفصل بين السلطات، وليس لأعراف وعادات القبائل. يبدو الهوس بطي صفحة الماضي بأقصى سرعة ممكنة واضحا في كل كلمة وحركة صدرت عن سيف الإسلام، خلال كلمته الأخيرة عن المصالحة، حتى أنه لم ينتظر يوم 20 أغسطس، كما عود الليبيين على ذلك في السنوات الأخيرة. في هذه الكلمة تحاشى التطرق إلى أسباب القمع الذي تعرض له الليبيون في العقود الماضية، منذ انقلاب سبتمبر، وفي بعض الجرائم برأ النظام من أية مسئولية، واتهم أشخاصا طبيعيين بتلك الجرائم، مثل جريمة اغتيال الشيخ البشتي البشعة، أما الذين سجنوا من السياسيين فقد برر ذلك ب"عمالتهم" لقوى خارجية، فجعل الإسلاميين عملاء للسعودية، والبعثيين عملاء للعراق، والشيوعيين عملاء لموسكو، وهو ما يعني عدم قدرة سيف الإسلام ومن يقف وراءه على التفرس في الحقيقة، وأنهم لا يرغبون في الاعتذار، وهو المدخل الصحيح لأي مصالحة.

قد يقبل البعض التعويض المادي، وخاصة بعد أن وصل الضغط الاقتصادي على معظم سكان ليبيا درجة غير مسبوقة، وهو أمر دبر بتأني وخلال سنوات طويلة، ليقود إلى هذه النتيجة، ولكن بالتأكيد لا أحد يقبل أن يسجن كل هذه السنوات، لأنه كان عميلا لدولة أخرى، وليس لأن الوالد سرق السلطة من حكومة شرعية، ليورثها إلى ابنه الطيب والمتزن، ولم يسلمها للأولاد الآخرين، الذين نسى أحدهم أنه في سويسرا، مقولة "خدم المنازل رقيق العصر الحديث"، و"البيت يخدمه أهله".

عندما تحدث سيف كانت خلفه لافتة كبيرة مكتوب عليها كلمة "الحقيقة من أجل ليبيا للجميع" بخط كبير، ولكنه حاول طوال كلمته تجنب الحقيقة. لا يمكن الوصول إلى مصالحة حقيقية دون معرفة الحقيقة. في معظم الحالات لا يسعى الضحايا إلى الثأر من الجاني، ولكنهم بالتأكيد يسعون للعدل والإنصاف، وإعادة الاعتبار لكل مظلوم.

يقول سيف الإسلام للمنفيين الذين عاشوا في المنفى أكثر مما عاش المنفيون الليبيون، في جزر البحر الادرياتيكي زمن الاستعمار الإيطالي. "عودوا إلى بلادكم وعليكم الأمان"، دون أن يستعرض حتى الاستعراض أسباب خروجهم إلى المنفى، ومن حقنا أن نعرف الحقيقة، فقد يكونوا هم أيضا عملاء للبلدان التي يعيشون بها، وبعد أسابيع من خطف وتعذيب ضو المنصوري، يقول سيف الإسلام أن اللجان الثورية لا تحمل السلاح، وهي لا تملك أي نفوذ، في الوقت الذي لا نعرف فيه أسباب قدرة سيف الإسلام على جمع كل هذه الشخصيات أمامه، بما في ذلك وزير العدل، و"صديقي وأخي" التهامي خالد، بالرغم من أنه رئيس مؤسسة تهتم بحقوق الإنسان. لماذا يتحاشى سيف الإسلام مخاطبة الليبيين على أنه خليفة أبيه؟ وأنه يريد ترتيب دولته على مزاجه.

قد لا يستطيع أحد الآن الوقوف في وجه السيناريو الوحيد، ولكن من الخطأ الجسيم إضفاء أي إجماع على هذا السيناريو، ومن أكبر الأخطاء القفز في حضن سيف الإسلام بهذه السرعة، وكأن السيناريو سيمضي كما رسم له، وأن نجاحه مرهون في الضغط العنيف والناعم على كل الأطراف للقبول به، وإذا كان الإصلاحيون في الداخل مجبرين على القبول بما هو متاح، فليس من الحكمة أن يوافق المنفيون على هذا السقف المتاح، وان يرفضوا فتات مصالحة لا ترمي إلا إلى مزيد من الإذلال والغطرسة.

كان من الأجدر أن تغضب الدولة الليبية لأي انتهاك يحدث لأي مواطن ليبي في أي مكان في العالم، ولكنها لم تغضب إلا من أجل هانيبال، حتى ولو عرضت مصالح الليبيين للمخاطر، وهو ما يعني أن المصالحة تعني أن تعتذر للقذافي وعائلته عن أي كلمة قلتها في حقهم، حتى يتاح لك العودة إلى وطنك قبل أن يسرقه منك هؤلاء اللصوص، الذين يريدون إذلالك مرتين، مرة عندما خرجت من بلادك دون أن ترغب في ذلك، وأخرى عندما تعود صاغرا معتذرا، دون أن تحقق شيئا من تلك الأهداف التي خرجت من أجلها. قد تكون المصالحة على أساس طي صفحة الماضي، وذلك بفتح صفحة جديدة، ولكنني لا أرى صفحة جديدة. يبدو أن سيف الإسلام استخدم صفحة قديمة، أو أنه نسى صفحة الكربون على الصفحة الجديدة، فنسخت دون أن يدري الصفحة القديمة.

قد تكون المصالحة كما جرت في عمان، بين ثوار ظفار والسلطان قابوس هي أفضل ما يصلح لليبيين، فالمصالحة على طريقة جنوب إفريقيا هي مصالحة بين غزاة وأهل البلد، أما المصالحة على الطريقة المغربية، فكانت صورية حتى أنه يتم التراجع عن مكتسباتها بسرعة، ولكن ما كان للمصالحة العمانية أن تنجح لو لم يختف والد السلطان قابوس من على المسرح السياسي، ويسلم كل الوزارات التنفيذية لمعارضيه ليعيدوا بناء البلد على أسس أكثر ثباتا ومتانة، وهاهي كل الوقائع تؤكد أن ما حدث في عمان كان مفيدا للجميع، وهو أمر ممكن تكراره في ليبيا إذا طرح الموضوع بأكبر قدر من الشفافية والوضوح، وليس كما يتم طرحه الآن بهذه الطريقة المضحكة، وغير الناضجة، والتي تخلط الأوراق عن عمد، وبنية سيئة، وهو أمر قد لا يؤجل الانفجار، والذي يرجح أن يكون وخيما على الجميع. فإذا لم يعامل أي ليبي كما عومل هانيبال بعد عودته من سويسرا، فإن ذلك الوطن لن يكون سوى قطعة من جحيم، سواء بقى القذافي، أو حل محله أحد أبناءه فسيلتهم الجحيم الجميع.

من المهم أن نبدأ بوضوح من رغبة "العائلة الملكة" في أن يتولى ابنها سيف مقاليد الأمور بعد أبيه، وليس بهذه المتاهة التي ستعيدنا إلى نفس الخيمة، والأفضل أن ينصرف الجميع عن هذا البازار بكل روائح توابله، وبخوره الشرقية، وليس علينا أن نصفق لكل سجين يفرج عنه سيف الإسلام، بعد أن نساه والده كل هذه السنوات، وليس من الإنصاف أن نتحاور مع مجرمين، يجب أن يحاكموا أولا، قبل أن نقتنع أن ليبيا انتقلت من الأمس إلى الغد دون أن تمر بهذا اليوم، واقترح على قوى الإصلاح في الداخل أن تخرج من هذا الدهليز بأقل خسائر ممكنة. فهذا النفق يقود إلى انتحار جديد. دعوا من عقد هذه العقدة أن يفكها بأسنانه، وراهنوا على دوركم المحوري في أي تغيير، وانسحابكم من هذه المسرحية سيجبر مخرجها على سحبها، وإلا فليأتي المعتصم ويأخذها بالقوة مثلما فعل أبيه، وهو الجزء الثاني أو الاحتياطي من هذه المسرحية، فالأفضل دائما أن نواجه النظام بشكله الطبيعي، وليس بكل هذه المساحيق، التي كشفها ضو المنصوري، وإدريس أبوفايد ورفاقه، وقبلهم فتحي الجهمي، والآن الدكتور فتحي البعجة، وأخيرا الشاعر مفتاح العماري، الذي تولت إيطاليا الإنفاق على علاجه، بينما فشلت ليبيا من خلال سفارتها في إيطاليا تأمين إيجار غرفة يعيش بها خلال فترة العلاج الكيماوي والإشعاعي، في الوقت الذي يقول فيه سيف الإسلام عودوا إلى بلادكم، ويوزع والده أموال الليبيين يمينا وشمالا، ويهدد بمعاقبة سويسرا، لأن شرطتها تجرأت على اعتقال ولد لا يرى أنه سيكون الوريث، لذلك لم يضطر للتنكر، واستخدام المساحيق. ومن ينتظر أربعين عاما يمكنه أن ينتظر أطول، طالما أن الطرف الآخر ينتظر، فقد لا تستعيد حقك وأنت حي، إذا أعددت من يأتي بعدك ليستعيد حقك وحقه، ألم يمت محمود درويش، دون حتى أن يدفن في مسقط رأسه، ولكنه على أي حال دفن فوق رابية تطل على القدس، وهي مسافة تبرر كل تلك التضحيات، ففي الحقيقة نحن جميعا بكل شعاراتنا السياسية والإيديولوجية نصارع نفس العدو، الذي قد يبدو غاصبا أجنبيا في بعض الأحيان، وفي معظم الأحيان يبدو غاصبا وطنيا، وبالتأكيد أخطر وأكثر قسوة من العدو الخارجي، ومثلما استمع القذافي طوال سنوات لوكربي لقصيدة "اشتدي أزمة تنفرجي" يمكننا أن نستمع لنفس القصيدة، بينما يمور المجتمع بشدة، ويتغير العالم بسرعة، أو أن نردد ما قاله محمود درويش للإسرائيليين "أيها المارون بين الكلمات العابرة خذوا أسمائكم وانصرفوا".


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home