Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


Omar  El-Keddi

Friday, 14 March, 2006

أمريكا وقبائل الشرق الأوسط

عـمر الكدي

بعد أربع سنوات من احتلالها العراق، أدركت الولايات المتحدة أنها استدرجت إلى فخم لن تستطيع الإفلات منه بسهولة. كان احتلالها الخاطف السريع للعراق مسكرا في البداية، حيث لم يواجههم إلا وزير الإعلام محمد سعيد الصحاف، الذي تجاهلوه حتى أنهم لم يبحثوا عنه، أو يعتقلوه، بينما كان على الهواء مباشرة ينفي ضاحكا احتلالهم لمطار بغداد الدولي، وكانوا على عجلة من أمرهم، حتى أنهم نسوا ماذا سيفعلون بعد الاحتلال. حرسوا وزارة النفط، وتركوا بلدا كاملا ينهبه شعبه دون رحمة، وعندها اكتشفوا أن هذا البلد غير جاهز لديمقراطيتهم التي نجحوا في تسويقها إلى اليابان وكوريا الجنوبية، ولكنها من الواضح لا تناسب الشرق الأوسط.

تأكد الأمريكيون أخيرا، بعد ثمن باهظ أن تغيير الحكام العرب، أشبه بنزع السدادة من الزجاجة التي يعيش داخلها المارد، وأن سبب وجودهم وبقاءهم الطويل على كراسي السلطة، يعود إلى خلل في النظام الثقافي، خاصة وأن الجميع فشلوا في حل مشاكل بلدانهم المتفاقمة، باستثناء الدول الخليجية الغنية بالنفط، والقليلة السكان، وأحيانا يتحول النفط إلى نقمة عجيبة في بلدان مثل العراق، ليبيا، والجزائر، وحتى النجاحات الاقتصادية التي وصلت إليها بلد لا ينتج النفط مثل تونس يعود ليس فقط إلى علمانية أبورقيبة، وإنما لجاهزية المجتمع التونسي لمبادئ العلمانية، وما تتطلبه الحياة المعاصرة من تأقلم وتكيف، بالرغم من أن هذا النجاح محروس بحزم بوليسي، يخفي قبضته تحت قفاز أنيق.

سيبقى في نهاية الأمر الأمريكيون لوحدهم في فخهم الذي قادهم إليه بوش ورامسفيلد، والمعارضة العراقية التي اختفت من المشهد، عندما استيقظت الطوائف من نومها الطويل، لتستأنف معركة صفين، عندها تأكد الأمريكيون أن أي تغيير سيحدث في أي بلد عربي سيكون في صالح الإسلاميين، وسيكون أتباع رجل دين صغير مثل مقتدى الصدر أكثر من أعضاء الحزب الشيوعي، والبعث اللذين تنافسا بدموية ميزت التاريخ العراقي للسيطرة على البلاد.

كانت كل النظريات السياسية والأيديولوجيات قد فشلت في هذه البلدان، و أن الأنظمة الملكية والأميرية والسلطانية هي الأكثر تناغما مع مجتمعاتها، والأكثر استقرارا، بينما تحولت الأنظمة الثورية بسبب خلل ما إلى أنظمة وراثية استبدادية، أما الفساد المتفاقم في هذه البلدان، وارتفاع أعداد الشباب العاطل واليائس فقد يقودها إلى كارثة محيقة، وأن اتساع التشدد الإسلامي هو دليل نكوص حاد إلى غياهب اللامعقول.

هذا النظام الثقافي الذي نشأ في الصحراء الكبرى وعلى تخومها يؤكد أن الطاغية لن يختفي من المشهد، إذا لم يتغير النظام، والذي يميل إلى الخضوع لمنطق الصحراء، حيث التباعد والتناثر، والقبائل التي أكد أبن خلدون أنها لا تخضع إلا لقوة سامية مثل الدعوة الدينية، أو لقوة وجبروت الحاكم. عندما تنمو الطبقة الوسطى تحدث التغييرات النوعية لأنها تفقد صلتها بالقبيلة، ولأنها تمنح لمفهوم المواطنة بعدا أكبر من الانتماء القبلي أو الجهوي أو الطائفي. هذا ما يؤكده التاريخ الأوروبي الذي تطلب زمنا طويلا، وصراعا شرسا للوصول إلى هذا المفهوم، الذي ازداد رسوخا بتطور معظم العالم على نفس النسق، ولم يبق خارج هذا النسق إلا هذه المساحة المترامية من أفغانستان إلى موريتانيا. ليس مصادفة أن القبيلة لا تزال تعيش في قلب هذه المجتمعات، وهي لا تزال قادرة على لعب دورها أكثر من الأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، حتى أنه لا يمكن تفسير بعض الأحداث إلا من خلال هذا المنظور، ولم أستغرب عندما علمت أن حرب اليمن عام 1994، لم تكن حربا بين الشمال والجنوب، ولا كانت بين الحزب الاشتراكي الماركسي، وحزب الرئيس صالح الرأسمالي، بقدر كونها حربا بين الأشراف الذي ينتمي لهم كبار قادة الحزب الاشتراكي، والذين جاء منهم حكام اليمن، و القبائل العادية التي ينتمي لها الرئيس صالح، والتي كان يأتي منها التجار والجنود.

في هذا النظام لا يوجد مكان للدولة بمفهومها الواسع الحديث، إلا على شكل جنيني في الأقاليم التي تعودت الدولة المركزية على جباية الضرائب منها، والتي يتغير مكانها مع كل موجة بدوية جديدة، قادمة من الصحراء لتبني على أنقاض الدولة السابقة دولة جديدة. في المغرب يسمون هذه المنطقة "المخزن" تمييزا لها عن "البلاد السائبة" التي يصعب جمع الضرائب منها، وإن كانت تخضع اسميا لسلطة الدولة المركزية، على خلاف ما حدث في أوروبا حيث تولى سكان المدن المسورة، والمحمية بالقلاع المحصنة سن القوانين بالتراضي، وتكوين الدولة بتوحد المدن التي أسقطت أسوارها عندما غادر الجميع قبائلهم نحو المواطنة الجامعة.

في هذا النظام تفتخر القبائل بسرقة الدولة، لأنها كيان معاد في تصورهم، وفي العادة تستأثر قبيلة الحاكم بأكبر حصة من الغنائم، وخاصة عندما يسقط الحاكم مع تقادمه كل الأقنعة الحديثة التي واضبط على استخدامها سنوات طويلة، مثل الاشتراكية والديمقراطية والشعبية، وأحيانا العظمى، عندها تكون قبيلته قد احتلت كل مفاصل الدولة، وعلى الفور يحلبون البقرة بهرج عجيب، بينما تمارس القبائل الأخرى نفس النشاط بصمت. في بلدي رأيت الناس تسرق البلاط الأرضي، وبلاط الجدران، والأبواب والنوافذ، وأحواض الحمامات والمطابخ، والمصابيح والتوصيلات الكهربائية، والمواسير المدفونة في الأرض، من بيوت شعبية كانت تبنيها الدولة لصالح القرية، لذلك لم أندهش عندما رأيت العراقيين ينهبون بلادهم أمام عدسات التلفزيون.

لم يكن المحافظون الجدد على معرفة جيدة بهذا الواقع المفارق، ولكن أيضا تنظيم القاعدة فشل في فرض نموذجه، فقد تعرفت القبائل في نهاية الأمر على مصالحها، التي يعرضها تنظيم القاعدة، والمليشيات المعادية له إلى خطر كبير، والأهم من ذلك بدأت قيادات الطوائف في خوض حوار إيجابي قد يفضي إلى بداية جديدة لبناء دولة جديدة، وبعد أن كانت الشعارات هي محور الصراع، حيث يتقاتل الناس لمجرد أن بعضهم يؤمن بالماركسية، وغيرهم يؤمن بأفكار ميشيل عفلق، أصبح الصراع حول المصالح اليومية في مدن وقرى العراق، وهي البداية الحقيقية لتكوين أي دولة.
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "العرب" القطرية ، نوفمبر / ديسمبر 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home