Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


عـمر الكدي

الخميس 11 سبتمبر 2008

عـلي صدقي قرر أن يموت يوم الفاتح

عـمر الكدي

قرأت شعر علي صدقي عبد القادر في المرحلة الابتدائية، كانت له قصيدة مقررة في منهج الابتدائي، وذات يوم في مطلع السبعينات في شارع أول سبتمبر ( 24 ديسمبر سابقا)، أمام مدرسة الفنون والصنائع، أشار أحد معلمينا إلى رجل قصير القامة، يتأبط مجموعة من الجرائد والمجلات، يمشي بخطوات نشطة، وما يميزه عن جميع الناس الآخرين في الشارع، ربطة عنقه التي تبدو على شكل فراشة، ووردة حمراء علقها في جيب سترته المقلمة، وقال هذا شاعر الشباب، علي صدقي عبد القادر المحامي. انتبهت على الفور إلى غرابة أطواره، مقارنة مع تلك المدينة الآخذة في التصحر على نحو سريع، والتي تخلت عن شواطئها والتفتت فجاءة إلى بداوتها البعيدة، وحتى ذلك الحين لم أكن أدرك تمام الإدراك العلاقة الوثيقة بين الشعر وغرابة الأطوار.

بعد سبعة عشر عاما من ذلك اليوم، كنت مع مفتاح العماري، ومجاهد البوسيفي نعد ملفا عن الشاعر علي صدقي عبد القادر لمجلة الفصول الأربعة. كانت المجلة قد نشرت ملفا عن التليسي، وآخر عن المصراتي، فتطوعنا لكتابة ملف عن علي صدقي عبد القادر. لم نكن أبرياء من وراء هذا الاختيار. فقد كنا ندافع من خلاله عن قصيدة النثر، وعن السوريالية، وعن الفن خارج أية اشتراطات أخرى، وخاصة أن شاعرنا عامله النقاد أيضا على أن نصوصه غريبة الأطوار، ولم يعترفوا إلا بقصائده الأولى في ديوانه أحلام وثورة، وقصائده المقفاة، التي يهاجم فيها الاستعمار والإمبريالية، ومن بينها تلك القصيدة التي حفظتها في طفولتي، تجنبا لعصا معلم اللغة العربية، ثم نسيتها بالكامل في العام التالي.

كان علي صدقي عبد القادر أسعد الناس بذلك العدد، حتى أنه أهدأ لكل واحد منا ربطة عنق، ولكنها كانت ربطات عنق عادية، ولأتشبه تلك التي يخيل إلي انه كان ينام بها. أخرج ربطات العنق من صندوق سيارته البيجو، بينما كنا نقف أمام فندق باب المدينة، وتمنى لنا حياة طويلة مديدة ملئها الحب والسعادة والإبداع.

كتب العماري عنه دراسة بعنوان السوريالي الأخير، أما مجاهد فكتب عنه دراسة بعنوان الاسم الحركي للوردة، وكتبت بدوري دراسة بعنوان شاعر العودة إلى الرحم. كما أجرينا معه حوارا طويلا، وجمعنا ما اتفقنا على أنه من أجود شعره، كما جمعنا مجموعة من الشهادات، وحاولنا أن يكون الملف نقديا بالدرجة الأولى، وليس احتفائيا، وتقبل رئيس تحرير المجلة، الأستاذ يوسف الشريف، وجهة نظرنا بكل رحابة صدر، طورت علاقتنا به إلى صداقة وطيدة، ولكن العدد أثار حفيظة بعض الأساتذة الذين رأى بعضهم أننا قمنا بحملة دعائية ل"معلمكم الأكبر".

بعد ذلك ارتبطنا معه بعلاقة ودودة، لم يتخل فيها مرة واحدة عن مخاطبتنا بلقب أستاذ، ولم ننجح مرة واحدة في استدراجه للحديث عن مواضيع أخرى غير مواضيعه المفضلة، وكانت مواضيع محدودة جدا، لا تزيد عن الشعر والإبداع والحب والتشبث بالحياة، حتى أنه أعلن في منتصف التسعينات، أثناء مهرجان المدينة الثقافي، في قاعة أحمد رفيق المهدوي ببنغازي، أنه لم يعد هناك شيئا اسمه الموت منذ الآن، وأننا سنلتقي في هذه القاعة بعد مليون سنة. شكرنا الأستاذ علي على بيانه، وتقبل شكرنا بابتسامته الدائمة، والتي تخفي اغترابا مزمنا عن كل ما حوله، ولكنني صدقت أنه بالفعل يعود إلى رحمه، ليس فقط من خلال احتفاءه الشخصي بالحياة، وإنما أيضا من خلال نصوصه المسكونة بطفولة مزمنة، وبهذا التوق إلى فاطمة أمه وحبيبته وملهمته.

لم يكن يصر الأستاذ علي كثيرا على هذه المقولات، عندما يتعلق الأمر بالسفر. لسبب ما كان الأستاذ علي يرحب بشدة بالخروج من تلك البلاد التي جعلها بلد الطيوب، لبعض الوقت على الأقل. وعندما لا يجد مكانا له ضمن وفد رابطة الكتاب، يقول وكم تبقى لي، انتم لا تزالون شبابا ويمكنك الانتظار، لكنه كان دائما ما يجد وسيلة أو أخرى، لحضور ذلك المؤتمر، أو ذاك المهرجان. في مؤتمر لاتحاد الكتاب العرب في عمان تركناه في طرابلس، وفجاءة ظهر متألقا في فندق فيلادلفيا. لم يجد اتحاد كتاب الأردن مفرا من إنزاله في الفندق، وعندما ازدحم الفندق طرقوا على بابه طالبين منه أن يسكنوا شخصا آخرا معه في الغرفة، فقال لهم أنا لا أسكن مع أحدا، ولا أحد يسكن معي، فشطبوا اسمه من قائمة الشعراء الذين سيلقون قصائدهم خلال المهرجان، وعندها تحول الأستاذ علي إلى طفل لحوح، إلى درجة أنني وعدته بأننا سننسحب من المؤتمر إذا أصروا على موقفهم. في اليوم الثاني فاتحني أحد أعضاء اتحاد كتاب الأردن في صوت ليبيا خلال الانتخابات على منصب الأمين العام، فقلت له هذا سيتقرر بعد أن يلقي علي صدقي عبد القادر قصائده، فلم يجد معه إلا قلم رصاص كتب به اسم علي صدقي عبد القادر في نهاية القائمة المعلقة أمامنا، ولكن الأستاذ علي رفض تصديق هذه الحيلة مستشهدا بقلم الرصاص، الأمر الذي دفعني لمغافلته وكتابة اسمه بقلم الحبر، وعندها انفردت أساريره، وعاد لتألقه من جديد.

يحب الأستاذ علي الحياة الجميلة الناعمة والطرية، ويأكل بشهية عجيبة حتى في شيخوخته، ولكن من سؤ حظه وحظنا تراجعت تلك المدينة التي أحبها كما لم يحب بقعة أخرى في الوجود، وبدلا من أن تتطور كما هو متوقع لها، تراجعت لتصبح مجرد مكب للنفايات، ومرتعا للبدو المتجهمين الذين يحقدون بضراوة عجيبة على كل ما هو جميل في تلك المدينة.

في السبعينات كان يطيب للقذافي أن يلتقي من حين إلى آخر بالمثقفين الليبيين، كان يطلب أن تكتب أسمائهم حسب ترتيبهم في الجلسة، حتى يمكنهم مخاطبة أي واحد باسمه عندما يعرف اسمه من ترتيبه في الورقة المفتوحة أمامه، وكان أحيانا يخيفهم. ذات مرة وجدوه في خيمته وقد علق في عمود الخيمة بندقيتين، وبحركة استعراضية أنزل البندقية القديمة التي قاتل بها المجاهدون الليبيون، وقال لهم بمثل هذه البندقية صمد الليبيون عشرين عاما أمام إيطاليا، ثم أنزل البندقية الثانية من نوع كلاشنكوف، وسحب الأقسام فجاءة، موجها البندقية نحوهم، وقال لهم وبمثل هذه البندقية نصفي أعداء الثورة. لكنه على الفور أخرج علي صدقي عبد القادر من أي تصنيف. كان يستمع إلى قصائد علي صدقي عبد القادر هو يبتلع نصف عباءته من شدة الضحك. ذات مرة حضر الأستاذ علي عشاء دعا إليه العقيد الكتاب في باب العزيزية. لم يكن للأستاذ رغبة في الحضور. كان يدرك أنهم سيجلسون على الأرض، ويحضرون تلك القصاع، وسيجلس ليأكل بيديه مع خمسة أو ستة من الزملاء، ولكنه لا يستطيع التخلف عن حفل جاء ضابط كبير بملابس كاكي إلى مكتبه ليدعوه إلى عشاء العقيد. ذات مرة لم يحضر معه الأستاذ شيئا ليقرأه على العقيد، فكلف العقيد سائقه ليوصل الأستاذ علي إلى بيته حتى يحضر شيئا يقرأه، ومن شدة عجلة الأستاذ أحضر أول كتاب له وجده في البيت، وكان الكتاب جديدا لم يقرأ على الإطلاق من قبل، فقد كانت صفحات الكتاب لا تزال ملتصقة، وتحتاج إلى مقص أو مسطرة قبل قرأتها، وعندما وقف الأستاذ أمام العقيد ليقرأ ذلك الكتاب، ولم يجد حوله شيئا يعينه على فتح الكتاب، أخذ ينظر من بين الصفحات، وهو يباعد ما بينها، رافعا الكتاب لأعلى، حتى يتاح له أكبر قدر من الرؤية، في ليل باب العزيزية، بينما كان القذافي يتقلب في كرسيه من شدة الضحك.

في هذه المدينة وتحت هذا الجبروت عاش علي صدقي، ولكنه لم يتردد لحظة واحدة في التطوع للدفاع عن أولئك الشباب الذين سبقونا بعقد واحد، عندما زجوا بهم في السجون. لم يتحدث علي صدقي عبد القادر مرة واحدة معي في أي موضوع سياسي، ولم يعبر عن أي توجه أيديولوجي، حتى عندما كنت أوجه له سؤالا مباشرا كان يتملص منه بطريقته الخاصة واللبقة، حتى قررت عدم إزعاجه بأي سؤال من خارج أبجديته الخاصة، ولكنه عندما وجد أولئك الكتاب الشباب الذين تعرف عليهم في جريدة الأسبوع الثقافي، وقرأ نصوصهم هنا وهناك، يحكمون بالإعدام ثم المؤبد، ختم مرافعته وهو يقول، إذا سجنتم هؤلاء فاسجنوا الشمس، والقمر، والنجوم. اسجنوا الطيور والفراشات والورود. اسجنوا الجبال والبحار والسماء، وهو ما حدث بالفعل.

هذا الشاعر الذي انتبه إلى الحداثة مبكرا، ونشر قصائد من الشعر الحر في أول الخمسينات، لم يكن يشبه أحدا، ولم يشبهه أحد. كان نسيجا نادرا لا يمكن مصادفته كل يوم. مزيج من تمدن مرهف، وحفاوة نادرة بكل ما هو متعلق بالحرية والحب والتمدن. ليس غريبا أن تكون شقيقته خديجة عبد القادر أول ليبية تذهب للدراسة في بريطانيا بمفردها، وتكتب عن تجربتها كتابا بعنوان "ليبية في بلاد الانجليز". هناك من يشبه الأستاذ علي بجاك برفيير، ولكني أرى أن الفارق في القدر، فجاك برفيير ظهر بينما تمر ثقافته وبلاده في أبهى تجليها، بينما قدر علي صدقي أن يظهر إلى الوجود وبلاده وثقافته تدخل بداوتها المزمنة.

لم تكن تنقصه سرعة البديهة عندما يتجلى. ذات مرة شن رسام فاشل في فندق باب البحر هجوما على القصيدة الحديثة، وأحتج بأن حتى جدته لا تستطيع فهم هذه القصائد، فالتفت إليه الأستاذ علي وقال له وهل تفهم جدتك قصائد أمريء القيس؟

عندما خرجت إلى المنفى جمعت ملابسي على عجل وحشرتها في حقيبة، وعندما وصلت إلى هولندا اكتشفت أنني لم أحضر إلا ربطة عنق واحدة، كان الأستاذ علي قد أهداني إياها ذات يوم بعيد أمام فندق باب البحر.

عندما سمعت بوفاته أدركت أنه استسلم، ولم يقو على مقارعة الموت. فجاءة شعر أن الموت هو أفضل طريقة للخلاص. لم يحدث أبدا أن قعد عاجزا في كرسي أو سرير، كما عاش أشهره الأخيرة، وهو ينتظر أن تعالجه الدولة، بينما وصلت نفقات علاجه في مصحة خاصة بطرابلس إلى مبالغ كبيرة. كان دائب الحركة والنشاط، مثل نحلة تتجول في أجمل ما تبقى من طرابلس، مصرا على أن يكون أنيقا مبتسما مهما تكالبت المحن، ولأنه قرر الموت فقد اختار يوم الفاتح من سبتمبر، الذي يصادف ذكرى انقلاب القذافي قبل 39 ربيعا من عمر الشاعر، كأفضل طريقة للاحتجاج على ذلك الطاغية الذي كان يضحك من شعره. سنرى ولو بعد مليون عاما، في قاعة أحمد رفيق تحديدا من الذي سيعيش أطول. هذا الشاعر النادر، أم ذلك الطاغية؟ الذي رأينا أمثاله كثيرا غير أننا لا نتذكر كل ما حدث في المليون سنة الماضية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home