Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


Omar  El-Keddi

Friday, 11 April, 2008

بعـد خمس سنوات عـلى الغـزو.. العـراق ليس اليابان (*)

عـمر الكدي

من الصعب المقارنة بين الاحتلال الأمريكي لليابان والمانيا من جهة، ونفس الاحتلال للعراق من جهة أخرى. بعد خمس سنوات من سقوط بغداد يوم 9 أبريل 2003، يبدو البون شاسعاً بين الاحتلال الذي لا يزال يشكل خطرا على كيان العراق، وبين الاحتلال الذي ساهم بشكل أو بأخر في جعل اليابان ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، وجعل المانيا عملاق أوروبا الاقتصادي دون منازع.

بالرغم من أن الاحتلال الأمريكي للبلدين شكل صدمة ثقافية وخاصة في اليابان، حيث أضطر الإمبراطور هيروهيتو الذي كان مؤلها، ومحجوبا عن العامة، إلى النزول بنفسه ليوقع وثيقة استسلام اليابان أمام الجنرال الأمريكي مكارثر، وهو ما دفع الروائي الياباني كينزا بورو إلى القول "إن الاحتلال الأمريكي لليابان أنزل الإمبراطور من السماء إلى الأرض، وهذا ربح صاف للسياسة والديمقراطية."

المتعالي في أي ثقافة لا يمكن إنزاله من السماء، إلا من خلال التجارب الأليمة، والتي يأتي الغزو والاحتلال في مقدمتها، ولكن هل تحقق شيئا من هذا في العراق، بعد غزوه بخمس سنوات؟ لم يهبط الإمبراطور في اليابان من سمائه المتعالية فحسب، بل أحيلت طبقة الساموراي بكل جذورها البعيدة في الثقافة اليابانية، إلى التقاعد التاريخي المبكر، بالرغم من محاولة الروائي يوكيو ميشيما إعادة الاعتبار لهذه الطبقة، عندما انتحر في ميدان عام، غارزا السيف في أحشائه. لكن بعد خمس سنوات من الوقوف المذل للإمبراطور الإله أبن الشمس، أمام الجنرال المتعجرف مكارثر، الذي لم يهتز له جفن، وهو يقصف مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية، تمكنت اليابان من العثور على طريقها، وهي تنفض ذل الهزيمة.

لقد قبل اليابانيون الدستور الذي أحضره مكارثر دون تغيير، وهم الذين انقسموا بشدة حول إصلاحات الإمبراطور الميجي "المستنير" في مطلع القرن التاسع عشر. كان الدستور الذي صاغه الأمريكيون بشكل كامل، يهدف إلى إحداث تغييرات بنيوية تهدف إلى القضاء على أي تهديد ياباني في المستقبل، وذلك باستئصال جذور النزعة القومية العسكرية، وثقافة التعصب في المجتمع الياباني، وهو أمر شديد الصعوبة، بسبب تطور اليابان في عزلة عن العالم، لدرجة أن كلمة نحن في اللغة اليابانية تعني اليابانيين فقط. مع ذلك فقد استفاد اليابانيون من هذه التغييرات، التي حدثت قسرا، فقد أخفوا العسكريين الذين خسروا الحرب، وتوقفوا عن صنع السلاح وشرائه، وانصرفوا بكل همة ونشاط لتنمية بلادهم، فتحولت اليابان من مجتمع إقطاعي يعمل فيه 50% من سكانه في الزراعة، إلى بلد يعمل فيه فقط 10 % من السكان في الزراعة بحلول عام 1980، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية تضاعف إنتاج اليابان كل سبع سنوات، بحيث ارتفع إجمالي الدخل القومي من 39 مليار دولار عام 1960، إلى 2.3 تريليون دولار عام 1987. بعد خمس سنوات من احتلال اليابان ارتفع معدل العمر إلى 64 سنة للذكور و 68 سنة للإناث، بينما يتراوح حاليا في حدود 82 سنة وهو الأعلى عالميا.

على عكس غزو اليابان، ساهم الكثير من العراقيين في غزو بلدهم، بعضهم لمجرد التشفي في الطاغية ولو دمر العراق، وبعضهم لم يجد طريقة أخرى للتخلص من الطاغية، ولكن في مجمل الأحوال كان معظم الناس يترقب سقوط نظام صدام حسين بكثير من الشغف، خاصة وأن المحافظين الجدد صوروا غزو العراق على أنه نزهة سريعة، وأن العراقيين سيستقبلون الجنود بالورود. فجأة اختلط الحابل بالنابل، حتى أننا لم نعد نرى نجوم المعارضة الذين أيضا صوروا لجنرالات البنتاغون الغزو على أنه مناورة بذخيرة غير حية، وحل محلهم قادة جاءوا مباشرة من غبار الفتنة الكبرى، وما كان أحد سيصدق أن مقتدى الصدر وتياره سيصبحان رقما صعبا، بالنسبة للحكومة التي جاء معظم وزرائها مع الغزاة.

كان ثمة سوء فهم صححته الوقائع بقوة ومرارة، وهو أن التنوير وتصدير الحداثة إلى اليابان وألمانيا، ليس مثل تصديرهما إلى الشرق الأوسط، فالجينات الثقافية المسئولة على إنجاب الطاغية والاستبداد، لا تزال تعمل بكفاءة بعد رحيله، وأن تحول الشرق الأوسط نحو الديمقراطية هو معركة داخلية قبل أن يكون معركة خارجية. هل يعني هذا أن العراق ميئوس منه؟ كلا، اعتقد أن العراق يتقدم بالرغم من كل شيء، ولكنه يحتاج إلى زمن أطول من اليابان والمانيا، ربما لأنه وجد نفسه رهين لعبة إقليمية لم تحسم بعد، وان مكوناته العرقية والطائفية أكثر هشاشة من مكونات اليابان والمانيا.

لا بدّ أن تجربة العراق دفعت وتدفع المعارضين من بلدان عربية مشابهة، إلى إعادة الحسابات في علاقة الداخل والخارج، ومدى فاعلية الرهان على التدخل الخارجي. لذلك سعدت بنتائج المؤتمر الوطني الثاني للمعارضة الليبية الذي عقد في أواخر شهر مارس في العاصمة البريطانية، والذي أعلن فيه لأول مرة، أن المعارضة الخارجية سند للمعارضة الداخلية، مما يعني أن الرهان ليس على الخارج بعد الآن، وإنما على الداخل، على عكس الادعاءات السابقة التي تمني الليبيين بقرب ساعة الخلاص على سواعد الخارج، كما أن رمزية استخدام صندوق الاقتراع، لانتخاب القيادة الجديدة للمؤتمر، أفضل من كل بيانات المؤتمر، خاصة وأن احد الحاضرين اعترف أنه للمرة الأولى في حياته يقف أمام صندوق اقتراع.
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في موقع اذاعة هولندا العالمية، الخميس، 10 أبريل، 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home