Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


Omar  El-Keddi

Friday, 10 March, 2006

الشطرنج الجماهـيري

بقلم : عـمر الكدي

كانت اللجنة المكلفة من مكتب الاتصال باللجان الثورية بإعادة النظر في الرياضات والألعاب غير الملائمة لعصر الجماهير، قد انتهت إلى التوصية بإلغاء لعبة الملاكمة، وكذلك لعبة الشطرنج، وإعادة إحياء الألعاب الشعبية المنقرضة مثل شد الحبل، وتخطي الجرد، وعشرة دونك عشرين، والرود.

اعتمد الدكتور شفالح منسق اللجنة على ما ورد في الفصل الثالث من الكتاب الأخضر بخصوص الملاكمة باعتبارها لعبة عنيفة،لا تناسب مجتمعا جماهيريا مسالما، ثم أطلق العنان لقريحته في نقد لعبة الشطرنج، التي وصفها بأنها لعبة رجعية أخطر من الملاكمة، وقال : "كيف نسمح لهذه اللعبة التي تشجع على الصراع على السلطة بالبقاء على قيد الحياة في مجتمع انتهى فيه الصراع على السلطة بوصول الشعب إلى السلطة والثروة والسلاح.. لعبة بها ملك ووزير وجنود وقلاع وفيلة وخيول لا تزال تلعب في المقاهي والأندية ولها اتحاد وطني يهتم بها.. هذه اللعبة يجب أن تختفي بالكامل وأن ينساها الجميع ومن الأفضل أن نشجع لعبة السيزة لأنها من تراثنا الشعبي وليس بها ملك أو وزير."

وهكذا اختفت لعبة الملاكمة من ليبيا واختفت الحلبات والقفازات وصور محمد علي كلاي، والأنوف المفلطحة التي تكسر غضروفها تحت قبضات لا ترحم، أما لعبة الشطرنج فكان لها مصير آخر غير الملاكمة، فقد تمكنت هذه اللعبة من مراوغة "عصر الجماهير" بكل صلفه وطغيانه، بل وتمكنت من السخرية منه.

في اليوم الذي تقرر فيه الزحف على الاتحاد الليبي للشطرنج، كان رئيس الاتحاد يجلس في مكتبه في انتظار الزاحفين، وهو ينظر إلى نوارس تطير فوق الميناء، والى النقلة العاشرة في مباراة صامتة تجري في ذهنه.

كان في أواسط الثلاثينيات من عمره، إلا أن تقاطيع وجهه توحي بأنه أصغر من ذلك بعدة سنوات، لعل نحوله المميز وطول قامته يساهمان في هذا الانطباع، أو ربما شبح الابتسامة التي لا تفارقه تزيد من الغموض الذي أحاط بشخصيته بشكل كامل،حتى اسمه كان غامضا ولا أحد يتذكر لقبه،منذ أن لقب بالدكتور علي رخ، وذلك لأنه كان يلعب الشطرنج بدون أحد الرخين، ولم يهزمه أحد على الإطلاق، ولم يعرف أحد على وجه اليقين في أي تخصص تحصل على شهادة الدكتوراه، ومن أي جامعة في ايطاليا، التي عاد منها في منتصف السبعينات، وبعد وقت قصير أصبح أهم لاعب شطرنج في البلاد، وأصبح رئيس الاتحاد الوطني للشطرنج دون أي منافسة من أحد، وكأنه خلق من أجل هذه المهمة، وكان يتحدث بلهجة تجمع بين لهجة الغرب والشرق والجنوب، وكان صوته المنخفض، ولهجته الودودة الدمثة تشكل جدارا بينه وبين الناس فيمتنعون عن أي أسئلة ذات طابع شخصي، وبالرغم من أنه أصبح من معالم طرابلس المميزة، إلا أنه لم يعرف له صديق مقرب، أو علاقة عاطفية مع أي امرأة .عاش أعزب يقيم في نفس مكتب الاتحاد، الذي قسمه بين مكتب، وغرفة نوم، وصالون، ومع ذلك كان الجميع يحيونه في الشوارع. الراجلون والآخرون الذين يحيونه بضغطة خفيفة على منبهات السيارات، وكان يرد التحيات بلطف مغلف بالخجل، والذي ساهم في شعبيته هو تنظيمه لدورات الشطرنج للمبتدئين والمتقدمين في كل أندية المدينة، وأيضا في مدارسها ومعاهدها وجامعتها، وفي المساء كان يمر على مقهى الغزالة المطل على البحر، فيجد في انتظاره رواد المقهى وقد جلس كل منهم على طاولته خلف رقعة الشطرنج، فيلعب معهم جميعا في وقت واحد،متنقلا من طاولة إلى أخرى، نقلة واحدة وهو واقف ثم ينتقل إلى الطاولة التي تليها، وهو في أشد حالات التركيز، كان المقهى يكتظ عند حضوره، والذين لا يجدوا مكانا يطلون من فوق الكورنيش ليشاهدوا هذا النحيل الغامض وهو يفوز على الجميع واحدا بعد الآخر، وعندما يقول كش مات لآخر لاعب يضج المقهى بالتصفيق، ويجلس الدكتور علي رخ على إحدى الطاولات، ويحضر النادل كل طلباته مجانا، وفي الأثناء يشرح الدكتور للحضور ما جرى بين الروسي سباسكي والأمريكي فيشر في آخر مباراة لهما، وكان يحفظ عن ظهر قلب تلك المباراة وغيرها من مباريات، لهذا كان ينشر في مجلة ايطالية كل أسبوع ألغازا شطرنجية، وكان يستمتع بعوائد عمله بالبقاء في ايطاليا عدة أشهر كل صيف.

بينما كانت حياة الدكتور علي رخ تسير بهذه الحميمية، جاء "عصر الجماهير "ونغص عليه حياته .كان قد استعد منذ أيام للجنة الزحف المكونة من الدكتور شفالح، والسعداوي الأفيرك، وابوعجيلة بالحاج. الدكتور شفالح منظر كبير، وأيديولوجي من الصنف الذي انقرض من الاتحاد السوفياتي، وانبثق فجأة في هجير الصحراء. يحفظ الكتاب الأخضر عن ظهر قلب، حتى أنه اعترف ذات مرة بأنه لم يعد يرى إلا اللون الأخضر، أما السعداوي الأفيرك فكتلة من الشك والريبة في كل شئ. يرتدي دائما عباءة فوق ملابسه ليخفي مسدسه الذي لا يفارقه على الإطلاق، أما ابوعجيلة بالحاج فكان مجرد طماع وجد في العمل الثوري أسرع الطرق لجمع المال.

بينما كانوا في طريقهم إليه كان الدكتور علي رخ قد انتهى من مراجعة آخر التفاصيل في خطته، وهو يتأمل نقطة ما في سماء الميناء. رحب بهم بطريقته الدمثة التي أربكتهم، وأنصرف ليعد لهم القهوة. الدكتور شفالح جلس وأستغرق في استعادة ملاحظاته الأيديولوجية على لعبة الشطرنج، بينما أخذ السعداوي يراقب الدكتور علي خوفا من أن يضع شيئا ما في القهوة، أما ابوعجيلة فقد أخذ يتأمل الأثاث والمبنى، ويقدر قيمة كل شئ، ولم يعجبه إلا المبنى لان موقعه في مركز المدينة يزيد من قيمته العقارية. قدم الدكتور شفالح للدكتور علي رخ رسالة مختومة بها قرار حل الاتحاد الليبي للشطرنج، وبأن عليه أن يتعاون مع لجنة الزحف التي ذكرت أسماؤهم، وبينما هو يقرأ الرسالة، كان الدكتور شفالح يسهب في نقد الشطرنج باعتبارها لعبة رجعية.تركه الدكتور علي حتى انتهى، ثم أخذ يرحب بهم من جديد موافقا على كل ما جاء بالرسالة، وما تفضل به الدكتور شفالح، ثم أخذ بلهجته الودودة يشرح كيف أنه انتبه منذ سنوات إلى أن لعبة الشطرنج لعبة رجعية، وكيف أنه صمم لعبة جديدة اسمها الشطرنج الجماهيري، ليس بها لا ملك ولا وزير ولا أي رمز سلطوي، بل بها العامل والفلاح والطالب والجندي والمرأة والطفل والمعلم والمهندس. أشرقت عينا الدكتور شفالح بوميض غريب، وهو يتابع الشرح، بينما تحفز بوعجيلة وهو يرى أن ثمة آفاق لمشروع ما، أما السعداوي الذي لم يحول نظره عن الدكتور علي فقد قدر أن الرجل أكثر غموضا مما توقع .أحضر الدكتور علي رقعة شطرنج، ووضع القطع السوداء كما هي دون تغيير، ثم أخرج قطعا خضراء مصنوعة من الطين كان قد أعدها منذ أيام. وضع مكان الملك رجلا يرتدي الملابس التقليدية الليبية، وقال: "هذا أمين المؤتمر الشعبي الأساسي"، ووضع في مكان الوزير رجلا يرتدي ملابس أوروبية وقال : "وهذا أمين اللجنة الشعبية"، وفي مكان القلعتين أو الرخين وضع خيمتين، ،أبقى على حصان واحد فوقه فارس ليبي بملابسه التقليدية وبيده بندقية، وبالرغم من أن النماذج لم تكن دقيقة، إلا أنها كانت تفي بالغرض، وفي مكان الحصان الثاني وضع مبنى هرمي الشكل، وقال : "وهذه المثابة الثورية"، وفي مكان أحد الفيلين وضع مدفعا خلفه جنديين وقال: "وهذا هو الشعب المسلح"، وفي مكان الفيل الثاني وضع شرطيا، وقال : "وهذا هو الأمن الشعبي المحلي"، ثم وضع بقية القطع في مكان البيادق والتي تمثل شرائح مختلفة من المجتمع. كان الدكتور شفالح في غاية الإثارة، ولأنه ملم بالشطرنج وقواعده فقد اكتشف على الفور أهمية التعديلات التي أقترحها الدكتور علي رخ، ليس فقط على تاريخ الشطرنج، وإنما أيضا ارتباط ذلك بعصر الجماهير. الوحيد الذي لم يهتم هو السعداوي لأنه لا يجيد لعبة الشطرنج، ولم يحاول تعلمها. انتهى اللقاء بطلب دراسة مفصلة عن "الشطرنج الجماهيري". قام الدكتور علي بكل هدؤ وأخرج من مكتبه ملفا أخضر اللون به دراسة مطبوعة على الآلة الكاتبة قدمه إلى الدكتور شفالح، بينما جمع ابوعجيلة رقعة الشطرنج بنماذجها الخضراء والسوداء، وغادروا وهم في غاية السرور كأنهم عثروا على كنز.

بعد أيام أستدعي الدكتور علي رخ إلى مكتب الاتصال باللجان الثورية، ووجد نفسه في سلسلة من الاجتماعات ليشرح بالتفاصيل المملة لعبة الشطرنج الجماهيري، وكيف أن الانتصار مضمون للجانب الأخضر على الدوام، ويعلل ذلك بحيوية المجتمع الجماهيري، وتخلصه من أي عائق، في حين سيهزم الجانب الأسود لأن بنيته تقليدية بالكامل، ويترك للدكتور شفالح الإسهاب في شرح هذه الجوانب المعنوية، بينما يركز هو على الجوانب الفنية، فعلى رقعة الشطرنج الجماهيري يتحرك أمين المؤتمر الشعبي، وأمين اللجنة الشعبية، مثلما يتحرك الوزير على الجانب الأسود، ويتحرك الفارس الأخضر أوسع من الحصان الأسود، وعلل الدكتور علي ذلك بوجود الفارس على ظهر الحصان، وهكذا ضمن فنيا انتصار القطع الخضراء على السوداء مهما كان الموقف، وجرب ذلك باللعب مع الجميع، وكان يختار القطع السوداء، ويتركهم يهز مونه بسهولة، وبعد عدة أسابيع طلبوا منه حذف الجندي في الصف الأول واستبداله بالطبيب، وهكذا ولد رسميا الاتحاد الليبي للشطرنج الجماهيري، وعين الدكتور علي أمينا للاتحاد بقرار رسمي، وتحصل على ميزانية جديدة،وصيانة للمبنى القديم، وفي نهاية الأمر طلبوا منه التعاقد من أجل تزويد البلاد بالرقع الشطرنجية الجديدة، وتمكن بالسرعة من الحصول على عدة عروض من شركات عالمية، وتمت الموافقة على العرض المقدم من تايلاند ليس فقط باعتباره الأرخص، وإنما لأنه عند نهاية اللعبة بانتصار القطع الخضراء ينطلق هتاف من داخل الرقعة يقول: "الزحف الثوري ما يتأخر حتى يلونها بالأخضر".

في أحد أيام ربيع عام 1982 انطلق الدكتور علي وشفالح والسعداوي وابوعجيلة من مطار طرابلس إلى بانكوك التي وصلوا إليها في اليوم الثاني، وكان في انتظارهم مندوبا عن الشركة اصطحبهم إلى أحد أفخم فنادق المدينة، حيث استسلم الثالوث الثوري لأنامل المدلكات، وتركوا للدكتور علي رخ مهمة الإشراف على أنتاج مليون رقعة شطرنج جماهيري من النوع العادي بتكلفة خمسة عشر دولار للقطعة الواحدة، وخمسين ألف رقعة مصنوعة من الذهب والأحجار الكريمة بتكلفة ألف وخمسمائة دولار للقطعة، لتكون هدايا لكبار ضيوف الدولة.

بعد شهر وصلت الحاويات لميناء طرابلس محملة بالرقع الجديدة التي انتشرت فيما بعد في كل أنحاء البلاد. كل ما تغير أن الدكتور علي رخ اختفى بطريقة غامضة من البلاد، وحل محله الدكتور شفالح في الاتحاد الليبي للشطرنج الجماهيري، أما الدكتور علي فلم يبق منه إلا ملفا في جهاز الأمن الخارجي يحمل رقم 426، به وثائق تفيد بأنه خرج من هذه الصفقة بأربعة مليون دولار، وأنه شوهد آخر مرة في مطار أورلي بباريس يوم 16 أغسطس عام 1982.

عـمر الكدي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home