Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi
الكاتب الليبي عمر الكدي


عـمر الكدي

الخميس 7 ابريل 2011

تفكيك المنظومات الأمنية والعسكرية للقذافي

عـمر الكدي

حتى نتمكن من تفكيك المنظومات الأمنية والعسكرية للقذافي، علينا أولا أن نفهم تركيبتها، وأن نفهم أيضا السياقات الاجتماعية والثقافية التي استندت عليها، بما في ذلك الاختلافات الواضحة في منظومة القيم بين الليبيين، واختلاف المستوى الحضاري بين السكان، نتيجة لتفاوت علاقات الإنتاج تاريخيا، ويمكن أن نبدأ من كتيبة سحبان والمنطقة التي كلفت بالسيطرة عليها.

تأسست كتيبة سحبان في مطلع الثمانينات، وسميت بهذا الاسم على اسم قائدها المبروك سحبان المقرحي، شقيق عبد السلام سحبان أحد قادة الجيش الليبي في تشاد، والذي وقع في الأسر ورفض الانضمام إلى المعارضة، فقتل في نفس اليوم الذي هرب فيه حسين حبري من انجامينا، بعد دخول الرئيس الحالي لتشاد إدريس ديبي على رأس قواته إلى المدينة، ولا يعرف من قام بتصفية عبد السلام سحبان.

تدمير الجيش

وجاء تأسيس هذه الكتيبة بالتزامن مع خطة القذافي التخلص المنهجي من الجيش الليبي، الذي كان مصدرا لكل المحاولات الانقلابية، وذلك بزجه في أتون حرب تشاد، ونظرا للأهمية الإستراتيجية لمدينة غريان، التي من خلالها يمكن الوصول إلى الجنوب أسرع من أي طريق آخر، فقد اختيرت مقرا للكتيبة عند المدخل الجنوبي للمدينة، على الطريق المؤدية لمصنع الخزف.

في البداية كانت الكتيبة صغيرة ثم أخذت تنمو باطراد مع الوقت، وبالمقارنة مع الرقعة الواسعة التي تتحرك فيها الكتيبة هذه الأيام، يمكن تقدير حجمها، حيث تتحرك من غريان إلى جميع أنحاء الجبل الغربي، بما في ذلك مدينة مزدة، وتتحرك شمالا حتى مدينة الزاوية، كما أن للكتيبة استثمارات كبيرة في المنطقة، حيث توجد محلات تجارية بجوار الكتيبة تعرف بدكاكين سحبان، بالإضافة إلى سيطرته الكاملة على مشروع جندوبة الزراعي، ومشروع أعالي الجبل الغربي.

وإلى جانب هذه الكتيبة كانت تتمركز بغريان كتيبة أخرى تعرف باسم الكتيبة الثامنة، ولكنها لا تتبع سحبان وإنما تتبع الجيش الليبي، ويعمل بها عدد من الضباط الشباب القادمين من طرابلس، مصراته، الزاوية، وصبراته، والذين ارتبطوا بصداقات واسعة مع شباب المدينة، حيث كانوا يلعبون كرة القدم مع الشباب، ولهم فريق يشارك في المنافسات المحلية، على خلاف ضباط كتيبة سحبان الذين لم يتقبلهم مزاج المدينة، كما توجد بالمدينة حامية غريان، في المعسكر القديم، ولكنها كانت حامية ضعيفة، تتولى تدريب المنتسبين لدورات تجييش المدن، والمقاومة الشعبية، كما يتبعها المعلمون العسكريون في المدارس، وهي الحامية التي انضم منتسبوها إلى الأهالي عندما أعلنوا الثورة يوم 19 فبراير، ورفعوا العلم الدستوري على مقر البلدية.

علاقات القرابة

يتكون معظم ضباط وجنود كتيبة سحبان من قبائل المقارحة، الأصابعة، المشاشية، عكارة، السلالمة، الجعافرة، والحرارات، وهي القبائل التي كانت تصنف ضمن بدو غريان، واستغل القذافي الحساسيات الثقافية التي كانت قائمة في إضعاف غريان، وذلك بتقوية البدو الرحل الذين كانوا يمتهنون حرفة الرعي، ولكن مع الوقت تحولوا إلى أغلبية داخل المدينة، حتى أنهم في منتصف التسعينات انتزعوا من سكان المدينة الأصليين كل الأمانات، بالإضافة إلى أمانة المؤتمر. يذكر أن والدة القذافي عائشة بو النيران من قبيلة السلالمة، التي ينتمي لها الأخوان الراحلان جمعة ومنصور بو النيران، الأول كان مديرا لشركة نفطية تعمل لعائلة القذافي، والثاني شغل منصب آمر الاستخبارات العسكرية حتى وفاته، وهذا ما يفسر الحظوة التي كانا يتمتعان بها، كما أن القذافي أطلق على غريان لقب "البلد الأم"، لأن جده "قذاف الدم"، مارس حرفة الرعي لصالح قبيلة الكميشات بالقواسم، فزوجوه إحدى الأرامل والتي أنجب منها بطون القذاذفة، وعندما توفي دفن في جبل غان.

حدود غريان

تنقسم غريان التي تمتد من محلة أبو غيلان شمالا، إلى محلة الكليبة جنوبا، إلى أربعة أقسام إدارية، وهي القواسم ومركزها المديرية، والتي تمتد من جبل أبو غيلان، إلى جبل طبي، وبني داوود ومركزها مدينة غريان، التي كانت تعرف باسم تغسات، بالإضافة إلى السقايف، أولاد بن يعقوب، الدياسير، أولاد حزام، بن يحي البراشيش والبرج، أما المنطقة الثالثة فتعرف باسم بني نصير، ومركزها قرية تغرنة، وتشمل وأدي الأرباع، القحاصات، الزوية، بوعياد، بن يحي، دنون، اليعاقيب كمون، والكشالفة، والربع الرابع يعرف باسم بني خليفة، ومركزه قرية أبو زيان، ويشمل بالإضافة إلى بوزيان، أوسادن، الجحيشة، قباع، شعتان، كعام، المغاربة، بني وزير، تبادوت، الكليبة، وشمسة، ويبدو أن أسماء هذه المناطق الأربع جاء من أسماء المدراء الذين تم تعيينهم لإدارة هذه المناطق زمن العهد العثماني الأول، أو في عهد الدولة القرهمانلية.

أما كل ما يقع خارج هذه الأرباع الأربعة لا يعتبر من غريان، بما في ذلك الأصابعة التي لا تفصلها عن آخر بلدة في غريان إلا أربعة كيلو مترات، ويبدو أن السبب في ذلك يعود إلى الاختلاف في علاقات الإنتاج بين غريان والأصابعة، فأهل غريان حضر يقيمون في قرى حجرية، قبل أن ينزلوا تحت الأرض ويعيشوا في بيوت محفورة، وذلك بسبب استهلاك البيوت الحجرية للكثير من الخشب، لتحويل التربة الجيرية إلى جبس يقوم مقام الاسمنت في وقتنا الحالي، وأيضا بسبب سهولة وسرعة انتشار مرض الطاعون في القرى الحجرية، كما يعتمدون على الزراعة البعلية، لذلك تمتد أراضي غريان جنوب الجبل، في منطقة قطيس، ووادي الميت، ويجاورون قبائل ورشفانة والزاوية، أما من ناحية الجنوب فتمتد أراضيهم لتصل إلى القضامة والأجباب، ليتجاوروا مع أولاد أبوسيف، والجعافرة، والبدو الرحل في طبقة وفوار غني.

أخوة الجد

خلال الثمانينات نشط القذافي بين القبائل فأرسل خليفة حنيش، الذي أقام بعض الوقت في منطقة القضامة، وتفرغ في الظاهر لتنمية مشروع زراعي، حيث أشترى تقريبا جميع حمير المنطقة، ولكنه في الواقع كان يخطط لتفكيك الأقاليم الغربية، مثل غريان، ورفلة، مصراته، ترهونه، ورشفانة، الجبل الغربي، ومنطقة القبلة، ومعظم هذه الأقاليم تتكون من قبائل صغيرة وحدتها جغرافية الإقليم والمصلحة المشتركة، ونجح حليفة احنيش من خلال خرافة "خوة الجد" في إبرام عدد من الاتفاقيات في فوار غني، وهي الاتفاقيات التي خلدتها قصيدة الحارس الذي كان يحرس الفوار، من خلال قصيدة "خوتك داروا خوت جدد تلاقوا ما حد عرف حد"، والتي رد عليها حسين شكال بقصيدة يلوم فيها احنيش عندما أبرم اتفاقا من النوايل، على حساب ورفلة.

في غريان وجد خليفة احنيش من يتجاوب مع خرافته، حيث نسق عبد المجيد القعود الذي ينتمي لقبيلة القحاصات، مع محمد بالقاسم الزوي لإقناع القذافي أن القحاصات أخوة القحوص، ولم يكن القذافي في حاجة للاقتناع فهم ينفذون مؤامرته بطرق أفضل، بينما أدعت قبيلة بو عياد أنهم مقارحة، وبالمثل فعلت بعض العائلات في قبيلة أولاد حزام، أما قبيلة الزوية فقد تذكرت أنها تنتمي إلى قبيلة الزوية في اجدابيا، ووادي الشاطئ وواحة الكفرة، ومنذ ذلك الوقت أصبح ممثلوها يعقدون اجتماعات سنوية كل مرة في أحد الأمكنة المذكورة، وهكذا حظوا بنفوذ واسع وانفتحت أمامهم كل الأبواب، من خلال اتصالهم بشخصيات نافذة في النظام من نفس القبيلة، مثل عبد الرحمن الصيد، وأحمد محمود الزوي، ومحمد بالقاسم الزوي.

الفلاح والراعي

ونظرا لقرب غريان من طرابلس فقد تعود أهاليها السفر والعمل في طرابلس، لذلك لا تزال حتى الآن توجد في المدينة القديمة بطرابلس حومة تسمى حومة غريان، كما امتلكوا أشجار نخيل في الزاوية وجنزور، وكانوا يرحلون في الخريف لجني الثمار، بينما يرحلون في الربيع جنوبا ليتفقدوا أغنامهم التي أودعوها للرعاة الرحل الذين كانوا ومازالوا يقيمون في البادية الفاصلة بين غريان ومزدة.

وحتى يتمكن أهالي غريان من الجمع بين الزراعة وتربية الحيوانات، لجئوا إلى نظام مشاركة مع البدو الرحل، حيث يودع الغرياني حيواناته فترة من السنة مع أحد الرعاة، الذين يقيمون جنوب غريان، أو تحت الجبل في المنطقة الممتدة بين الرقيعات وبئر الغنم، ويسميه "صاحبي"، يتقاسم معه الإنتاج، ويبني معه علاقة ثقة صارمة، حتى أن زوجة الراعي لا تتحرج من الخروج للتسليم على الصاحب، وكذلك تفعل زوجة الغرياني التي لا تخفي وجهها في حضور الصاحب، واستمر هذا النظام حتى مطلع السبعينات، والآن يعتمد أهالي غريان على رعاة من تشاد ودارفور للقيام بهذه المهمة، إلا أن تلك العلاقة الصحية بين الحضري والبدوي اختفت بالكامل.

فقد لجأ القذافي إلى تعبئة الرعاة سابقا الذين تحسن وضعهم فجأة، عن طريق المناصب العسكرية والأمنية التي اكتسبوها، وكان يقول لهم إن أهل غريان كانوا يستغلونهم، وهكذا بدأت الفجوة تتسع بالرغم من أن الفوارق التي كانت قائمة اختفت بسبب السرعة في التحديث.

خرافة النقاء العرقي

تتنوع الأصول العرقية لسكان غريان، فهم ليسوا قبيلة واحدة، وإنما مجموعات عرقية شتى وحد بينهم الإقليم الجغرافي والمصالح المشتركة، ومن خلال التسميات التي لا تزال سائدة، مثل تغسات، تغرنة، البراشيش، تبادوت نلاحظ أن الأصل في غريان هو أمازيغي بلا جدال، ولكن الأمازيغ استعربوا بالكامل، نتيجة لوفود مهاجرين عرب، تمسك بهم الأهالي نظرا لندرة السكان، وخاصة بعد موجات الطاعون، التي أهلكت معظم سكان القرى الحجرية، ومن الأمازيغ أخذ العرب كل تسميات الوديان، والهضاب والأراضي، وهو ما يعني أن التعايش كان سلميا وبالتراضي، كما تعود أصول الكثير من سكان غريان إلى الكوراغلية، والأتراك، بالإضافة إلى الأوروبيين القادمين من البلقان، ونلاحظ ذلك بسهولة وخاصة في تغرنة، بسبب وجود سحنات شقراء بعيون خضراء وزرقاء، أما العرق الأفريقي فهو أقل انتشارا قياسا ببقية الأعراق. في عام 1911 عندما غزت إيطاليا ليبيا، كان يحكم غريان عائلة تركية، هي عائلة كعبار المقيمة في تغرنة، وقد دفع الهادي بي كعبار قائم مقام غريان حياته ثمنا لسلامة غريان بعد خسارة المجاهدين لمعركة جندوبة، فشنق في المدينة في نفس اليوم، ومع ذلك قاوم شقيقه مختار، ومعه عسكري تركي يسمى الحاج عبد الله التامسكت، على رأس مفرزة من المجاهدين كمنوا للطليان في خرمة أصبيح بين بوزيان، والكشالفة.

ألغام القذافي

كيف نفكك كتيبة سحبان؟ تكمن الإجابة على هذا السوأل في كيفية تفكيك الألغام التي زرعها القذافي في الجبل الغربي، ومناطق أخرى في ليبيا، ومحاولة إعادة اللحمة بين المكونات الاجتماعية لهذه المناطق، خاصة وأن مظاهر الاختلاف في علاقات الإنتاج اختفت بالكامل، أما إذا بقي الوضع على ما هو عليه، فإن المصلحة القبلية سترجح على المصلحة الوطنية، ونعود إلى نفس المربع الأول، عندما كان يستعين باشا طرابلس بقبائل الصيعان والنوايل لانتزاع الضرائب من بقية المناطق، نظير إعفائها من دفع الضريبة، وهو ما فعله القذافي لاحقا، ولكن من خلال أدوار عسكرية وأمنية لهذه القبائل، ومن أهم الخطوات التي ينبغي اتخاذها بأقصى سرعة، هي طمأنة هؤلاء في مرحلة ما بعد القذافي، وبناء تنمية شاملة لا يحرم منها أحد، وعدم استبعاد أحد من العملية السياسية بما في ذلك قبيلة القذاذفة وحلفاءها، وإلا فإننا سنعيد إنتاج قذافي آخر في ظرف وجيز، وسيصعب التخلص منه مرة أخرى، ولعل فترة حكم القذافي وهي الأطول في تاريخ ليبيا، ووحشيته المتناهية، وغرابة أطوارها يعكس هذا الشرخ الحقيقي في الوجدان الليبي.

من المهم جدا في ليبيا ما بعد القذافي أن نفتح صفحة جديدة مع الجميع، وأن نبني مؤسسات لا تعتمد على علاقات القرابة، وأن نبدأ في تهميش القبلية كوسيط بين المواطن والدولة، وهو ما كان يعتمده القذافي، ولتبقى القبيلة عائلة كبيرة توفر للأفراد الغطاء الاجتماعي، قبل أن تختفي كما اختفت في بقية أنحاء العالم المتحضر، عندما تمكنت التكوينات الحديثة، مثل الشارع والحي، النقابة والرابطة والاتحاد والجمعية، وهي مؤسسات المجتمع المدني التي تعامل الفرد كذات مفردة حرة، وليس وفقا لجيناته الوراثية، ففي المرة الأولى يبقى مواطنا حرا، وفي الثانية يتحول إلى مجرد فرد وسط القطيع.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home