Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


Omar  El-Keddi

Sunday, 6 January, 2006

الانتقال من النضال إلى السياسة

عـمر الكدي

لا يستطيع الغرب وهو يعيد جسوره مع العقيد القذافي أن يغفل عذابات شعبه. هذا يعتمد بالدرجة الأولى على حيوية المعارضين الليبيين، وقدرتهم على إعادة تنظيم أنفسهم، والتأثير في مؤسسات المجتمع المدني في الغرب، والاستمرار في كشف جرائم النظام الليبي أمام هذه المؤسسات، والاندماج مع المجتمعات التي يعيشون فيها بعيدا عن وطنهم، وصولا إلى التأثير في السياسيين الغربيين، ابتداء من أعضاء البرلمان الممثلين للدوائر الجغرافية التي يسكنون فيها، وانتهاءً بالتأثير في الحملات الانتخابية، وبرامج الأحزاب، والتنسيق مع المعارضات العربية وغير العربية، وتبني القضايا التي تتقاطع مع قضيتهم، بما يخدم الليبيين الذين يعيشون في الداخل، ومساعدتهم على تغيير الأوضاع التي يعيشون في ظلها، وباختصار شديد الانتقال من النضال إلى ممارسة السياسة.

تتسم المرحلة النضالية بالعمل من خلال الالتفاف حول أيديولوجيا معينة، من خلال تنظيمات لا تقبل إلا من يتفق مع هذه الأيديولوجيا، ومع أهدافها المعلنة، التي يأتي في مقدمتها قلب النظام الحاكم، بأي وسيلة كانت، بما في ذلك العمل المسلح، أو الانقلاب العسكري، والتعامل مع أي جهة تعادي النظام الحاكم، بما في ذلك أجهزة المخابرات، أو التعامل مع أنظمة تتشابه إلى حد التطابق مع النظام المذكور، لمجرد أنها تمر بخلاف معه . لذلك تميل هذه التنظيمات إلى العمل السري، حتى وإن كانت تنظيمات علنية، ولا تثق غالبا في التنظيمات الأخرى التي تسعى إلى نفس الهدف. أحيانا بسبب الحاجز الأيديولوجي، وأحيانا لمجرد التنافس على من يصل أولا إلى السلطة، ومن الصعب ملاحظة تقاليد تتسم بالشفافية في عمل هذه التنظيمات، سواء أكان ذلك على صعيد مصادرها المادية، أو في طريقة انتخابها لقادتها وكوادرها. لذلك عادة ما تتعرض إلى انشقاقات بين صفوفها تتحول إلى عداوة مزمنة. كما أن عملها مع أجهزة استخبارات دول كبيرة قد يعرضها إلى أن تكون ضحية دون أن تدري، عندما يتفق النظام سرا مع هذه الدول، أو مع حتى الدول العربية التي تستضيفهم.

ربما يعود سبب الارتباك في صفوف العمل المعارض، هو الانتقال من العمل النضالي إلى العمل السياسي، في غياب ثقافة سياسية، وتقاليد سياسية، خاصة وأن البعض انتقل من عالم النضال إلى السياسة مدججا بكل شعاراته وحلوله السابقة، لذلك راجت لغة التخوين والاتهامات، وأنقسم المعارضون بين جذريين وإصلاحيين بسبب الاختلاف حول شعار لا يستطيعون تحقيقه مجتمعين، وهو تنحي القذافي، والذي خفف قليلا فقد كان في الأصل تنحية وليس تنحيا، في الوقت الذي قبل فيه أغلب الطيف بالعمل المعارض السلمي، والبعيد عن أي تأثير أجنبي، وهو ما لا أجد له وصفا، سوى بالانتقال من انتظار "المستحيل" الذي قد يأتي أو لا يأتي، إلى آفاق الممكن، حيث يمكن الوصول إلى الهدف البعيد من خلال خطوات قصيرة، ولكنها راسخة ومتصاعدة.

في عالم السياسة تخفى الأهداف الاسترتيجية بمجموعة من الأهداف التكتيكية، ويمكن للسياسي أن يتنازل عن أي شيء يراه غير جوهري، مقابل الحصول على مكاسب يراها خصمه غير جوهرية. إنها لعبة قد تطول أو تقصر، وفقا لفاعلية المعارضين والقراءة الصحيحة للمسرح السياسي الدولي، وتقاطعه مع ما يحدث في منطقتنا، وأيضا وفقا لأزمات النظام، واستعداد الناس في الداخل.

من الصعب إقناع الغرب بوجود بديل للقذافي غير الأصولية الإسلامية، لهذا غفر الغرب للقذافي كل حماقاته، طالما أنه يستطيع القيام بعملين مهمين: محاربة "الإرهاب"، والحفاظ على مصالحه في البلاد. بعد الحادي عشر من سبتمبر تغيرت أولويات العالم، فتقدم الأمن على ما عداه، وبعد غزو العراق، اكتشف الغرب أمرين مهمين: أن الطاغية فقط هو من يستطيع إعادة المارد إلى القمقم الذي خرج منه، وأن تغيير هذه المجتمعات بالقوة أمر خطر، قد ينجح ذلك في مجتمعات أخرى مثل المانيا ،اليابان، وكوريا الجنوبية، أما مجتمعات الشرق الأوسط فلا تزال تعيش في حقب تاريخية سابقة، وعندما يختفي الطاغية فجاءة يعودون إلى غبار الفتنة الكبرى، وحرب داحس والغبراء.

إذا فشل حل المحافظين الجدد، فإن الحلول الأخرى جاهزة، وهي حلول لا تعتمد على إقصاء "الأنظمة المارقة"، وغير المارقة، وعزلها، وإنما احتواءها، وتغييرها بالتدريج حتى ولو تطلب ذلك زمنا طويلا. لا يمارس الغرب هذه السياسة فقط مع المناطق المهددة بالأصولية الإسلامية، وإنما حتى مع ماينمار التي ذبح كهنتها البوذيون المسالمون بطبيعتهم، ولم يتوقف الغرب عن الاستثمار في تلك البلاد المغلقة، التي تقيم فيها زعيمة المعارضة تحت الإقامة الجبرية منذ سنوات.

بعد الحادي عشر من سبتمبر، أصبح الاعتقاد السائد في الغرب هو أن الأنظمة الحاكمة التي تسيطر على هذه المنطقة هي التي أدت إلى ظهور "الإرهاب"، وبعد احتلال العراق، أصبح الاعتقاد السائد هو أن هذه المجتمعات تعاني من خلال بنيوي في نظامها الثقافي، يمنعها من قبول الحداثة، والاندماج في منظومة القيم التي جاءت بها الحداثة، وإنها لهذا السبب هي من أنتج ظاهرتي الطاغية و"الإرهاب"، ولا يمكنها تجرع دواءً مراً اسمه الديمقراطية، ودولة المؤسسات والقانون بالسهولة التي تجرعتها مجتمعات أخرى، وحتى في البلدان التي تتمتع بتعددية حزبية، وتجري فيها انتخابات تشريعية دورية، لا تزال أقرب إلى المجتمعات القبلية، وقد برهنت أحداث كينيا أن الديمقراطية لا تزال بعيدة عن واقع هذه المجتمعات.

لن تتكرر هذه المرة ظاهرة الاستعمار، وإنما سيتم تأهيل هذه الأنظمة بوصاية تشبه ما كان سائدا أيام "الانتداب"، وهو تعبير ملطف يقصد به أن هذه المجتمعات لا تزال قاصرة. ستعود الاستثمارات الغربية وقد ضمنت وجود الحد الأدنى من الضمانات التي تتوفر في ظل معايير دولية، وذلك بتغيير نظام البنوك، والتأمين، واختفاء الحدود أمام حركة رأس المال، ولن يتم ذلك دون إعادة تأهيل الإدارة الوطنية، التي تعاني من أمراض الشيخوخة، وسيكون النظام التعليمي هو المستهدف لاحقا، لتهذيبه من "الإرهاب" ومن الدوغما السابقة، وهو نظام لم ينجح إلا في تخريج العاطلين عن العمل، والذين لا تقبل شهاداتهم في العالم الخارجي. حتى ولو لم يضغط الغرب من أجل ذلك فإن النظام بنفسه سيسعى لذلك، وفقا لعقد الوصاية الجديد، وقد يخرج عن طوره، ويؤسس منظمات شبيهة بتلك الموجودة في الغرب، حتى يفرغها من مضمونها عندما يصبح المجتمع أقدر على تأسيس مؤسساته المدنية. باختصار سيرفع النظام شعار "الإصلاح " قبل أن يرفع في وجهه.

تتميز هذه المرحلة بالنزوع إلى العمل السلمي، وبنظرة سريعة للعالم نلاحظ تراجع عدد الحركات المسلحة، ونبذ دولي لكل الحركات التي تمارس العنف، بما في ذلك التي كان عملها المسلح مباركا من الغرب زمن الحرب الباردة. حتى حركات التمرد المسلحة التي حظيت بالتعاطف عند أول ظهور لها، سرعان ما ضاق المجتمع الدولي ذرعا بها، مثلما يجري في دارفور وتشاد، وبالرغم من أن بعض هذه الحركات لا تزال ترفض هذا التصور، وتسعى لقلب شروط اللعبة، مثل حماس وحزب الله، والأحزاب الطائفية في العراق، إلا أنها تمثل غيرها في هذا الصراع، وهي أشبه بمخالب نمر يتربص بعيدا عنها، أما المنظمات الإسلامية التي تمارس الإرهاب، فهي تخسر كل يوم مواقعها، وأن المنظرين الذين أطلقوا هذا الوحش من عقاله في مطلع الثمانينات، تراجعوا في سجونهم المصرية عن معظم أفكارهم، وقبلوا بالعمل السلمي دون أن يتنازلوا عن هدفهم الذي لم يتغير، وهو إقامة دولة الخلافة الإسلامية مرة ثانية.

ستستغل الأنظمة أي ممارسة للعنف، وتعتقل كل معارضيها باعتبارهم إرهابيين، وسيغض الغرب طرفه، طالما قام هو نفسه باعتقال هؤلاء خارج القانون، وإرسالهم في طائرات سرية، إلى سجون غير شرعية تقع ليس في خليج غوانتنامو، وإنما فوق تراب الإتحاد الأوروبي، وترسل إلى سجناء غونتنامو محققين من أجهزة الأمن في بلادهم، لأنهم يجيدون التعامل معهم أفضل من الأمريكيين. الكيل بمكيالين سيظل موجودا طالما وجدت وظيفة اسمها السياسة فوق هذا الكوكب. للأسف لم يتغير السياسي كثيرا منذ أن حلله الايطالي ميكيافيللي في الربع الأول من القرن السادس عشر، باستثناء أنه فقد طغيانه في الغرب، وتحول مع الوقت إلى موظف مرموق، يجيد إقناع المواطنين بأفكاره، ولا يطيل الجلوس في منصبه، فليس له في سنوات معدودة إلا برامج قصيرة الأمد. لا يستطيع السياسي بحكم وظيفته النظر إلى أبعد من الفترة الانتخابية التي يمارس خلالها السلطة، وعليه دائما أن يدافع من خلال ما يتحقق في الواقع ليبقى في منصبه، بالإضافة إلى أن نمط السياسيين الرائجين هذه الأيام في أوروبا هو أقرب إلى نمط رجال الأعمال. يبدو هذا واضحا في توني بلير ، بيرلسكوني، ثم ساركوزي، لعل ذلك يرجع لتأثير النموذج الأمريكي على الأوروبيين، حيث يأتي معظم الرؤساء الأمريكيين حاليا من هذا القطاع، وبالتالي لا معنى لرجل أعمال لا يجيد توقيع الصفقات، حتى مع حكام على شاكلة القذافي.

كل ما سبق يؤكد أن مرحلة النضال قد تكاملت، ولم يبق من مجال للعمل المعارض سوى مجال السياسة بطبيعتها المناورة، وبحساباتها الباردة، وبكونها عمل يومي لا يتوقف، يتجلى في الإعلام، وفي العمل الحقوقي، والعمل اللصيق مع منظمات المجتمع المدني، وفي التأثير في المؤسسات المتخصصة في هذه المجالات.

يحتاج هذا العمل إلى أفراد يجيدون مخاطبة الرأي العام في البلدان التي يعيشون بها، وكلما كان هؤلاء الأفراد على كفأة عالية، كلما تمكنوا من التأثير، ويمكن القول أن غاية ما يبتغيه أي معارض الآن هو الضغط على النظام من أجل تغيير شروط الحياة في بلاده. لن يجلس النظام متفرجا، ولكنه سيحاول بدوره التأثير في مؤسسات الغرب، حتى ولو أدى ذلك إلى أخطاء تساهم في كشف المزيد من طبيعته الشاذة، وكشفت زيارة القذافي إلى فرنسا أنه أثار الرأي العام الفرنسي، وتحول إلى ضيف مزعج بالرغم من المليارات التي ضخها في الاقتصاد الفرنسي، وهذا يؤكد أنه دخل حلبة لها شروط، لا يتوفر منها شيء لديه، وخاصة إذا أجاد المعارضون تنظيم أنفسهم ، وتبنوا برنامجا أكثر انسجاما مع عالم السياسية، يلتزمون فيه بما يستطيعون تحقيقه. قد ينتصر السياسي وهو ليس في السلطة، إذا تبنى من في السلطة برنامجه، وسيعرف أنه على صواب كلما دفع النظام إلى تبني تصوره، ومن أبرز الأهداف التي سترصد هو نقل حالة المعارضة إلى الداخل، فكلما ارتفع سقف حرية التعبير هناك، كلما تكلل العمل بالنجاح، وسيكون أصعب الأهداف هو إقناع العالم ببديل مقنع للقذافي، لن يكون بأي حال من الأحوال الأصولية الإسلامية المتطرفة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home