Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Omar El-Keddi


Omar  El-Keddi

Wednesday, 2 August, 2006

الحمٌى(*)

بقلم : عـمر الكدي

كنا نستمع في أحد مختبرات مركز البحوث الصناعية إلى آخر أخبار الحرب الضروس بين مصطفى وحماته، عندما دخل علينا أحمد الورشفاني وألقى بخبره الصاعق الذي جمد الضحكات في حلوقنا .
ـ ألقي القبض على علي بن عريس.
كنت أعرف مصداقية كلام الورشفاني فشقيقه الأكبر ضابط كبير في أحد الأجهزة الأمنية. قبل أن ينصرف حذرنا جميعا من الاعتراف بأي شئ ، ونصحنا بأن الإنكار هو أفضل ما يمكن اللجؤ إليه إذا ما تم القبض علينا ، وحتى في حالة استدعاءنا كشهود ، وخصني بالتحذير أكثر من الآخرين باعتباري صديق مقرب لبن عريس .
ذهبت إلى مكتبي ولم أستطع التركيز على شئ . انتابتني الهواجس ، وشعرت بقلق لم أجربه يوما في حياتي ، حتى أنني أحسست بفتحة في صدري تتسع لتمر من خلالها كرة قدم ، وفي رأسي تدفقت الذكريات مثل سيل لا أملك السيطرة عليه . تذكرت علي بن عريس عندما عاد من الولايات المتحدة ، والتحق بمركز البحوث الصناعية ، بدماثة وحياء أثارتا إعجابنا واحترامنا له . كان كثير الابتسام ، قليل الضحك والكلام ، وكان رفيقا رائعا في العمل ، وأثناء سهراتنا المشتركة ، والتي حاول جاهدا أن لا تكون هذه السهرات من أجل لعب الورق و"القرمة"(1). حاول أن يحول هذه السهرات إلى جلسات نقاش . إلا أنه فشل فشلا ذريعا أمام سخرية الزملاء الذين كانوا يقولون له : "فكنا يا راجل من النكد ومن المؤتمر الشعبي اللي بتفتحه الليلة ".
ولأنه لا يملك سيارة ويجاورني في السكن والعمل ، فقد كنت اصطحبه بسيارتي إلى العمل، وأيضا كنت اصطحبه للتسوق، وهكذا توطدت بيننا الصداقة. في إحدى المرات ونحن في طريقنا إلى طرابلس أخرج شريطا من جيبه، وعندما حاول وضعه في مسجل السيارة توجست من الشريط، ومن الكلمات التي قالها قبل أن يهم بوضع الشريط في المسجل، فوضعت يدي على المسجل وقلت له إذا كان الشريط له علاقة بالسياسة أرجوك بلاش منه. أعاد الشريط إلى جيبه بينما كانت غمامة سوداء تحجب وجهه. حاولت أن أروح عليه فقلت له: "اسمع يا بوصاحب أنا ليس لي إلا أربعة اهتمامات فقط العمل والقرمة، والكارطة(2) والمبكبكة(3) وغيرهم نو". انفرجت أساريره، وضحك ضحكته الخجولة.
عندما حان موعد الغذاء نزل الزملاء والزميلات جميعا إلى المطعم ما عداي. لم أجد رغبة في الأكل . استسلمت لسيل الذكريات، ولهذا القلق الذي أخذ ينخر أحشائي.
كنت أدرك أنني برئ ولم أفعل ما يستوجب اعتقالي، ألا أنني أدرك أيضا أن رجال الأمن سيقتلونني عدة مرات قبل أن يتأكدوا من براءتي، خاصة وأن البلد يمر بأقصى درجات الاستنفار الأمني منذ عشرة أيام؛ عندما اكتشفت قوات الأمن خلية تابعة للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في إحدى العمارات بشارع الجمهورية ، على مسافة غير بعيدة من مركز القيادة . كان أفراد الخلية قد تسللوا من خارج البلاد ، لتنفيذ أكثر المحاولات جراءة لاغتيال العقيد ألقذافي في عقر داره. طوقت الدبابات والدروع العمارة من كل جهة ، وقصفتها بكل أنواع القذائف ، ورغم الطوق الأمني تمكن اثنان من الفرار ، بينما قتل معظم أفراد المجموعة ، وألقي القبض على اثنين اعترفا تحت التعذيب بأسماء بقية أعضاء الجبهة في الداخل ، وكان بينهم صديقي وجاري بن عريس.
قبل الانصراف من العمل بقليل اقتحم مصطفى مكتبي بطريقته الصاخبة ، وعندما لأحظ توتري بادرني بالقول : "أنسى ما قاله الورشفاني .. طلع ها الهواجس من رأسك .. بالله لو جاءوا لاعتقالك وشافوا وجهك هذا يقولولك آسفين كنا نحسابوك راجل".
قلت له: "بالله لو اعتقلوني سأورطك معي" ضحك وقال : "اديرها وادير أكبر منها.. اسمع أنا سأستغل هذه الأزمة وسأبلغ الأمن بأن حماتي من جماعة الجبهة.. بالك يعتقلوها ويفكوني من شرها ".
انصرف كعادته ضاحكا صاخبا، وعدت إلى هواجسي حاسدا مصطفى على قدرته العجيبة في تحويل أي مصيبة إلى موضوع للسخرية والمرح.
لا أدري كيف وصلت إلى بيتي يبدو أن السيارة كانت تقودني ، بالرغم من مروري بحاجزين أمنيين ، فتشوا صندوق السيارة الخلفي ، وتحققوا من هويتي وأوراق السيارة. طوال المسافة إلى بيتي كنت غارقا في تذكر ما حدث بالأمس عندما جاءني بن عريس وطلب مني اصطحابه إلى أقرب سوق مجمع، كان طوال الوقت واجما، وعزوت ذلك إلى مشكل مع زوجته. اشترى كمية كبيرة من التموين ملأت الصندوق الخلفي للسيارة، والباقي وضعناه داخل السيارة. قلت له : "ما هذا التموين يبدو أنك ستتزوج مرة أخرى". رد علي بتمتمة مبهمة فهمت منها أنه قد يفارقها لزمن طويل .
أثناء رحلة العودة كان يطلب مني تجنب الحواجز الأمنية. ثلاث مرات نزل من السيارة وعبر الحواجز راجلا من خلف رجال الأمن الذين كانوا مشغولين مع راكبي السيارات، وقبل أن نصل إلى الحاجز الأخير تلفت يمنة ويسرى وعندما لأحظ طريقا ترابيا على اليسار طلب مني الانعطاف يسارا. عبرنا بساتين محاطة بالتين الشوكي. قادنا الطريق مرة أخرى إلى الطريق العام تاركا الحاجز خلفنا.
عندما اقتربنا من العمارة التي يقطن بها طلب مني التوقف خلف العمارة . استغربت طلبه كنت عازما على التوقف عند مدخل العمارة ، حتى أعفيه من حمل كل هذه الأكياس والصناديق مسافة طويلة، ولكنه أصٌر حتى أنه فتح باب السيارة مهددا بالقفز منها. رضخت لطلبه وساعدته على إنزال الحمولة على الرصيف الخلفي للعمارة، وأنا مستغرب من غرابة أطواره التي فاجأتني لأول مرة منذ تعرفت عليه.
بينما كنت أقفل باب السيارة أمام العمارة التي أقطن بها لمحت سيارة عسكرية تمرق مثل سهم.
الآن وأنا أقفل باب السيارة في نفس المكان بعد أقل من أربع وعشرين ساعة ، أدركت أنه كان يعلم أنهم ينتظرونه عند مدخل العمارة ، وأنه كان يريد أن يبعدني عن أي شبهة قد تؤدي إلى اعتقالي ، وأن السيارة العسكرية التي مرقت مثل السهم كانت تحمل بن عريس إلى محنته.
دخلت شقتي وأنا في أشد حالات الإرهاق ، وخف أطفالي لملاقاتي كعادتهم ، وعندما لاحظوا تجهمي تراجعوا إلي ركنهم في الصالة ، أما زوجتي فقد أخذت تلحٌ بأسئلتها المتنوعة ، وأخيرا انسحبت إلى المطبخ عندما زجرتها بحدة.
استلقيت في الصالة بكامل ملابسي ، وبعد جهد وعناء تمكنت من نزع حذائي وجوربي . جاءت زوجتي بالعشاء ، فطلبت منها أن تتعشى وأطفالها ، فليس لدي رغبة في أي شئ . انتقلت عدوى كاَبتي وقلقي إلى أسرتي . لم يستمتعوا بالعشاء كعادتهم ، ودخلوا مبكرا إلى غرفهم وناموا.
استيقظت مذعورا على جرس الباب. سمعت زوجتي من غرفة النوم تقول : "الباب يا سالم الباب" فقلت لها : "باهي.. باهي". نهضت بصعوبة على قدمي ، وأنا أقول في سري أخيرا وصلوا أولاد الكلب . سقطت مرتين على ركبتي ويدي قبل أن أصل إلى الباب . عندما فتحت الباب رأيت على بصيص الضوء المبعث من شقتي في الردهة المظلمة رجلا وامرأة بلحاف أبيض وثلاثة أطفال ، ومن لهجة الرجل الشرقاوية عرفت أنه أخطأ الشقة ، فأشرت إليه بإصبعي نحو الشقة المقابلة . اعتذر بشدة ، واتجهوا إلى شقة جاري الدرناوي.
عدت إلى مضجعي، وأخذت أتقلب على فراش من الأشواك محدقا في الأرق طوال ما تبقى من الليل ، وقبل أن تستيقظ أسرتي غسلت وجهي ، وغادرت الشقة . عندما وصلت إلى مدخل العمارة رأيت شرطيا عسكريا يدخن إلى جانب سيارته العسكرية . تخشبت في مكاني ، ولم أعرف ماذا أفعل ، ثم تذكرت أن شرطيا عسكريا يسكن في إحدى شقق الدور الأرضي ، وهذا زميله ينتظره . تقدمت خارج العمارة متحاشيا النظر إليه ، فبادرني بتحية الصباح ، ورديت على تحيته بتلعثم. قدت سيارتي بطريقة آلية بينما تهب من ناحية البحر نسمات منعشة محملة برائحة اليود ، وفي مرآة السيارة لاحظت شحوب وجهي واصفراره ، ولاحظت لأول مرة أن حرارتي مرتفعة.
اتجهت إلى مكتبي فورا قبل بداية الدوام ، وبعد مضي أقل من ساعة سمعت جلبة زملائي وهم يدخلون مكاتبهم ومختبراتهم ، بينما كنت أغرق في حمام بخاري ، وترتخي مفاصلي . استيقظت فجأة على يد تربت على خدي ، وماء بارد ينسكب على وجهي ورأسي ، ويد تجس نبضي . حملوني ومددوني على الكرسي الخلفي لسيارة مصطفى ، التي انطلق بها والى جواره زميل آخر بأقصى سرعة نحو المستشفى المركزي ، كنت أرى أعمدة النور تمرق بسرعة ، قبل أن أغرق مرة أخرى في بركة من الماء الكبريتي الساخن ، وأفقد وعيٌ بالكامل.
لا أدري كم مر من الوقت عندما استيقظت عاريا بالكامل في حوض استحمام ملئ بأكياس الثلج. انتبهت إلى ممرضة فلبينية كانت تجلس على كرسي بجوار الحوض ، وتضع أكياس الثلج فوق جسدي العاري. سألتها ماذا جرى؟ فقامت لتستدعي الطبيب . عادت بعد قليل ومعها الطبيب الذي كان يبدو عليه الانزعاج . أخبرني بأنهم أجروا كل أنواع التحليلات والفحوصات ، ولم يجدوا سببا لارتفاع حرارتي إلى هذا الحد ، باستثناء بعض الجفاف والإرهاق ، وأنه تم حقني بأكياس التغذية ، وأدوية مخفضة للحرارة ، وأخيرا اضطر لوضعي في هذا الحوض ، ثم سألني إن كنت أعاني من مشكلة شخصية سببت توترا أدى إلى ارتفاع حرارتي ، فنفيت أنني أعاني من أي مشكلة . رفع حاجبيه وقال :"غريبة" وهو يحشر الترمومتر في فمي ، وبعد أن اطمأن على حرارتي أمر الممرضة بنقلي إلى سريري.
استلقيت على سرير في وسط العنبر ، بينما أشعة شمس الأصيل تتسلل من خلال النوافذ العالية شاحبة صفراء. شعرت برغبة جارفة في النوم مثل سفينة في قاع المحيط . جذبت الغطاء الأبيض على وجهي ونمت على الفور.
لا أدري كم مر من الوقت عندما امتدت يد وانتزعت الغطاء بقوة من فوق وجهي . استيقظت مذعورا ، وصرخة حادة تخرج من حلقي ، رأيت وجه شرطي عسكري بقبعته الحمراء ، وشاربه الكث ، وذراعه المليئة بالشعر . سقط رأسي على الوسادة ، وابتلعني ثقب أسود.
لا أدري كم مر من الوقت عندما استيقظت مرة ثانية في نفس الحوض ، بينما كانت نفس الممرضة الفلبينية تضع أكياس الثلج فوق جسدي العاري . جاء نفس الطبيب وقال : "حيرتني والله حيرتني .. أغرب حالة تمر عليٌ"، وأمر الممرضة بنقلي إلى سريري . وجدت نفسي في نفس السرير ، وجميع المرضى كانوا نائمين. مرت ممرضة ليبية فسألتها عن الشرطي العسكري ، فأخبرتني بأن أحد الأفارقة الذي ينتمي لإحدى الحركات العسكرية ، والذي يتدرب في ليبيا كان ينام في نفس السرير ، واليوم صباحا تمكن من الفرار من المستشفى ، وجاءت الشرطة العسكرية لتعيده إلى وحدته . تنفست الصعداء ، ونمت كما لم أنم في حياتي.
استيقظت في الصباح على صوت عربة الإفطار ومزاجي رائق . أكلت بشهية طيبة ، وتذكرت بأنني لم أكل ولم أشرب منذ يومين . لبست ملابسي وتسللت من المستشفى بهدوء، وبعد ساعات كنت مع عائلتي في قريتي بين أهلي وأقاربي. بقيت أسبوعين في القرية قبل أن أعود إلى عملي . لم يسأل عني أحد باستثناء زملائي في العمل ، الذين زاروني في نهاية الأسبوع ، وهم يضحكون بشدة . وضعوني على القرمة ، ومصطفى يروي لهم ما كنت أهذي به في طريقنا إلى المستشفى : "لا..لا..لا أعرف لا بن عريس ولا بن عروس".

عـمر الكدي
دليفتس هاوت ـ 19 يوليو 2006
________________________

(*) سبق لي نشر هذه القصة في موقع "كيكا"، 28 يوليو 2006م
(1) القرمة : النميمة المحببة.
(2) الكارطة : لعبة الورق.
(3) المبكبكة : أكلة شعبية وخاصة بين الطلاب والعزاب تصنع من المكرونة واللحم والخضروات في نفس القدر وجاء اسمها من صوت الماء عند الغليان.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home