Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Obaid Ahmed el-Ragig
الكاتب الليبي عبيد أحمد الرقيق


عبيد أحمد الرقيق

الأحد 26 سبتمبر 2010

"رشادة المس".. قصة واقعية

عبيد أحمد الرقيق

دعاني احد أقربائي لتناول وجبة عشاء في بيته, كان ذلك في يوم خريفي وتحديدا يوم الخميس الموافق 16/09/2010 .. وبينما نحن في "المربوعة" تجيء وتذهب طفلته الصغيرة "نور" ـ ذات الستة عشرة شهرا ـ تلهو وتلعب في براءة تغمرها سعادة طفولية عارمة, لقد كان لنا نصيب من الفرح الذي غمرتنا به وهي داخلة أو خارجة..فقد كنا نتابع حركتها بأعيننا وكأننا نغبطها سعادتها التي تبدو جلية على محياها ومن خلال ابتساماتها وحركاتها الطفولية البريئة بل ربما كنا نحسدها!! كانت تشاكسنا جذلانة مبتهجة فتصر على حمل وسادة من صالون "المربوعة" بين ذراعيها الصغيرتين..بالكاد تحملها مما يجعلها تفقد توازنها في بعض الأحيان فتسقط دون تضجر..لكنها تصر وتخطو بها إلى عتبة الباب.. تتوقف وتقذف بها لكنها لم تغادر قدميها الصغيرتين..تقعد على عتبة الباب تلهو وتلعب بوسادتها..تبقي على تواصلها معنا في مجال رؤية العين وسمع الأذن ..

وفجأة تصيح الطفلة باكية بحرارة .. يندفع أبوها ويحملها بين ذراعيه محاولا تهدئتها دون التفكير في السبب ..يأتي بها إلي الداخل ..لنعرف منها أن موقع الألم في إصبعها السبابة اليمين.. يمسح عليه بلطف ويناغيها بكلمات ربما كانت تألفها.. وبرغم الألم تهدأ قليلا وتتوقف عن البكاء ..لكن الدمع ينسكب من عينيها ولا يتوقف .. أنها شدة الألم التي تحاول الصغيرة مداراته وتحمله وكأنها تعلمنا درسا في الصبر! يزداد الألم اشتدادا .. انه اكبر من صبرها وعنادها فتستأنف البكاء وان كان متقطعا.. إذا لا مناص من تسليمها لامها فهي الخبيرة بالتعامل معها.. وبعد حوالي خمس دقائق يدخل علينا احد إخوتها مبعوثا من أمه,.يسأل عن سبب إصابة أخته؟ لنجيبه وبهدوء: ربما وقعت على إصبعها أو ربما أصابتها قطعة من زجاج متكسر إلى ما ذلك من التخمينات ..لكنه يردف قائلا: إن إصبعها متورم..

وفجأة تجيء أمها حاملة إياها والصغيرة مستمرة في البكاء.. تفتش بلهفة وعجل عن السبب ..يا الله هل هو إحساس الأم الغريب؟!..إنها تفتش بين وتحت أحذيتنا أمام باب "المربوعة".. يا الهي عن أي شيء تفتش ؟!! ..ثواني وتصيح الأم ملتاعة مفزوعة.. نور لدغتها عقرب..نور ملدوغة.. يا حليلي ..يا بنيتي.. ياربي..يا.... لقد صدمتنا المفاجأة ولم نكد نصدق ما نسمع.. ألا انه رؤية العين !! إنها عقرب سوداء صغيرة تختفي بالأحذية!! انطلق الأب والأم صحبة نور إلى المستشفى مسرعين.. أما أنا فتكفلت بقتل العقرب اللئيم ولم أنسى طلب الأب إحضارها للمستشفى للاستدلال والتأكد..لكن الموقف افقدني الهدوء ودفعني إلى قذفها بعيدا ..ذلك التسرع كلفني البحث عن العقرب الميتة بضع دقائق مما اضطرني إلى التأخر واللحاق بهم من بعد.

في المستشفى ,وفي قسم الطوارئ, تأتي الطبيبة المناوبة ـ من جنسية أجنبية ـ مسرعة تعمل اللازم تستفسر عن لون العقرب وحجمها فتجد مبتغاها لدي, فقد أحضرت العقرب وان كانت منقوصة الذيل!..تصف الدواء اللازم وتجري اختبارات الحساسية وتضبط الوقت..الحمد لله كانت الاختبارات سلبية مما يعني أن الدواء سيحقن في جسد الطفلة الصغيرة التي تتلوى من شدة الألم وتصرخ بين يدي أمها..تجري كل هذه الأشياء ويدور سؤال كبير في أذهاننا : هل ستنجو الطفلة وتكتب لها الحياة؟ ربما حتى الطبيبة المعالجة نفسها لا تملك الإجابة.. ذلك أن حالات متعددة من الصغار والكبار قدر أن تموت من سم العقارب بعد وصولها لمستشفى مزدة, حيث سجلت حالات مؤكدة..لقد كانت وللحق لحظات رهيبة من القلق والانتظار المحفوف بالخطر. بيد أن سرعة إحضار الطفلة للمستشفى كانت مبعثا لأمل النجاة.. فزمن ما بين اللدغة والوصول لم يتجاوز نصف ساعة, إذا ربما هي محاسن الأقدار.

كالعادة اكتظت ممرات المستشفى بالأقارب الذين هرعوا في "فزعة ليبية" حال سماعهم النبأ.. في الأثناء كان بعض الأقارب والأصدقاء يوصون ويلحون بعدم السماح باستعمال المحاليل التي تحقن مع الوريد "التغذية" وكانت التحذيرات قوية وأصحابها يتحدثون بثقة لا متناهية..مستدلين بتجارب وأحداث وقعت.. مقصد قولهم أن "التغذية" سبب مباشر في موت الملدوغ, وان كثيرا من الحالات فارقت الحياة بعد استعمال المحلول مباشرة حسب ادعائهم..كان ذلك مدعاة للإرباك و الحيرة وازدياد القلق خاصة لدى أسرة الطفلة, ومتاهة لا حدود لها بين التصديق والتكذيب.

وفي الأثناء أيضا, كان بعض الأقارب والأصدقاء ينصحون باستعمال بلسم شعبي يقولون انه اثبت جدواه وتجريبه, لعلاج سم العقارب والأفاعي, انه عبارة عن قطعة حجر او لنقل "رشادة المس"!! يأتون بها من الجنوب.. وفي ظرف ربع ساعة توفرت "رشادتان" من ذات النوع.. إنها حقا "الفزعة الليبية" دليل التعاون والتعاضد بين أفراد المجتمع الليبي في حال الشدائد..وفي زحمة التطبيب وفي غرفة الطوارئ تتمكن خالة الطفلة من إلصاق "الرشادة" بإصبع الطفلة المصاب فترة كافية كما هو متعارف عليه شعبيا. قد لا تعلم بذلك الطبيبة, لكن طاقم التمريض وبلا شك, يعلم لكنه لا يقوى على المنع, فهذه ثقافة يصعب الوقوف أمامها في مثل هذه المواقف!! وهو مع ذلك يواصل أداء دوره العلاجي الأساسي وبكل جدية..

بعد ذلك تبدأ التطمينات في الظهور, فمن الجانب الطبي تعلن الطبيبة انه قد تم تجاوز مرحلة الخطر والحالة مستقرة. وان الطفلة ستحول إلى قسم الأطفال للإيواء, والاحتفاظ بها تحت المتابعة العلاجية السريرية لغاية يوم الغد كحد أدنى, حتى تتماثل الطفلة تماما للشفاء ويتم التأكد من الحالة بصورة نهائية.. ومن الجانب الشعبي يحاول المعتقدون في "الرشادة" أن يثبتوا للجميع أن مفعولها السحري قد بدا فعلا, وانه لا خوف على الطفلة بعد الآن ! ترى أي من الجانبين نصدق؟ أم الاثنين معا؟!! .

في اليوم التالي خرجت الطفلة معافاة والحمد لله وعادت إلى البيت, لكن الحديث عن الواقعة لم يتوقف. البعض يقول أن "الرشادة" هي التي كانت سببا في العلاج..آخرون يرون أن عدم استخدام المحلول هو الذي كان سببا في العلاج.. آخرون يرون أن العلاج الطبي الذي استعمل هو السبب ..وأي كانت الآراء والتخمينات فان إرادة الله بالدرجة الأولى ودواء الطبيب ومكان اللدغة ونوعية سم العقرب ودرجة ممانعة الجسم, كانت ولا شك من الأسباب الرئيسة في التعافي وقد لا يمكنا تناسي اثر "الرشادة" حتى من باب المجاملات الاجتماعية والثقافة الليبية السائدة مهما كانت مستوياتنا وخبراتنا العلمية!!.

أخيرا وبعد أن عادت الطفلة سليمة متعافية, لم يتوانى بعض الأقارب من باب المزاح الذي لا يمكنك تمييزه عن الجد !, في اتهامي وأبيها بأن احدنا أو كلينا قد أصابها بعين, معللين ذلك بتساؤل غريب فحواه : ما كان للعقرب أن تأتي إلى باب "المربوعة" وتمشي فوق البلاط , وهي التي عادة ما تكون في الحفر لولاكما!!.. لكن أبوها لم يتوانى في الرد على ذلك الاتهام متبلا بروح االفكاهة قائلا: إن مطر الأمس (هطلت الأمطار في اليوم السابق للحادثة) هي التي أخرجت العقارب من جحورها!!, لكنه في نفس الوقت لم يخف انه قد كان معجبا بطلة طفلته البهية وحيويتها في تلك الليلة, ربما إبعادا للشبهة عني, أو أنه صراحة واعتراف قل وجوده في هذه الأيام.

للتواصل :
elragig@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home