Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Obaid Ahmed el-Ragig
الكاتب الليبي عبيد أحمد الرقيق


عبيد أحمد الرقيق

الإربعاء 22 ديسمبر 2010

صورة الزعـيم*

منشور رقم صفر!


عبيد أحمد الرقيق

في المدرسة الابتدائية, وقعت عينا مسعود على صورة كبيرة معلقة قبالة الباب الرئيسي, تأمل فيها كثيرا لكنه لم يجد فيها ما يشبه أباه أو جده لذلك تحول عنها بنظره وتفكيره. دخل مسعود ذات مرة مكتب مدير المدرسة فوقعت عيناه على صورة أخرى لنفس الشخص يحتضنها برواز أنيق.. سأل في براءة طفولية: من هذا؟ اهو جدك يا أستاذ أم أبوك؟ كتم المدير ضحكة استغراب وأجاب مبتسما لا..لا, هذا بابا "....." الحاكم والرئيس والقائد والزعيم.. يا ابني كيف لا تعرفه؟!.الم تشاهده يوميا في التلفزيون؟ أجاب مسعود آه عرفته.. عرفته!!

كبر مسعود وكبر معه إدراكه لصورة الزعيم, وتعلم في المدرسة كما في مجتمعه وجوب تقدير واحترام صورة الزعيم وتقديسها!. لكنه لم يدرك على وجه التحديد سر ذلك العرف, مما دفعه للاهتمام بالأمر داخل نفسه..وذات يوم مات الزعيم فأعلن الحداد ونكست الأعلام, وجرت مراسم تنصيب الزعيم الابن وحلت على الفور صورته, فأزيلت بكل هدوء جميع صور الزعيم السابق..تساءل مسعود في نفسه: يا الهي! كيف؟! وبكل هذه البساطة تختفي صورة ذلك الزعيم, الذي لازمتنا مذ كنت طفلا!! أكاد لا اصدق عيناي! وبنية المزاح المبطن يدخل مسعود على مديره في مكتبه ويسأله: لماذا أزلتم صورة الزعيم؟! ينتفض المدير, يلتفت إلى موقع الصورة فيهدأ, ويجيب: ومن يتجرا على إزالة صورة الزعيم يا مسعود أم انك تتعامى؟! يجيب مسعود: لا والله.. يا سيادة المدير لقد قصدت صورة زعيمنا الكبير.. التي تعودنا عليها عقودا, ثم يتساءل : ما الضير في الجمع بين صورتي الزعيم الأب والابن؟! يتلعثم المدير ويقول: لقد طلبوا منا وفعلنا ما أرادوا..ثم فجأة يغير الحديث سائلا : كيف حال الوالد يا مسعود؟!

كلف مسعود مديرا في إحدى المؤسسات, وفي يوم من الأيام وقعت صورة الزعيم التي في مكتبه فتهشم زجاجها مما دعاه إلى إسنادها أرضا في انتظار إصلاحها.. سهى مسعود ونسي الصورة لبضع أيام.. وفي ذات صباح دخل عليه رجلان وسألاه : لماذا لا توجد صورة الزعيم في مكتبك؟! وضع يده على جبهته متذكرا إياها وقال :أي فكرتوني ! ينادي على السكرتير ويطلب منه إصلاح زجاج الصورة فورا. في اليوم التالي الصورة معلقة في مكانها. يدخل مسعود مكتبه, يرن جرس الهاتف: المطلوب إعطاء إشارة للفاكس, يستلم الورقة, يقرأها.. تغمره الدهشة فيندفع الدم في أسارير وجهه..انه قرار إعفائه من مهامه!. يتمالك نفسه ويبدأ في الإعداد لتقبل الوضع الجديد.. يحاول أن يبدو عاديا لكنه يحمل في نفسه غضبا مشحونا بالاستغراب فلم يجد سببا مبررا لذلك القرار..يغادر مكتبه وفي جوفه غصة بحجم المؤسسة التي كان يديرها يغادر وفي نفسه أشياء لا تقبل البوح في زمن ليس زمنها.

في ذات جمعة وخلال صعود الإمام للمنبر. ينطلق مسعود حاملا معه صورة الزعيم ويشرع في تعليقها أمام المصلين..الصمت سائد بطبيعته لكن ذهولا الم بالجميع بما فيهم الإمام.. تمتمات وأشلاء كلمات مكبوتة تتناثر هنا وهناك بين المصلين..تبدأ خطبة الجمعة فتذوب فيها شحنات الغضب المحتجز وتتلاشى تدريجيا ملامح التفكير في حدث الصورة. تنتهي الصلاة ويخرج المصلون وتبقى الصورة في مكانها. كان مسعود متأكدا أن لا احد يقدر على منعه مما فعل. كما هو متأكد أن الكثير منهم لم يروقهم تصرفه.. بل أن فيهم من يغلي حقدا وغيضا مكبوتا!! ذلك كونه ملما مشبعا بأجواء الثقافة الحاكمية التسلطية السائدة والتي تعتبر الحاكم وحاشيته ومقتنياته خطا احمرا يحظر تجاوزه! لذلك هو يتمادى في استفزاز الوسط الراكد المشبع سلبية ونفاقا ووصولية عله يحدث حراكا ولو بسيطا.

ولان دوام الحال من المحال, تتغير الأمور وتدخل الدولة عهدا جديدا فتجرى الانتخابات الرئاسية وللمرة الأولى! تعلن النتائج.. وإذا مسعود هو أول رئيس منتخب!.. بعد أدائه القسم يستذكر مسعود ارث ومثالب الماضي القريب وتقفز إلى ذهنه ذكريات صورة "الزعيم" فيقرر أن يكون أول مرسوم يحمل توقيعه هو المنشور رقم "صفر". ويتضمن ما يلي: ( يمنع منعا باتا تعليق صورة الرئيس في مكاتب الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة ويعاقب كل من يخالف ذلك).

قبل أن تنتهي مراسم التنصيب كانت صور الرئيس "مسعود" في كل مكان في الميادين والشوارع وفي أيدي الأطفال .. في اليوم التالي يفاجأ الجميع برجال الحرس البلدي وهم يزيلون صور الرئيس لكن بقية من خوف لازالت عالقة في نفوسهم وكأنهم في حلم مشدوهين غير مصدقين ..يتساءلون: هل ولى عصر تقديس صورة الزعيم؟! يهزنا شوق التغيير فنتساءل معهم : هل تتلاشى ببساطة ثقافة مهزومة تكرس الاستبداد والتسلط؟.. ثقافة تحتقر الذات وتؤله الحاكم طمعا وخوفا ؟! هل يقوى الشعب على هزيمة الذات المكسورة ويكون الزعيم زعيما تحبه الناس صدقا وإخلاصا لا خوفا أو طمعا أو ترهيبا. هل يعلق الشعب صورة الزعيم في القلوب والعقول؟! حبا صادقا لا نفاقا أو تملقا أو هاجسا من رعب مخيف كرسته ثقافة الاستبداد والقهر والجبروت..

عبيد احمد الرقيق
elragig@hotmail.com
_________________________

* يكاد لا يخلو مكان خاص أو عام من وجود صورة الزعيم , إنها الضرورة والعرف الذي يفرضه الحكام العرب تحديدا وبعض من نظرائهم . أن لم يروقك ذلك! قهرا تجد نفسك مجبورا أن تعيشه واقعا مكرسا لا انفكاك منه.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home