Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Obaid Ahmed el-Ragig
الكاتب الليبي عبيد أحمد الرقيق


عبيد أحمد الرقيق

الثلاثاء 16 فبراير 2010

قصة قصيرة

الدكتور مسعود!!

عبيد أحمد الرقيق

كان الأب في صغره مثابرا مجتهدا حريصا على النجاح المتميز في صفه.. وبرغم حلمه الكبير أن يكون طبيبا اضطرته الظروف الاجتماعية أن يترك الدراسة مبكرا.. ليكتفي فقط بالشهادة الإعدادية فهو الآن موظفا عاديا في احد المؤسسات العامة..لكنه رأى في ابنه "مسعود" أملا يمكن من خلاله تجسيد ذلك الحلم.. لقد كان ولدا مهذبا مجتهدا .. متميزا في دراسته.. الأمر الذي اوجد ثقة لدى أبيه بان يتحقق به أمل الطبيب!! لذلك كان الأب يحدث الابن عن تلك المهنة وذلك الحلم في كل حين..اكثر من ذلك صار يناديه " دكتور مسعود" !! لقد تهيأ الولد لذلك وأحب الطب تحت تأثير أبيه.. وارتسمت في ذهنه أن لا يكون إلا طبيبا في المستقبل..هاهو مسعود الآن في الصف التاسع , شهادة إتمام المرحلة الأساسية.. انه أكثر مثابرة واجتهادا واستعدادا. الامتحانات تبدأ ..انه خارج لتوه مسرورا من الامتحان الأول..لقد أجاب بامتياز..إنها الخطوة الأولى للثانوية مرحلة العبور إلى الأمل الموعود "كلية الطب". يمشي جذلانا مبتهجا يتعجل الوصول إلى البيت ليطمئن أبيه وأمه .. يعبر الشارع ..وفجأة سيارة مسرعة تصدمه ..يقع أرضا.. لقد أصيب بكسور..الحمد لله وليس أكثر!! .. يحاول أن يسيطر على الألم يدفعه الأمل..لازال يفكر كيف يمكن تكملة الامتحان..الإصابة ستضطره المكوث في المستشفى.. لن يتمكن من تكملة الامتحانات.. يحاول أبوه تخفيف الصدمة قائلا ..الحمد لله سلامتك أولا يا بني ..فلا تجزع .. والامتحانات ستكملها في الدور الثاني ولعل فيها خيرا.. لكن الولد لم يتمالك نفسه فاغرورقت عيناه بالدمع وانهمر باكيا..

تعافى مسعود إلى حد ما.. وبدأ يستعد لامتحان الدور الثاني .. وكان أبوه وكل أسرته يزودونه دائما بجرعة من الأمل والثقة.. بدأ واضحا تأثير الحادث عليه خصوصا وان الفترة بين امتحان الدور الأول والثاني كانت قصيرة.. فهو لم يمثل للشفاء التام بعد.. انه مازال متأثرا بألم الصدمة ووجع الكسور!! رغم ذلك كابد وأتم الامتحانات ثم أعلنت النتيجة ولكن تقديره العام تأثر كثيرا !! آلمه ذلك كثيرا فهو المتعود على التقديرات العالية منذ سنوات.. حاول أبوه أن يخفف من اثر ذلك على نفسيته شارحا له أن التقدير ليس مهما الآن.. ويستطرد مخاطبا إياه "المرحلة الثانوية هي التي ستكون الفيصل وسوف تتفوق فيها بإذن الله كالعادة".

ها هو مسعود حاملا استمارة النجاح للتسجيل في المدرسة الثانوية القريبة منه. يبرزها للمدير ..فيبادره بالسؤال.. أترغب أن تدرس في ثانوية العلوم الاقتصادية؟ أجاب مسعود ببراءة أريد الثانوية التي منها سأدرس الطب! يرد المدير ,,لقد تغيرت الثانويات إلى تخصصيات.. اذهب لثانوية علوم الحياة..أنها في الجهة الشمالية بجنب السوق القديم ..هل عرفتها ..مسعود ..لا لم اعرفها.. المدير.. معهد المعلمين السابق.. مسعود اه عرفتها ..مع السلامة..يدخل المبنى ويبرز استمارته للمدير يفحصها ثم يعيدها له قائلا: " يا وليدي لا نقبل تقدير جيد ..نقبل جيد جدا فما فوق !! اضطرب الولد وتلعثم وعاد مسرعا للبيت يخبر اباه.. تفاجأ الأب وتمتم قائلا .."تشنو ها لبلاد اللي كل يوم بشكل.. العام اللي فات كانوا يقبلوا جميع الناجحين.. بالك الولد ما فهمش ..سأذهب بنفسي الآن" .. يجد صديقه القديم مديرا للمدرسة..يتصافحان ثم يقدم له استمارة ابنه ..يدقق المدير في الاستمارة طويلا ويتلعثم في الرد قائلا: "والله ياعزيزي .. هذه السنة وضعوا شروط للقبول حتى في الثانويات.. رد الأب حانقا .. "شني ها لسلاطة..باهي وين نمشوا توا.. يقاطعه المدير ..يا صديقي العالم كله عنده ثانويات عامة يقبلوا فيها كل المتحصلين على الشهادة الإعدادية.. إلا نحن!! تلاميذ هذه المرحلة صغار..ولا يستطيعون تقرير رغباتهم في هذه السن" . ويستطرد قائلا.. "سامحني يا صديقي واعذرني والله ما بيدي.. لكن حرام.. أنا اعرف ابنك مسعود ممتاز في الدراسة وذكي لولا الحادث ..لكن "شوفلك حد في التعليم و قدم لهم طلب..أكيد يوافقوا مثل الكثيرين!!" والد مسعود .. "تغير شن أتقول..هالدوة والله ماخشتلي دماغ.. يا حسرة معناها ماصارش من دراسة الطب.. عليك هم ربي يحاسب اللي كان السبب.." اسمع يا صديقي والله ما عندي من اشتكي له غير الله ..عاد الأب إلى البيت وهو حائرا متحسرا.. كيف سيتعامل مع الابن وكيف يمكن إقناعه!! حدث ابنه قائلا.. "معليش.. الله غالب.. خيرها في غيرها.. معليش يا ولدي.. ربي يسخر الحال .. يرفض الابن بشدة ويزيد تعلقا بحلم كلية الطب ويخاطب أباه قائلا.. سأعيد دراسة الشهادة لأتحصل على تقدير ممتاز..فيجيبه الأب, يا ولدي ستضيع سنة كاملة.. لا يهم يا أبي.. أريد أن أحقق حلمك وحلمي وأكون طبيبا .. همهم الأب ثم ربت على كتف ابنه قائلا.. يستر الله .. سأذهب لأتأكد من الأمر فلم تعد عندي ثقة في كل شيء..

أعاد مسعود الدراسة في الصف التاسع وتحصل على تقدير ممتاز .. والآن يبدو مسرورا ويدنوا خطوات من الحلم الكبير.. انطلق إلى ثانوية علوم الحياة.. سلم استمارته وبكل اعتزاز للمدير.. هذه المرة يبدو واثقا متحديا.. ينظر المدير في الاستمارة.. ثم يتحول بنظره إلى مسعود.. ما شاء الله يا ابني تقديرك ممتاز ومجموعك العام مرتفع جدا..هنيئا لك.. أنت ولد ذكي والمستقبل أمامك.. أكمل مسعود دراسته الثانوية بامتياز .. ها هو الآن يدخل باب كلية الطب.. "ياه.. وأخيرا ها انأ في الكلية الحلم.. يتجه إلى قسم التسجيل ..يقدم أوراقه يتفحصها المسجل ينظر في استمارة الشهادة الثانوية.. وفجأة يخاطب مسعود.. يا ابني هناك شرط غير متوفر.. يهتز مسعود لكنه يتمالك نفسه.. ماذا؟ المسجل صحيح تقديرك العام ممتاز 93% ودرجاتك عالية ولكن الشرط أن يكون تقديرك ممتاز في مادة الأحياء تحديدا وهي الوحيدة التي تقديرك فيها جيد جدا (84%) . مسعود بحرقة ولوعة درجة واحدة فقط !! و ما الحل ؟ المسجل : ليس لدي حل للأسف .. لكن قدم طلب موافقة لعميد الكلية ممكن يساعدك!! يضطرب مسعود ويحس أن الدنيا تضيق لدرجة لا تسعه وينطلق في خطوات متعثرة .. بدرجة كبيرة من الإحباط يخرج ورقة ويكتب الطلب ثم يذهب إلى مكتب عميد الكلية.. انه مقفل.. يعود غدا.. يسال السكرتيرة.. أريد مقابلة العميد.. تجيبه, هو في مهمة خارج الدولة سيعود الأسبوع القادم.. يتحسر مسعود ثم يمضي عائدا . بدأ الإحباط واليأس يكبر في نفسه تدريجيا.. خاصة وان موعد التسجيل سينتهي خلال عشرة أيام..لكنه لم يفقد الأمل بعد .. في الأسبوع التالي يعود تخبره السكرتيرة بأن العميد في اجتماع غير محدد انتهائه.. ينتظر طوال الدوام ويتردد جيئة وذهابا على مكتب العميد..إنها الساعة الثانية ظهرا ولم ينفض الاجتماع!! وفجأة يفتح الباب.. يخرج العميد يرافقه مجموعة من الأفراد يحاول مسعود استيقافه.. عفوا دكتور..دكتور.. لا احد يعيره الانتباه.. يحاول اللحاق به دون جدوى!! تتناهى الى سمعه عبارة " تعالى غدوة!!".. بحسرة يهمهم مسعود في نفسه.. لم يتبق سوى يومان على نهاية التسجيل.. ليس هناك أمل!! وفي اليوم التالي يأتي مبكرا يسال عن العميد..انه لم يأت بعد!. ينتظر ثم ينتظر ..وعندما اقتربت الساعة من الحادية عشرة صباحا يسأل مسعود السكرتيرة..هل سيأتي اليوم؟ فتجيبه الله اعلم ربما يأتي وربما لا.. يا لهذا الانتظار الممل.. الساعة تقترب من الواحدة والنصف يكرر, هل سيأتي من فضلك؟ ممكن تتأكدي! تجيبه لا .. لا استطيع .. لكن ربما لا يأتي فالساعة قريب من الثانية ظهرا!! وفي الساعة الثانية ظهرا تهم السكرتيرة بالمغادرة.. لكن مسعود لا يزال ينتظر في الممر.. يقترب منها الم يأت.. تجيبه بلغة فيها تعجب.. لا.. لم يأت..إنها الساعة الثانية!! يزداد مسعود حنقا.. أوف.. أوف.. لم يتبق إلا غد.. والتسجيل سينتهي, "مافيش فائدة.. عليك هم..وحظ اغبر!!" وفي الغد.. مسعود منذ السابعة أمام المكتب.. وبعد حوالي ساعة تأتي السكرتيرة, تحدث نفسها.. "يا ناري مسعود قاعد يراجي !!".. يبادرها قائلا: إن شاء الله "غير اليوم يجيء".. إن شاء الله.. ان شاء الله ..الساعة العاشرة تقريبا يأتي العميد, يقترب مسعود من السكرتيرة..أرجوك ساعديني .. فاليوم آخر يوم في التسجيل.. تجيبه متعاطفة هذه المرة "حاضر غير استنى اشوية".. تدخل على العميد ثم تعود .. يا مسعود .. يا مسعود.. تعالى ادخل.. يحيي العميد ثم يقدم له ورقة الطلب..يقرأه العميد , ثم يخاطبه قائلا : يا ابني ليس لدي ما اعمله لك.. ويرفع ورقة قائلا: لولا هذا التعميم من أمين التعليم لساعدتك .. إنهم يشددون فيه على الالتزام بالشروط ولا استطيع المخالفة .. لكن حاول تقدم طلب لامين التعليم ربما يقدر ظروفك ويساعدك.. يخاطب مسعود نفسه.." زعمه مافيش مخالفات قبل وإلا غير علينا.. شورنا مش ليبيين!!" باستجداء وحسرة يخاطب مسعود العميد: أرجوك ساعدني أرجوك ..لقد تحطم مستقبلي..أرجوك لا يمكنني الوصول إلى الأمين..و التسجيل اليوم ينتهي.. يجيبه العميد: التسجيل ليس مشكلة يمكنك ذلك مع بداية الفصل القادم.. يكرر مسعود استجدائه لكن دون جدوى..يلتقط ورقة الطلب ويخرج متثاقل الخطى..شارد الذهن وفي لحظة يأس وإحباط شديدين يستذكر قول أمه: "قليل البخت يلقى العظم في الرئة" يرددها بصوت عال ثم يمزق كل الأوراق ويرمي بها أرضا وينطلق مسرعا.. ترى إلى أين سيذهب مسعود؟ وأي مستقبل ينتظره؟ لنفكر سويا في ذلك ونخمن..

للتواصل :
elragig@hotmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home