Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Naji al-Faitouri

Sunday, 30 April, 2006

العـصفـور والسنبلـة

بقلم : ناجى الفيتورى

وَشِــبْهُ الشَّــيءِ منْجَــذِبٌ إلَيْــهِ        وأشْــــبَهُنا بِدُنْيانـــا الطَّغـــامُ(1)

"أهل الصين من أحذق خلق الله كفـّا بنقش وصنعة، وكل عمل لا يتقدّمهم فيه أحد من سائر الأمم. والرجل منهم يصنع بيده ما يقدّر أن غيره يعجز عنه، فيقصد به باب الملك يلتمس الجزاء على لطيف ما ابتدع، فيأمر الملك بنصبه على بابه من وقته ذلك إلى سنة، فإن لم يـُخرج أحد فيه عيباً أجاز صانعه وأدخله في جملة صـُنـّاعه، وإن أخرج أحد فيه عيباً طرحه ولم يـُجزْه. وقد حدث أن رجلاً منهم صوّر سنبلة سقط عليها عصفور في ثوب حرير، لا يشك الناظر إليها أنها سـُنبلة سقط عليها عصفور فبقي الثوب مدّة ثم اجتاز به رجل أحدب فعاب العمل، فأُدخل على الملك وأُحضر صاحب العمل، فسأل الأحدب عن العيب. فقال: المتعارف عند الناس جميعاً أنه لا يقع عصفور على سنبلة إلاَّ أمالها. وقد صوّر هذا المصوّر السنبلة فنصبها قائمة لا ميل فيها، وأثبت العصفور فوقها منتصباً فأخطأ. فلم يـُثب الملك صاحب الصورة بشيء. وقصدُهم بهذا وشبهه أن يضطر من يعمل هذه الأشياء إلى شدة الاحتراز والحذر وإعـمال الفكر فيما يصنعه."(2)

هذه القصة تصلح لدروس المطالعة "القراءة" فى المرحلة الابتدائية، ولم يخطر ببالى مثلها من التراث الغربى ممهورة بجحيم دانتى أو كانديدا فولتير أو خزعبلات دافنشى، أو غيرها من الاسماء الرنانة التى توحى بالثقافة والاطلاع وتلقى آذانا صاغية من دهاقنة السياسة وأعلام الأدب الليبى المعاصرين، ممن ركبوا موجة هذه الايام، لا سيّما وهم أكرم الناس علينا بأفكارهم المستوردة المغلفة بالتنوير والتطوير والتنظير، لكل شئ وفى أى شئ، وقد يشفع لى عندهم أنها مستوردة ايضا ولكن من أمة أقل تحضرا من العالم المتحضر، ولا يضيرها أنها من التاريخ، الذى لا يختارون منه إلا ما يروقهم ويخدم مصالحهم وأهواءهم، ولا يلتفتون لمن ينتقدهم أو يستغرب خلطهم وتخبطهم وتقلبهم آناء الليل وأطراف النهار بغير بصيرة، ولا اكتراث لما يأفكون فى حق وطنهم وأمتهم.

وهذا الأحدب "قليل الربايح" لم يمنعه حدبه من إعلان رأيه، والذى حرم ذلك الصانع من الاستفادة بنتاج مهارته، وتناسى الناس الصانع وما صنع وبقى ذكر الأحدب عبر العصور نذيرا لكل ماهر لا يحترس من سوط النقد المتسلط على المبدعين، أما أهل الخمول فلا ذكر لهم، "لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء"، هذا إذا سلمنا بأن من لا يعمل لا يخطئ، ولكن الإعتراف بالخطأ هو بيت القصيد، فعندما يصرّ مخلوق ما على صواب خطأه، ويمضى غير هياب فى طريقه الذى إختاره، يصبح الحوار معه أو محاولة ردعه عبث كعبثه، وتبرز الحاجة ـ لدى أهل الجهل ـ إلى ملك أو دكتاتور "عادل" أو مفكر وحيد يوقفه عند حده، بوسائل أبعد ما تكون عن الثقافة والمثقفين، ويعيدنا إلى حيث بدأت المأساة.

فوائـد الفـشل

"كان اديسون يقوم بأبحاثه وتجاربه الخاصة بأحد اختراعاته، فلاحظ معاونون في المعمل أنه أجرى أكثر من مائة تجربة انتهت كلها بالفشل، ومع ذلك يصر على الاستمرار، وسألوه: "ما فائدة هذه المحاولات؟" فقال: "فائدتها أننا عرفنا أكثر من مائة طريقة.. لا تؤدي الى الغرض المنشود"، ومن هذه "الخرّافة" نفهم أن اديسون لم يتوقف عن البحث والتجربة لانه فشل فى سابقتها، ولا يتوقع عاقل أنه يكرر تجاربه الفاشلة بل يبحث عن بدايل يعنى "بالمفشرى : اللى يجرب المجرب عقله مخرب"، فتكرار الوسائل عديمة الفائدة لا ينم عن فهم لطبيعة الكارثة التى تعيشها بلادنا، كما أن المحاباة "التطبطيب على الكتف" فى القضايا المصيرية و"المجاملات" ضرب من الانتحار الجماعى ـ وضياع للوقت والجهد، وتمييع للقضايا بغير طائل، والأولى بنا أن نترك فرصة لغيرنا إن لم ننجح نحن فى تحقيق أهدافنا بوسائلنا، بدلا من إختراع بدايل لا علاقة لها ببداياتنا،ولن توصلنا إلى أهدافنا بل على العكس، تفضح ضعفنا وتشتتنا وبالخط العريض، ونصبح عثرة فى طريق من لديهم بقية من أمل وجهد لفعل شئ ما.

ناجى الفيتورى
________________________________________________

(1) المتنبى.
(2) .من كتاب مروج الذهب للمسعودي (صخر)


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home