Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Naji al-Faitouri

Sunday, 25 February, 2007

الشيـخ والقصعـة

ناجي الفيتوري

كان أحد التجار يحتفظ بالقصعة التى جاء بها من زليطن ، بحثا عن الرزق فى رباية الذايح.. حين كانت بنغازى قبلة للطامحين من الليبيين .. صارمن التجارالميسورين .. لكنه لم يتغول ولم يتكبر ولم ينس قصعته التى جاء بها من مسقط رأسه بلاد الصلاح" زليطن"، وليتذكر دائما رأس ماله الذى بدا به، لم يتخيل أن يوصف يوما بالبرجوازية وتصبح التجارة سرقة فى عصر الجماهير، ويفقد الحاج بين يوم وليلة مابناه بكده وإجتهاده ، يتذكرالواحد منهم جيدا كيف بدأ وما عاناه - فى بداياته - من غربة عاشها فى بلاده ، تمثلت فى ترحيل وإبعاد "الغرابة" ، بعد تحديد هويتك ..لهجتك .. بإختبار شفوى تنطق فيه بكلمتى "حلقة وشبكة" فإن نطقتها بلغة أهل الغرب ترحل وأن أستطعت النطق بها بلهجة أهل المدينة أو البدو من سكان ولاية برقة فأنت من أهلها ، سلوك غريب لم يفهمه الناس ولم ينسوه ولكنهم تناسوه واصرواعلى البقاء رغم هذا الفهم الناقص المتخلف الذى ورثه البعض عن زمن الولايات الثلاث ونفث الطليان فى عقده.. وكان القوس رمزا له على الرغم من أنه معلم أثرى هُدم جهلا ولاعلاقة له بالموضوع ، وربما تندروا أوتذكروا بمرارة تلك الأيام ولكن نفوسهم لم تعرف الحقد، فهى سنة الحياة يوم لك ويوم عليك.

ويبقى للمتخلفين دائما ما يفاخرون به أو يعيرون به غيرهم.."غرباوى مقطش الأوذان" و"وما يجى من الغرب مايفرح قلب" فسرها البعض بتوالى الأخبار السيئة أثناء المعارك مع الطليان .. وعممها بعض المشاكسين على كل من يأتى من غرب البلاد .. فى وقت أصبح الغرباوى متطفلا على أهل الشرق :

ما عاد فى برقة ولا سعداوى      خذت كرارسى ام الجبين الضاوى

كانت النظرة للغرباوى كنظرة البعض للصاد شين بعد ذلك..أو العائدين من المهجر.. وهم يعلمون أن العائدين هم من الليبيين الذى فروا من بطش الفاشيست.. والصاد شين هم أبناء الصحراء الشرقية ، أولاد على .. قبائل ليبية أضطرت للهجرة بعد تجريدة حبيب الذى أستعان بالغرابة عليهم ثأرا لأبيه.. وملكهم فى درنة وضواحيها حسب الإتفاقية.. والأدهى والأمر أن هؤلاء يعيرون بعضهم فيما بينهم بذلك.. فالغرباوى القديم يسخر من الوافد الجديد.. ويفاخر بعراقته التى تبلغ الجد الثانى والثالث أو الثالث عشر.. والعائد يعير الصاد شين وهو لم يتخلص بعد من لهجته المصرية.. نكتة : "العمارة كلها صاد شين إلا أنا وعمتى" .. ينطقها باللهجة المصرية.

وللشعر فيهم نصيب :
صاحب بطاقة مجوز      من المطروح يجيك يهز
كان كمل بير البترول      يرد على غيطان الرز

ولعيال البلاد نصيبهم من ذلك .. فهم ينظرون لغيرهم بإستعلاء.. يفرقون بين أبناء سوق الحشيش ..حارة اليهود .. توريلى ومن يسكن الصابرى وزرايب العبيد.. وكلما إبتعدت عن مركز المدينة كانت المصيبة أعظم .. كأن تكون من سكان المحيشى والسايرتى أما ما جاوره فهو شبنة أو حى الدولار!.. السخرية بالبدوي الوافد من البر.."صكصك ..نحلة.. ومن العسكرى " خوذى عسكرى نين تلقى راجل" لكثرة غيابه عن البيت فى حالة الطوارى ..أو كندارى طاقيته سفنزة .. كندارى كندرته كيلو.." والمصرى الذى لا شك فى مصريته يعير بأنه فوال وتدوى النكتة المشهورة :
سأل مصرى أخونا الليبى عن مكونات البازين .. فأجاب الليبى بأنه يصنع من دقيق الشعير.
إستغرب المصرى : أمال البهايم بتاكل ايه! ..
فاجاب الليبى بتاكل فول.

تدور الدوائر ويصبح مركز المدينة الظالم بعض أهلها .. مرتعا للأفارقة والأجانب من كل جنس ولون .. يتفرق أبناؤها فى الأصقاع وينتقلون .. قضهم بقضيضهم .. لأحياء بعيدة عنها .. وتغرب الكثيرون منهم فى بلاد أبعد عن بلادهم لينظر إليهم الأروبيون على أنهم متطفلون.. قادمون من مجتمعات متخلفة.. وترى ولد البلاد أو ولد المدينة - طرابلسى حر - واقفا فى طابورطويل من اللاجئين .. خليط من كل جنس ولون.. .. كلهم على باب الله.. وسعيد الحظ من السابقين فى الخيرات من خرج فى بعثة دراسية ولسبب أو لآخر آثر البقاء خارج جماهيرية الفقر.. أو من تزوج من أجنبية.. وكفى الله الليبيين شر اللجوء.

فهل نستغرب أن تنهار بلاد هذه ثقافة أهلها ومعاييرهم فى الحكم على الناس ونظرتهم للحياة.. وهل ستتوحد كلمة "الأمة الليبية" ونحن نصر على التمسك بهذه المعايير ومنّا من يعيش فى دول متحضرة تسعى إلى ترسيخ فكرة المجتمع المتعدد الثقافات وتنادى بحقوق الإنسان ويكفل القانون للجميع حقوقهم .. برجال قانون لايفرقون بين الناس.. لأصولهم .. لكونهم أعرابا أو لمهنتهم لكونهم رعاة.. أو لأنهم متخلفون من البدو.. لا فرق فيها بين الأمير والصغير.. الوزير والغفير.. من يحمل الدكتوراة ومن يحمل شوال الشعير.. فكل يؤدى رسالته فى الحياة حسب إمكانياته ولا يعير المرء فيها بعدم تمنكه من مواصلة تعليمه كما فى أمة العقاد - صاحب الإبتدائية- والقائل :
أنا حاطم الأصنام والقبب      ألحقت منها الرأس بالذنب
فى أمة القاب اسبقهم            سعيا بلا نعت ولا لقب

فما الذى إستفادته ليبيا من حملة الدكتوراة الذين يسبحون بحمد القذافى أنآ الليل وأطراف النهار، ولا يبالون بمعاناة شعبهم وخراب بلادهم .. وهل بنى أوروبا بعد خراب الحرب العالمية الا العمال المغاربة والأتراك وهم لا يحسنون حتى لغة البلاد التى هاجروا إليها.. نحن فى حاجة الى العمل فى صمت بعد أن احترقت الشعارات وإكتوينا بنارها.. العمل بإصرار وعزيمة ذلك الشيخ الذى تخيله همنغوى فى روايته الشيخ والبحر.. وختمها بهيكل عظمى لحوت ضخم يرمز به الى مايريد ... وصبى يعينه بما يستطيع ولا يتوقف عن البكاء.. سيستلم الراية ويواصل المسيرة وسينتصر يوما ما .

ناجى الفيتورى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home