Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Naji al-Faitouri

Monday, 19 June, 2006

البصّاصة

بقلم : ناجى الفيتورى

يستعمل الليبيون هذا المصطلح على كل من يعمل فى أجهزة الأمن حتى صار كريها ، ونسى الناس أصله العربى ، ومنه فى لسان العرب لإبن منظور :

بَصَّ الشيء يَبِص بَصيصًا بَرَقَ ولَمَعَ...
بَصَّص الْجرْوُ فتح عينيهِ، والأرض ظهر منها أولُ ما يظهر.
البَصَّاصُ الذي يتجسس الأمور والجمع بَصَّاصُون وبَصَّاصَة.
البَصَّاصَة العين لأنها تَبُصُّ....

وحرص الآباء دائما ، على تربية أبنائهم على النفور من هذا السلوك الكريه ، ولكن البعض لا يعدم مبررا للوقوع فى المحظور ، ويتخلق بهذا الخلق الكريه "غصبا على اللى يحب وعلى اللى يكره" ويتناسوا مختارين ما تربوا عليه أيام طفولتهم : "البصاص يقصوا راسه بالمهراس" وعالم الطفولة لا يعبأ بفلسفة التبرير والتفسير حيث لن نجد تفسيرا للقص بالمهراس إلا الوزن ـ فالمهراس للهرس لا للقص ـ ولكنه اللعب ومحاولة المحاكاة وإكتشاف عالم الكبار فيما يقولون ، والمهم هنا هو أن البصاصة خلق ذميم يستحق التوبيخ والعقوبة.

ويصعب تحديد بداية شيوع هذا اللفظ ، وسبب شيوعه فى بعض مناطق ليبيا دون غيرها ، وقد أستعمل فى مصر أيضا أيام المماليك بهذا المعنى ، ويستعمل اليوم بمعنى النظر "بص شوف فلان بيعمل إيه .. بص قدامك " ونحوه.

وقد عانى الليبيون كثيرا من البصاصين ، فى مختلف مراحل تاريخهم ، مرورا بالعهد التركى المعروف بالرشاوى وسلب الممتلكات ، والإهتمام بجمع الثروات ، وعدم الإهتمام بمصير البلاد والعباد. ولم يجد الليبيون ـ كعادتهم ـ القدرة أو الرغبة فى المقاومة ، و صبروا عليهم ، بدعوى طاعة ولى الأمر و عدم الخروج على دولة الخلافة ، على تخلفها وظلمها ، مما جعلهم لقمة غير سائغة للمستعمر الإيطالى ، فقاوموه بما إستطاعوا ، وخرج فيهم من يفلسف الخيانة ويتعامل مع المستعمر ، فكان نصيبه كسابقه "بصاص ، مطلين" ودخل التاريخ كسلفه من أقذر أبوابه.

وصار لفظ بصاص أدق من لفظ جاسوس فى الدلالة على المعنى ، لما يفهم من أن الجاسوس من يدس فى صفوف العدو لمعرفة نوايا القادة ومخططاتهم ، وهو عمل وطنى وفروسية وواجب على من يتقنه وفيه مخاطرة بالنفس وتضحية ، ولا أعرف أمة لعنت جواسيسها لدى الأعداء بل تبذل الدول ما فى وسعها لتكريمهم أو أنقاذهم إذا ما تعرضوا للخطر، كذلك تبذل الشركات الكبرى ما فى وسعها لنشر جواسيس الصناعة والتقنية وغيرها ولا يعتبرونه خيانة بل مهارة ومنافسة.

أما حكام العرب المعاصرون فقد برعوا فى إستغلال هذه المواهب فى قمع شعوبهم ، وبذلوا الأموال الطائلة فى التدريب والتطوير ، حتى صار عندهم فى كل حى شبكة مخبرين ، لا هم لهم إلا تصيد من يتوهمون أنه خطر على عروشهم ومكاسبهم ، وهم وجواسيسهم أجبن ما يكونون عند المواجهة مع العدو ، أى عدو ، لأنهم يقضون أعمارهم فى النهب وخدمة من فوقهم من الطغاة ويسرفون فى قمع بنى جلدتهم ليصدق فيهم "أسد على وفى الحروب دجاجة" مع الفارق طبعا بينهم (حكام العرب وبصّاصيهم وغزالة والحجاج والشاعرالخارجى) القائل :

أسد علي وفي الحروب نعامة           فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى       أم كان قلبك في جناحي طائر
قرعت غزالة قلبه بفوارس              تركت مناظره كأمس العابر

فيا معشر البصاصين ، أرجعوا إلى جادة الصواب ، فشتان بين ضابط فى الجيش أو الشرطة يخدم شعبه ووطنه ، ومن يعيش فى خزى ويموت ملعونا من أبناء شعبه ، ويصبح مثل سؤ لكل الأجيال ، ولا تتوهموا أن أبناءكم لن يعانوا مما اقترفتم ، فالناس يفاخرون بآبائهم ، ولا فخر فيما تعملون بل عار لمن يخلفكم ، هذا إن لم يصبحوا مثلكم ، كما يقول المثل "فرخ البط عوام".

ناجى الفيتورى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home