Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Naji al-Faitouri

الأثنين 8 سبتمبر 2008

انتحار في رمضان *

ناجي الفيتوري

لا وجود لما يسمى بـ "ثورة الفاتح" إلا في خيال بعض الواهمين أو المغرر بهم أو المأجورين بوظيفة عامة أو رتبة عسكرية أو منحة أو نحوه ، لم تحدث ثورة في ليبيا ،ما حدث هو انقلاب عسكري على يد مجموعة من الضباط ، لم يكن لهم نصيب ولو ضئيل من الوعي السياسي ، أو المعرفة بما يدور حولهم ، إن هو إلا حماس الشباب للتغيير ، متأثرين ببعض ما قرأوه هنا أو هناك أو سمعوه عبر راديو صوت العرب ،ونحن نعرف اليوم من كان وراء صوت العرب ،كما نعرف من هو عراب انقلاب سبتمبر1969 فلنترك لجيل اليوم فرصة الإطلاع على ما جاء في الوثائق الأمريكية والبريطانية والاستماع لشاهدات من عاشوا تلك الفترة وليحكموا بأنفسهم ثم يقارنوا ما حدث بما سمعوا عنه من ثورات ..الثورة الفرنسية والثورة البلشفية وثورة ماو في الصين ..حتى ثورته الثقافية ، على ما في هذه الثورات من دماء وقمع وتنكيل ، وبأعتى الدكتاتوريات ، هتلروموسيلينى وفرانكوا وتيتوا وتشاوشيسكو و كاسترواوبينوشيت ،وغيرهم .

لا أقول هذا لأرفع من شأن الانقلابيين أو أضخم العمل الوضيع الذي قاموا به ..بل لأنهم يصرّون هم وأتباعهم على أسم العظمى ،ويرددون في كل مرة ثورة الفاتح المجيدة والفاتح العظيم ، مع أنه لا جيش ليبيا ولا شعبها يوحى بتلك العظمة التي يثرثرون عنها ، ولنتعلم من صور أوضح في مجتمعات اكبر وأطول باعا في تاريخ الثورات والتغيير الاجتماعي ،لاسيما وقد انبهرنا بألاعيب عبد الناصر وأكاذيبه وصدقنا كذبة انقلاب يوليو وحذونا حذوها ، ليتحول حماس الشباب إلى رغبة في التسلط وتجاهل تاريخ الآباء والتنكر لرجال الإستقلال وفرض الأفكار والمواقف، مع افتراض حسن النية لدى بعضهم ورغبتهم في تغيير الوضع ..وهو ما لم يأت من فراغ ..فالتذمر كان موجودا في عقل رجل الشارع الليبي آنذاك وعلى لسانه ، في صحفه ومجلاته ،أسبابه معروفة ..نهم الشركات البترولية ..ووجود القواعد الأجنبية ..فساد بعض رجال العهد الملكي ..وهلعهم ..الوساطة والمحسوبية ، والناس ترى وتسمع وتتكلم وتكتب .. فلم تعرف ليبيا في ذلك الوقت القمع والتنكيل والتصفيات الجسدية لكل صوت حر، بل على العكس .. لقد كان كل شخص معروفا في مكانه ،أصله وفصله ..تاريخه أيام الطليان و البزنز اللي يدير فيه والعمولات والنهب والسلب ..و الجعب كذلك ، وبقدر لا تنفع معه محاولات بن حليم التبريرية البائسة اليوم ولا مذكرات الصيد و لا غيره في تغطيته أو تبريره ..فعقل الليبيين الجمعي يعرف من هم ..كما يعرف غيرهم ..ويدرك ما حدث ..فنحن لسنا في حاجة لتصحيح الماضي ، بل لدراسته كما هو..لنعرف الأسباب التي أوصلنا إلى هذه الحالة الكارثية بكل المعايير ..فكثرة المديح والتطبيل للعهد الملكي ككثرة السلام ..تقل المعرفة ، لا تفيد ..كما لا يعنى هذا أننا نقارنه بما يحدث الآن من مآسي ..بل يجب أن نعرفه كما هو.

شاهِدنا هو الحماس الذي قابل به الناس الانقلابيين في بدايتهم ثم ندموا بعد ذلك - يبوا ياكلوا الجيفة - على غفلتهم وسذاجتهم وتصديقهم لترهات الانقلابيين ..فليس الفساد وحده هو ما يكفل التغيير وإلا لكان القذافي وعصابته أول من فر أمام الجموع الغاضبة والطامحة للتغيير اليوم ..بل ربما منذ أن بدأ الإنقلابيون بتقاسم الغنائم ..حيث دفع لكل منهم مبلغ ستة وثلاثين ألف جنيه بعد الانقلاب مباشرة .. ثم تقاسموا الوزارات فيما بعد والمناصب الحساسة ..هذا ما كان يردده رجل الشارع في ذلك الوقت ..ثم اختصم السراق فيما بينهم ومن لم يرض بالقسمة كان نصيبه الموت كما حدث مع المقريف والحراتي وغيرهما أو السجن ثم الموت كالحواز واحمد موسى ، ثم تلاهم عمر المحيشي وعبد المنعم الهوني ومن تبعهم ، ووضع على الرف كل من بشير هوادي وعوض حمزة ، ونجا بأعجوبة كل من محمد نجم ومختار القروي ..بقى في الساحة " القياد السياسية "لليبيا ..متمثلة في المفكر الوحيد والعميان ..عبد السلام جلود إلى حين وضع على الرف هو الآخر، ومصطفى الخروبي.. بصاص الثورة .. و الذي شهد الناس بدوره في تعذيب السجناء بيديه وبالإبر في المستشفى ..وبوشايته بالمحيشي وبوليفة ورفاقهم ، وبوبكر يونس ,, اللي لا يحل لا يربط ..أو هكذا يشاع عنه ..يعنى حنك فوقانى ..ويبدوا أنه سعيد بهذه الدعاية ..لأنها ستعفيه من المسئولية ..كما يظن ، وأخيرا الخويلدي الذي لا يجيد إلا حمل رسائل القائد واستقبال زواره بين الحين والآخر وقضاء باقي أوقاته بين المزارع لعد الإبل والخيل والبغال والحمير والدجاج .. يعنى ببساطة خلت الساحة للمفكر الوحيد وأبناءه ..أما رجال الصف الثاني ..فهم خدم يفعلون ما يؤمرون ..من أمثال مسعود عبد الحفيظ وعبد الفتاح يونس الذي حرم من عضوية المجلس لأنه تأخر ليلة الانقلاب ..لأعتراض والده على خروجه كما روى رفاقه ..في جلسة العيد العاشر ..أما عبد الكبير فلا هو في العير ولا في النفير ..آسف ..هو في نفير من نوع آخر .

في يوم بدا عاديا جدا يستعد الجنود فيه لمغادرة معسكر الجلاء بطبرق لقضاء عطلة نهاية الأسبوع ، و على غير العادة جمع رئيس عرفاء سليم الجنود في فترة الضحى ليختار منهم عشرة من الحرس ، وكان الاختيار على أساس الانتماء القبلي والعائلي ..كان السؤال : منين أنت ؟ فيجيب العسكري باسم قبيلته ، فإن كان من أصول بعيدة عن طبرق يتم اختياره للمهمة التي لا يعرف احد ماهيتها .. ، يتقدمهم النقيب حسين العوامي - الملقب بالصاروخ لطول قامته - و مسلحين ببنادق كلاشنكوف ومخزني ذخيرة ،وفتوى من عبد الفتاح يونس قائد منطقة طبرق العسكرية ..بجواز الإفطار في رمضان لأنهم على سفر! ..توجهوا إلى طائرة هيلكوبتر قريبة من المكان ..ليجدوا بداخلها المقدم عبد الفتاح يونس والمقدم عبد الكبير الشريف في انتظارهم..لم يلتفت احد منهم لفتوى الآمر واستمروا في صيامهم ،عرفوا أن مهمتهم مؤقتة ..حرس خاص بالبطلين فيما لو تعرضوا لهجوم مباغت .

كان عبد الكبير الشريف بملابس كاكي خفيفة أنيقة يرتدى ساعته في يمينه ..لا يدل مظهره على أنه يستعد لمعركة ، وعبد الفتاح يونس المضيف .. باعتباره آمر منطقة طبرق العسكرية ..يبدوان كصديقين ..راسين في شيشة ..وقد استقلا طائرة الهليكوبتر ..لإتمام عملية القبض على النقيب إدريس الشهيبي أو بالأحرى التأكد من موته - حيث كان مطاردا في الليلة السابقة وتم تحديد موقعه - في وادي الشعبة .. ..وبعد وصلوها ونزولهم سمعوا صليات متتالية من بعيد ..ارتبك النقيب حسين ..اضطربت أوامره للحرس ..تعالوا هنا ..لا من هنا ..حالته تدل على انه خرج في مهمة لا يدري ما الذي يفعله فيها سوى مرافقة جنوده ..ثم رأى الجميع شخصا يلوح بمنشفة من بعيد..ليس في الأمر ما يخيف هي مجرد طلقات تنبيه ..اتجه الجميع نحوه ..كان الملازم أول عبد الله السنيني ..ومن معه قد سبقوا الجميع إلى المكان في الليلة السابقة ، لقد عثروا علي الشهيبي منتحرا تحت سدرة - أو هكذا قالوا - سيارة مازدا بك آب - قلع زرقاء - قيل أنها السيارة التي استولى عليها من أحد الرعاة على بعد عدة أمتار من المكان ..الزجاج الخلفي للسيارة محطم بالرصاص ..مما يرجح إصابته أثناء المطاردة ..مجموعة من الجنود قادمة من بعيد تقود جنديا مقيدا قيل أنه السائق ..بعضهم يشتمه وآخر يضربه بأخمص البندقية ..والرجل في حالة يرثى لها وقد وقع بين هؤلاء الهمج ..لست في حاجة إلى القول بأن لا احد أمرهم بهذا إن هو إلا الجهل وغيظ لا يعرف له سبب ..فالجندي ليبي وقد حاول الهروب مع الشهيبي ..موقف قد يتعرض له أي شخص ..فما الذي دفع الجنود لهذا السلوك لا أحد يعلم ..يتقدم عبد الفتاح يونس نحو الجثة قائلا : هذا جزاء الخيانة .. إدريس هذا كان عايش ملك في طبرق !. الجثة مغطاة ببطانية عسكرية ، ..لقد نجح الملازم عبد الله السنيني في جمع الجنود حول جثة الشهيبي وتوالى حضور بقية الكتيبة أو الكتائب التي كانت منتشرة في الصحراء طوال الليل تبحث عن الشهيبي وسائقه وكلهم يخشاه على نفسه ويهمس في إذن رفيقه رد بالك .. رآه الشهيبي خطير.. ضربة ضربة ..هل فعلا كان الشهيبي فارسا أو قنّاصا أم أن الأمر أشيع عنه ليأخذ الجنود حذرهم .وبعيدا عن هذا كان المقدم سالم الفيتوري ضابطا للعمليات في المعسكر وملازم أول فرج سميع مساعد الآمر.

كان النقيب إدريس الشهيبى آمرا لكتيبة أمن طبرق ..مسئولا عن أمن القذافي الشخصي في طبرق والوحيد الذي يدخل عليه بالسلاح..أو هكذا أشيع في تلك الفترة ..يحسب له الجميع ألف حساب ..تسرب خبر نيته اغتيال القذافي في أحدى زياراته لطبرق إلى رشوان الشهيبي أحد أبناء عمومته فوشى به....افتضح أمره ..عند حضوره لمقر الكتيبة أكتشف حركة غير عادية ..تدل على أنهم حضروا للقبض عليه..خرج لتوه مع سائقه محاولا الهرب ..وبعد نفاذ الوقود اضطر للاستيلاء على سيارة احد الرعاة ..قام الراعي بالإبلاغ عنه وتمت ملاحقته ..قيل أنه كان ينوى الهروب إلى مصر ..وهو أمر لا يخلوا من المخاطرة ..فهو المسئول عن التفجيرات في مصر التي نفذها أيام السادات تنفيذا لأوامر سيده القذافى .. يعنى يا هارب من الغولة يا طايح في سلال القلوب .

انتهت المهمة بالاستيلاء على ممتلكات الشهيبي والأسلحة والذخائر التي كانت بمقر الكتيبة ..وأحضرت لمعسكر الجلاء..قبض على من كان معه أو يشتبه في أنه كان معه من الضباط وأبناء عمومته ..ووضعوا مقيدين في حاوية تستعمل لنقل البضائع "كونتينر"..حتى نقلوا إلى الجحيم في طرابلس ، وكان من بين الممتلكات ما يدل على أنه كان عايش ملك فعلا ..سيارتان بى ام دبليو من النوع الكبير .. فخمة جدا ..وسيارة رنج روفر بيضاء بست عجلات قيل أنها الوحيدة من نوعها في ليبيا في ذلك الوقت وسيارة رنج روفر خضراء تبدو عادية ..السيارات جديدة بعضها لا يحمل لوحات - لم تستعمل بعد ..الأسلحة كان خفيفة بنادق كلاشنكوف وغدارات امبريتا ونحوها والذخائر في صناديق كبيرة مفتوحة ..لا يمكن إحصائها ..تغرى بأخذ نصيبك منها بدون رقيب أو حسيب ..إلا أن يكون خوفك أن تتهم بأنك ضالع في "المؤامرة" وتمشى في الرجلين ..يعنى أبعد عن الشر والأشرار ويقول يا الله السلامة.

ناجى الفيتورى
________________________

(*) 1 رمضان 1401هـ = 3 يوليو 1981م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home