Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Nasr Said Agoub
الكاتب الليبي نصر سعيد عقوب

الأربعاء 20 أغسطس 2008

أمـل يعـتـصر ألماً

نصر سعيد عقوب

لقد كانت الحرية (1) ولا زالت نشيداً يتغنى به كل الأدباء والشعراء، وضالة ينشدها كل الأغنياء والفقراء ، وشعاراً دعائياً ينادي به كل الساسة المحترمين والحقراء، ثم أضحى بها الناس في هرج ومرج ، وغدو يتصارعون بالكلمات واللكمات، ويا ليت شعري أن جرم الناس لم يتجاوز الكلمات واللكمات ، ولكن الحال تجاوزاهما لما هو أعظم خطرا ، وأشد ضررا ، فكم من مفكر باسم الحرية كفروه ، ومن أديب أخرسوه ، ومن آمن أرهبوه ، ومن حر استعبدوه ، ومن مناضل قيدوه ، ومن عزيز أذلوه ، ومن شريف أهانوه ، ومن مخالفا سجنوه أو قتلوه ، كل ذلك لأجل الحرية المنشودة ، وللدفاع عنها من كيد المخالفين والعداء.

لقد كان مجتمعنا العربي يعشق الحرية بفطرته السوية ، يحي من أجلها ويموت في سبيلها ، ويرفض أن يعيش ذليلاً أو مهانا ، لأنه يأبى حياة الذل والضيم والصغار، كما يأبى أن يمس في شرفه أو عرضه ولو بذل لأجلها حياته ، ولا عجب في ذلك لأنه مجتمع حر نشأ على قيم العز والحرية ويأنف الذل والعبودية.

ويذكر أن عمرو بن هند ملك الحيرة جلس لندمائه وسألهم : هل تعلمون أحدًا من العرب تأنف أمه خدمة أمي؟ قالوا : نعم ، أم عمرو بن كلثوم الشاعر الصعلوك(2) ، فدعا الملك عمرو بن كلثوم لزيارته ، ودعا أمه لتزور أمه ، وقد اتفق الملك مع أمه أن تقول لأم عمرو بن كلثوم بعد الطعام: ناوليني الطبق الذي بجانبك ، فلما جاءت قالت لها ذلك ، فقالت : لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها ، فأعادت عليها الكرة وألحت ، فصاحت ليلى أم عمرو بن كلثوم(3): وا ذلاه يا لتغلب .. فسمعها ابنها فاشتد به الغضب فرأى سيفا للملك معلقا بالرواق فتناوله وضرب به رأس الملك عمرو بن هند ، ونادى في بني تغلب، وانتهب رحل الملك وخزائنه وانصرف بالتغالبة إلى بادية الشام، ولم يصب أحد من أصحابه.

ونظم قصيدة يخاطب بها الملك قائلا:

بأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لقيلكم فيها قطينا
بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهددنا وتوعدنا رويدًا ... متى كنا لأمك مقتوينا
إذا ما الملك سام الناس خسفًا ... أبينا أن نقر الذل فينا

ويوم أن جاء الإسلام أطلق الحريات من قيودها وفك عنها أغلالها، وكان ثورة على عبودية البشر للبشر، حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام دينا ، فأطلق أرواحهم بعد أن كانت أسيرة للذل والمهانة والاستعباد ، ويحكي لنا التاريخ أن قبطيا من أهل مصر ضربه ابن عمرو بن العاص – ابن فاتح مصر وحاكمها المسلم – بسوط على ظهره فغضب الأب لسوط واحد أصاب ابنه - وكان بالأمس يصبر على السياط منذ سنين قلائل في عهد الرومان ولعل آثارها ما تزال على ظهره – فسافر الأب شهراً على ظهر ناقة ، ليشكو إلى الخليفة عمر بن الخطاب هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! فأنصفه الخليفة الراشد ، وممن !! من ابن فاتح مصر.

وتوالت الأيام والأعوام وكان للطغاة المستعبدين كلمتهم ، ضحكوا على شعوبهم ، وسخروا من أمتهم ، ومرغوا كرامة أوطانهم ، ورسخوا مفارقة مغلوطة ، مفارقة أنفتها كل الفطر السليمة، والنفوس الكريمة مفارقة أعيَت عقول العقلاء وحكمة الحكماء، مفارقة جعلت الرق حرية ، والحرية عبودية ، بل قد جعلت عبودية البشر للبشر مطلبا ، يبذل لتحقيقها أو إدراكها كل عزيز من المعاني، وكل نفيس من المباني ، مفارقة أسمعت الأصم ، وأنطقت الأبكم ، ولكنها وللأسف الشديد لم توقظ شعوبنا النائمة أو تثير أمتنا الهامدة ، أو تزيل عن أوطاننا ركام الظلم والذل والهوان.

وإنني لأعجب كيف يتهافت بعض بني جلدتنا على الرق والاستعباد طائعين مختارين، طمعا لنيل رضى أسيادهم من بني البشر ، وخوفا من فوات أو زوال مصالحهم الدنيوية، والأعجب أن هؤلاء العبيد بائعي الذمم لا يستشعرون أيما معنىً للحرية والكرامة ، وأنى لهم ذلك، لأن الحرية تخيفهم والكرامة تثقل كواهلهم ، ولأن أغلال العبودية قد طوقت أعناقهم وسلاسلها قد قيدت أقدامهم.

نصر سعيد عقوب
nasraqoub@googlemail.com
________________________________________________

1. اختلف الباحثون في تحديد ماهية الحرية ، فقال أحدهم إن الحرية (هي القدرة والطاقة اللتان يوظفاهما الإنسان لأجل القيام بعمل ، معين أو تركه‏) وقال ثان ( إن الحرية عبارة عن قدرة الإنسان على السعي وراء مصلحته التي يراها، بحسب منظوره ، شريطة أن لا تكون مفضية إلى إضرار الآخرين‏) وقال ثالث إن (الحرية عبارة عن استقلال الإنسان عن أي شي‏ء إلا عن القانون الأخلاقي) وقال غيرهم إن الحرية عبارة عن ( التفلت والتحرر من عبودية وإطاعة غير اللّه تعالى‏).
2. عمرو بن كلثوم هو شاعر جاهلي مشهور كان من أعز الناس نفساً، ساد قومه تغلب وهو فتى.
3. وأمُّ عمرو هي ليلى بنت المهلهل أخي كليب، اشتهرت بالأنفة وعظم النفس.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home