Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Nasr Said Agoub
الكاتب الليبي نصر سعيد عقوب

الأحد 13 سبتمبر 2009

قراءة في فكر الشيخين الصلابي و بلحاج "المراجعات الليبية"

نصر سعيد عـقوب

أراد الشيخ الفاضل علي بلحاج من خلال مقاله مراجعات الإسلاميين في ليبيا ترسيخ نقاط عدة أهمها: أن لا شرعية لهذه المراجعات الفقهية ولا جدوى من ورائها لأنها جرت بالسجن ، وأن المعتقلين كتبوها إكراها لكي يطلق سراحهم، وأن الهدف من المراجعات ضرب المعارضة الجادة في ليبيا خاصة وفي العالم العربي بشكل عام ولترسيخ الاستبداد والطغيان ، وأنه يشكك في صحة نسبة المراجعات لقيادة المقاتلة لاحتمالية كونها املاءات من جهات أمنية ، وقد طالب بإجراء المراجعات تحت ضوء النهار لا في ظلا م السجون ، كما طالب الأنظمة بمراجعة نفسها في مجال الحريات العامة وسياساتها الأمنية ، وأن البديل عن هذه المراجعات 'الإكراه' هو إطلاق سراح هؤلاء المعتقلين وترك المجال أمامهم ليراجعوا أنفسهم بأنفسهم.

وبين دواعي أحكامه  قائلا: فهؤلاء الذين قاموا بعملية المراجعة داخل السجون لا نعرف الظروف  التي يعيشونها، وهم يعيشون عادة تحت عدة ضغوط نفسية وأمنية وأسرية ، وذلك بناء على معرفته بطبيعة هذه الضغوط التي يتعرض لها السجين لأنه قضى في السجن أعواما وأعواما.

* * *

وفي المقابل نفى الشيخ الصلابي أن تكون مراجعات الجماعة الليبية المقاتلة قد تمت تحت الإكراه أو بموجب أوامر من جهات أمنية ، وأكد أن فكرة المراجعات تعكس إرادة ليبية مشتركة بين الإسلاميين ودوائر الحكم من أجل التوصل إلى قواسم مشتركة تحقن الدماء وتطوي ملف خلاف أسال دماء وخلف مآسي إنسانية اقتنع الجميع بضرورة وضع حد لها.

وأوضح الشيخ الصلابي أن مطلب إجراء المراجعات في النور لا في الظلام مطلب جوهري في أي مراجعات جادة، لكنه ليس مطلباً على إطلاقه ودلل على ذلك بما فعله الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز مع من خرجوا عليه إذ اشترط رجوعهم إلى الحق والتخلي عن الأفكار التي دفعتهم للخروج عن الدولة وحمل السلاح وسفك الدماء، وبتجربة يوسف عليه السلام الذي قدم تجربته الإصلاحية الكبرى التي أسهمت في إنقاذ مصر من القحط والهلاك ، وبما كتب في السجون من كتب قيمة تلقتها الأمة بالقبول كبعض كتب ابن تيميه رحمه الله وغيره. 

وأن حديثه ينم عن معرفة ودراية وقرب ، ومعاناة سبقت الوصول إلى هذه المراجعات التي أيدها علماء مرموقون، وأن المراجعات لم تكن بمبادرة من الجماعة المقاتلة ، وإنما بمبادرة شخصية من الدكتور سيف الإسلام القذافي ، مع العلم بأن أفراد الجماعة المقاتلة قد صدرت فيهم أحكاما بعضهم بالإعدام وآخرين بالمؤبد، ومع ذلك بادر إلى الحوار معهم بهدف التوصل لرؤية مشتركة وفق مرجعية متمثلة في الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مرجعية تهدف لنبذ العنف وعدم حمل السلاح قناعة من خلال مراجعة الأفكار، ويترتب عليها خروجهم من السجن واندماجهم مجددا بين أهليهم ومجتمعهم.

* * *

ومن خلال ما تقدم ذكره نخلص إلى نقاط عدة  ، منها ما هي محل وفاق ومنها ما هي محل خلاف بين الشيخين، ومن أهم النقاط المتوافق عليها بين الشيخين أن إجراء المراجعات في أجواء الحرية وتحت ضوء النهار مطلب جوهري في أي مراجعات جادة، وهذا مما لا خلاف فيه بين العقلاء، وخلاصة النقاط المختلف فيها بين الشيخين هي مسألة الإكراه من عدمه، وشرعية هذه المراجعات وجدواها ، والغاية منها. 

ويتضح مما تقدم أن الشيخ علي بلحاج لا يثق في النظم الحاكمة ووعودها وصدق نواياها نظرا لما مر به من تجربة مريرة في الجزائر، فقد أودع في السجن سنين طوال ثمانية عشرة عاما ذاق خلالها الويلات والمرارات ، ولم يجد من الطبقة الحاكمة إلا كل إهانة وإذلال ، بخلاف الشيخ الصلابي الذي أودع السجن أيضا ، سجن سبع سنين كسنين يوسف عليه السلام ، لاقى خلالها ضيقا وضنكا شديدا من بعض رموز النظام ، ولكنه لم يحمل يوما في قلبه حقدا عليهم أو يكفرهم ، وكان شعاره دوما قوله تعالى ( عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة) وقد تحقق له ذلك ، وقد أجلَ الدكتور سيف الإسلام وغيره منزلته لما رأوا فيه من صدق ومن حب لدينه وبلده وأبناء وطنه ومن معان جليلة أخرى.

وبالوقوف على أبرز نقاط الاختلاف بين الشيخين المذكورة سالفا وهي: مسألة الإكراه من عدمه ، وشرعية هذه المراجعات وجدواها ، والغاية منها ، نقول وبالله التوفيق:

مسألة الإكراه من عدمه :

قال في لسان العرب: أكرهته ، حملته على أمرٍ هو له كاره - وفي مفردات الرّاغب نحوه - ولخصّ ذلك كلّه فقهاؤنا إذ قالوا: الإكراه لغةً : حمل الإنسان على شيءٍ يكرهه ، يقال:أكرهت فلاناً إكراهاً : حملته على أمرٍ يكرهه. أمّا الإكراه في اصطلاح الفقهاء فهو : فعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره. وعرّفه البزدويّ بأنّه : حمل الغير على أمرٍ يمتنع عنه بتخويفٍ يقدر الحامل على إيقاعه ويصير الغير خائفاً به.

أقول:إن قول الشيخ علي بلحاج أن المعتقلين كتبوا ما كتبوا إكراها لكي يطلق سراحهم ، قول تنقصه الحجة والمحجة ، ولا يمكن معرفته إلا بمقتضى دليل سمعي أو بصري وكلاهما منتف، ومتعذر على الشيخ إثباته ، ولا يمكن التعويل على الظنون لإصدار الأحكام لأن هذا مما نهانا عنه الإسلام ، وبالأخص أن الشيخ الصلابي يؤكد أن المراجعات تمت من غير إكراه ، وهو طرف فاعل فيها بخلاف الشيخ علي بلحاج ، ويؤيده في ذلك آخرون سمعوا وشاهدوا ، والمعلوم فقها أن قول المثبت مقدم على قول من نفى ، فكيف إذا تعدد المثبتون القائلون بأن ما دونه قيادي الجماعة الليبية المقاتلة كان بمحض إرادتهم وإيمانهم ، وكيف إذا احتفت القرائن المؤكدة لقول من أثبت ، فهل سيبقى بعد ذلك من حجة لفضيلة الشيخ علي بلحاج !!، وبالأخص أن بعض هذه الآراء كتبتها الجماعة الليبية المقاتلة قبل اعتقال قيادتها.

شرعية هذه المراجعات وجدواها :

أقول: إن قول الشيخ علي بلحاج بأن لا شرعية لهذه المراجعات الفقهية لأنها جرت بالسجن ، قول عظيم وفيه ظلم وتعدي ، لأنه تقول بغير حجة أو بيان ، ولقد وددت لو قال الشيخ بلحاج إن صح الإكراه حقيقة فلا شرعية لهذه المراجعات الفقهية لأنها جرت تحت الإكراه ، لا أن يقول ما قال ، وللأسف الشديد أن الشيخ بلحاج أصدر حكمه قبل حتى أن يقرأ المراجعات المنتشرة في الكثير من المواقع الإعلامية ، وأحسب أنه لو قرأها لاستبان له وبجلاء أن مثل هذه الكتابات لا يمكن كتابتها لمن يعيش تحت ضغوط نفسية وأمنية وأسرية كما ذكر، ونحن نعلم عدد من علماء الإسلام كتبوا كتاباتهم وأجابوا عن أسئلة مهمة من غياهب السجون ولم يقل فيما نعلم أن كتاباتهم وأجوبتهم مردودة فاقدة للحجة لأنها كتبت من داخل السجون كالإمام ابن تيمية والإمام السرخسي ، وليعلم أنه لا يلزم أن يكون الإكراه بحبس الجسد بل قد يكون بحبس الفكر ، وكم من طليق يغدو ويروح ليل نهار ولكنه حبيس الأفكار، وكم من حبيس مغلول اليدين ومقيد القدمين يسبح بفكره في عالم الأفكار لا يحجبه سور سجن أو دار.

أما بخصوص جدوى هذه المراجعات فقد شهد بها علماء إجلاء ولو لم يتحقق من ذلك إلا ذلك لكفى ، وسأذكر فقرات من أرائهم عساها توضح قيمة هذه المراجعات وأهميتها لمن لم يستبين له ذلك والله من وراء القصد.

فضيلة الشيخ سليمان البيرة :   لقد جاء هذا البحث في وقت أشَّد ما تكون الساحة في حاجة إليه وهو يدل على سعة إطلاع من كتبه، وإنني أعد هذا البحث من أقوى ما طرح حتى الآن في معالجات للمواضيع التي جاءت فيه إن قيمة هذا البحث – فوق أنه بحث تأصيليٌّ قويٌ – تأتي في سياق أنه لم يصدر عن كاتب جالسٍ في مكتبه يسطر تلك الأفكار تنظيرا، ولكن هذا البحث جاء ثمرة وبلورة لمواقف مرَّ بها كاتبوه.

فضيلة الشيخ الريسوني :  أوضح فضيلة الشيخ أن مؤلفيها "غاصوا في كنوز القرآن والسنة ومقاصد الشريعة، واتّبعوا مناهج العلماء الراسخين، واقتطفوا ثمار الأئمة المتَّبَعين، والتزموا ما عليه مضى سبيلُ المؤمنين"

فضيلة الشيخ الددو : أكَّد أن النتائج التي وصلوا إليها "هي المنهج السويّ الوسطي الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، وهو الذي نَدين الله به مجافٍ للتكفير والتفجير والتعميم والتشهير، منافٍ للميوعة والانحلال، والسلبية والارتجال، ليس فيه تحامل ولا تنازل".

فضيلة الشيخ الغرياني : "أرى أن هذه الدراسة علميَّة بحثيَّة قيِّمَةٌ في غاية الأهمية في الوقت الحاضر"، مشيرًا إلى أنها تعالج بالمنطق والحُجَج والدليل والبرهان المقنِع من الكتاب والسُّنَّة معظم مظاهر التطرف والغلو والعنف، وأوضح أن الدراسة لها طابع البحث العلمي الرصين المقنع الذي يعتمد التوثيق والعزو إلى المصادر، وليس الأسلوب الخطابيّ الإنشائيّ الذي لا يترك أثرًا ولا إقناعًا على القُرَّاءِ.

الغاية من المراجعات :

ذكر الشيخ علي بلحاج أن الهدف من المراجعات هو ضرب المعارضة الجادة في ليبيا خاصة وفي العالم العربي بشكل عام ، ومن أجل ترسيخ الاستبداد والطغيان ، أقول يعلم كل متابع للشأن الليبي أن المعارضة تمر بمرحلة صعبة وبها من الوهن ما بها ، وأن ظهور هذه المراجعات أو عدمها لن ولن يغير من حالها شيئا ، فكيف يتوهم  أو يظن أن هدف المراجعات ضرب المعارضة الجادة سواء في ليبيا أو في غيرها من البلدان!! ، أقول إن هذا القول فيه الكثير من الخطأ ، وكل سياسي ليبي يدرك يقينا مجانبة هذا الرأي للصواب، وأن الشيخ أبعد النجع ولم يستبن له ما استبان للشيخ الصلابي ، وكما قيل في المثل الصيني "من في قمة الجبل يرى مالا يراه من في وسط الغابة".

وبالأخص أن قيادة الجماعة الليبية المقاتلة عللوا وبينوا الهدف من مراجعاتهم بقولهم "ونحن إذ كتبنا هذا فإنما كتبناه احتساباً لله سبحانه ، ورجاءً لثوابه ، وإبراءً لذمتنا أمام الله تعالى ، ورغبة في أن يكون فيه نفع لأجيال المسلمين" وقالوا  "إننا كتبنا هذه الدراسات ونحن نعلم أن الدوافع الأولى والمنطلقات التي انطلقنا منها كامنة في عقول وقلوب الكثير من أبناء الصحوة الإسلامية اليوم ، وقد تتوفر الكثير من الظروف التي قد تؤدي إلى سلوك نفس السبيل الذي سلكناه مما قد ذكرناه سابقاً ، ولذلك أحببنا - ناصحين - أن نوصل هذه القناعات لهؤلاء الإخوة الذين لا نشك في انقيادهم لما يرضي الله ، وتمسكهم بما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة وحرصهم على رفعة دينهم وارتقاء أمتهم" .

وختاماً ينبغي أن نعلم أن التغيير في القناعات الشرعية هو من ضمن التغيير الطبيعي والمحمود ، لأن واقع الأحداث يتغير وكذا واقع الناس ، كما أن الفتوى تتغير زمانا ومكانا وحالا ، ولذا يجب الرجوع للحق إذا استبان ، لأن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الخطأ.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home