Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Nasr Said Agoub
الكاتب الليبي نصر سعيد عقوب

الأحد 5 اكتوبر 2008

تكميم الأفواه

نصر سعيد عقوب

سلوك تكميم الأفواه ، سلوك قديم ينبغي أن يرفض ويواجه ، لأنه الداء الذي قتلت به الأمم ، والقيد الذي منع تقدمها وتطورها، وسلبها حريتها وكرامتها ، وهو نهج انتهجه الضعفاء لعجزهم عن مواجهة نفوسهم وواقع عصرهم وانتهجه الطغاة لخوفهم من فوات مصالحهم ومن مسائلتهم يوما ما.

ومن المؤسف أن أوائل من سن منهجية تكميم الأفواه ، التي نعاني منها كل يوم بل ونكتوي بنارها ، هم الأبوين ، لكبتهم لأبنائهم بإسكاتهم وإخراسهم ، ومنعهم من التعبير والإفصاح عما يجيش بنفوسهم ويجول بخواطرهم ، وعما يتبادر لأفهامهم أو تتصوره مداركهم ، مما أنشئ جيلا من الأبناء عاجزين عن التعبير والإفصاح عن آمالهم وأحلامهم وعن حقيقة واقعهم المر ، فضلا عن مواجهته ومناكفته وردعه وتصحيح مسار نهجه.

ومن غريب صور الكبت الأسري ، السماح لأولاد بالتعبير عن المشاعر التي تبهج نفوس آبائهم وأمهاتهم كقولهم أحبك بابا أحبك ماما ، وعدم السماح لهم بالتعبير عن المشاعر التي تحزنهم كقولهم أكرهك بابا أكرهك ماما ، مما أخل بالتوازن النفسي لدى أبنائنا وأنشئ جيلا مختل الأحاسيس ، ومضطرب المشاعر، جيل لم يتعود على سلوك المصارحة والمكاشفة خوفا وفزعا من تبعاتهما ، حتى أمسينا لا نرى كالأعمى ، ولا نسمع كالأصم ، ولا نتكلم كالأبكم.

ويذكر أن أحد الأبناء قام بقتل والديه بواسطة المسدس ، وبعد محاورة الولد ودراسة حالته استبان أن تربيته المنزلية السلبية كانت العامل الأساسي والدافع الرئيسي لهذا السلوك المنحرف ، الناتج من سياسة القهر والكبت التي لم تجد لها منفذاً إلا على شكل جريمة بشعة ، ضد أقرب الناس إليه، ولا يستغرب هذا في ظل تربية سلبية بل يتوقع ، لأن لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة ومضادة له في الاتجاه.

والخطأ كل الخطأ من الاستمرار في سياسة الكبت الأسري أو المجتمعي بتكميم الأفواه ، نظرا للعواقب الوخيمة والأضرار الجسيمة ، الناتجة من انتهاج هذه النهج وسلوك هذا السلوك ، على الفرد والمجتمع.

وفي نفس الإطار نجح الكثير من الساسة والحكام بتكميم أفواه شعوبهم ، وبكبح إرادتهم ، وبتقييد انطلاقة أمتهم ، مما رسخ واقعا استبداديا ، وظلما تنؤ بحمله الجبال ، لم يسلم منه صغير أو كبير ، ذليل أو عزيز ، بل إن الأمر عند بعض الساسة والحكام تعدى سياسة تكميم الأفواه إلى إطلاق أفواه مسعورة ، لا شغل لها ولا شاغل إلا طمس الحقائق وتزيفها واتهام الصالحين والمصلحين وتشويههم .

ولكن هؤلاء الظالمين لأنفسهم وأوطانهم جهلوا أو غفلوا أن الشعوب تنفر دوما من الذل والقهر ، وأنه مهما طال ليل الظلم والكبت فإن فجر الانعتاق آت آت ، وأنهم لن ولن يحصدوا إلا ما زرعوا ، وأنه كلما أشتد الكرب وعظم الخطب وأستبد القهر، فإن الشعوب ستخرج عن صمتها المكبوت ، والتاريخ شاهد.

وأقول للقيادة الليبية إن ألغام الكبت وتكميم الأفواه التي يعاني منها مجتمعنا أشد خطرا من الألغام العسكرية التي زرعها المحتل الإيطالي أبان الاحتلال ، ولذا ينبغي أن نعالجها بالحكمة قبل أن تنفجر وتهلك الحرث والنسل ، وحينذاك ولآت ساعة مندم.

وختاما: أقول ينبغي أن لا نخاف من التعبير والإفصاح بل من الصمت الذي يستبق الصراخ ، وأن لا نخشى من الكلمات التي تقال ، وإنما من الكلمات التي لا تقال ، وأن ندرك أن عاقبة الكبت وتكميم الأفواه رهيبة ، وأن أمواجها إذا تدفقت ستغرقنا وتغرق أوطاننا ، وحينذاك لا سبيل للنجاة من طوفانها الجارف.

نصر سعيد عقوب
nasraqoub@googlemail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home