Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الثلاثاء 30 مارس 2010

داء الأمة.. وشأن القمة

د. مصطفى الزائدي

في عالم الطب يعتبر التشخيص نصف العلاج.. فإذا عُرف المرض.. وحدد سببه.. وتبينت أضراره فان سبل التعامل معه والحد من آثاره على جسم الإنسان يمكن تقديرها بدقة وفعالية.. وهذا أمر يقاس على كل المشاكل التي قد يتعرض لها الأفراد والمجتمعات.. المشكلة الأساسية تظهر عندما يكون التشخيص معروفاً والعلاج موصوفاً.. لكن المرض يستمر في الإنتشار.. وهذا يرجع إلى أحد أمرين إما العلاج لم يكن ناجعاً، أو أن المريض لم يتناوله بالطريقة المطلوبة.

واقع حال العرب اليوم واضح للجميع وأسبابه معروفة ولا تحتاج إلى تبيان وبحث وتمحيص.. إنها التجزئة ولا شيء غيرها.. هي سبب التخلف والفقر على الرغم من ثروات الأمة الهائلة من البشر الأفذاذ القادرين على صنع المعجزات ومن الإمكانات الروحية الهائلة التي شكلت مخزوناً ثقافياً ضخماً لم تجمعه أية أمة من الأمم.. ثروات مادية طبيعية عالية الثمن ومرتفعة الطلب.

لقد فعلت التجزئة فعلها في الجسد العربي.. فأصابه الوهن.. وخيّم عليه اليأس والقنوط، وفقد الإنسان الأمل والطموح.. وأصبح شعار - ليس في الإمكان أبدع مما كان- أساس الحياة.. البحث عن لقمة العيش هو هدف الإنسان الذي يشقى ويكد ويكدح.

ظهر المشعوذون في كل المجالات ممن يدعون أنهم يمتلكون القدرات الخارقة التي تشفي كل الأمراض... مشعوذون في الطب والسياسة والإقتصاد.. امتلأت الساحات العربية بالوعاظ الذين يرددون كلمات جوفاء خالية من أي معنى لا تقدم ولا تؤخر... في مواخير الليل يستعيض الشباب عن الجد والإجتهاد باللهو.. وفي أوقات النهار يحتشد المشجعون لهثاً وراء انتصار وهمي في ساحات الملاعب.

ولأن الأمة ترزح تحت نير الظلام صار البحث عن اللموع والنجومية والسطوع خيار الخيارات فانتشرت ثقافة التميز في أي شيء.. أسماء تطلق على الأشياء بلا معنى.. وملابس قد تضفي نوعاً من التميز عن الآخرين.. المهم صار همّ بعض الناس أن يكون مختلفاً عن الآخرين الذين هم أبناء جلدته.. وصار البحث عن الشهرة والظهور بأي ثمن.

ولأن الفرقعات تثير الإنتباه صار للفرقعة سوقاً في كل شيء.. فرقعة إعلامية أو رياضية أو ألعاب نارية.. حتى الفضائح صارت لدى بعضهم أمراً محبباً لأنه يعني التميز.. لسان حالنا يقول أنا لست مثل هؤلاء.. أنا شيء مختلف.. حتى وإن كان متخلفاً.. ولعل في ذلك تكمن عقلية الرأي الأوحد، لأن الأوحادية أضحت أهم من الجماعية، ذلك أن الجماعة متخلفة وليست قادرة على تحقيق أشياء ملموسة على الصعيد المادي والمعنوي.. انظروا في أي شيء مطروحاً على الساحة العربية!! السمة السائدة هي الأحادية.. تستند إلى وجهة نظر واحدة تعبر عن التميز عن الآخرين.

سأروي لكم قصة حقيقية قد لا يجد البعض علاقة لها مباشرة بما سبق.. في إحدى المرات وقع حادث سير.. صدمت سيارة تابعة لشركة كورية يقودها سائق كوري شاب ليبي.. فتوفاه الله.. ولأن الكوريين يريدون أن يتعاملوا بتقاليد البلد.. طلبوا الصلح ووافقوا على دفع الدية.. وكان لابد من تحرير محضر صلح وتنازل.. فكتب من كتب المحضر بالحرف الواحد، محضر صلح بين القبيلة الفلانية.. وكوريا الجنوبية.. عندما دفع بالمحضر إلى السلطات كان مدعاة للتندر.. لكن الواقع العربي هكذا عائلات صغيرة جداً وقبائل محدودة وفي كثير من الأحيان أجزاء من قبائل تتعامل كدول.. كل منا يحاول التميز عن الآخرين تماماً كالأفراد.. فهذا يوقع معاهدة مع الصين وآخر مع أمريكا وذلك مع الاتحاد الأوروبي.. وهكذا.. أليس هذا مدعاة للتندر تماماً كوثيقة الصلح بين القبيلة ذاتها وكوريا الجنوبية؟.

عندما يتناول العرب في أي مكان الحديث عن الوضع العربي سيجمعون -وإن كان يختلفون في كل شيء- على أن الحالة سيئة.. ويبدأون فوراً بالمقارنة.. الصين عملت كذا.. الهند فعلت كذا.. أوروبا ألغت الحدود.. إيران تصنع القنبلة.. تركيا تستعيد بعضاً من دورها التاريخي.

بعض المخلصين منهم يبحثون عن التنمية القطرية المجزأة.. وبعضهم يحاول اقتحام مجال التقنية وبعضهم الآخر يحلم بالمنافسة على المستوى الكوني.. لكنهم جميعاً لا يختلفون في شيء عن وجهاء تلك القبيلة الذين كتبوا عهد الصلح مع كوريا الجنوبية.. أينما نظرت ستجد العرب أشتاتاً في كل مكان خاصة المتعلمين منهم يتبجحون بذرائع كثيرة لكنها واهية.. أكثرهم صدقاً مع أنفسهم يعترفون بأن الدوافع كانت مادية، لكن المكابرين يقولون إن ذلك راجع إلى اضطهاد سياسي أو ثقافي.. وآخرين يتعللون بعدم وجود بنية تحتية تساعد على البحث والخلق والإبداع.. لكن أياً منهم لا يحاول الإقتراب من الإجابة الصحيحة للسؤال البسيط.. كيف يهيئ مناخاً مناسباً للبحث، وكيف يمكن تحسين دخول الأفراد في بلاد صغيرة محدودة الموارد، وما هي أسباب الإضطهاد السياسي والثقافي إن وجد؟.

المشكلة الأساسية تكمن في التجزئة.. فهي لن تسمح للتميز حتى بالنسبة لأولئك الباحثين عن الشهرة.

راجعوا المسابقات الرياضية الدولية... ما هو نصيب العرب من التفوق مقارنة بالكيانات العملاقة؟ وهي لن تساعد على التنمية ببساطة لأن الإمكانيات القطرية محدودة وإن بدت كبيرة.. قارنوا دخل كل الوطن العربي بدخل النمسا أصغر أعضاء الإتحاد الأوروبي بعد لوكسمبورج.. لم تسمح بتعايش سياسي وثقافي ببساطة لأن المكان ضيق على الجميع.. التعايش الحقيقي بين الأفراد والجماعات يتحقق في الكيانات الكبرى التي تستوعب الجميع..

عود على بدء.. أعتقد أن كل العرب يعرفون السبب الحقيقي وراء كل المشاكل التي يواجهونها..وهي التجزئة... والعلاج أمام أعينهم ولا يحتاج إلى بحث وعناء .. الوحدة.. فلماذا يعزفون عن تناوله مع أن مذاقه طيب وليس به علقم.. بعضهم يقول: إن الوحدة دعوة من الماضي وهذا كذب فاضح... الوحدة هي الطريق الوحيد لمستقبل آمن للأمة.. وهي حاضنة الحرية والإبداع والتقدم.. الوحدة أمر سهل يمكن أن يتحقق على الفور... لا يحتاج إلى جهد وعناء، فقط قرار سياسي برفع الحدود.. عندها لن تكون موجودة لأنها في حقيقة الأمر خطوطاً وهمية على الأرض مع أن بعضهم يريد لها أن ترسم في عقليات الأفراد.

في سرت البداية وإن كانت متواضعة... القادة العرب قد يبحثون ترتيبات عملية لرفع الحدود.. لعلهم نظروا في معركة القرضابية التي كانت بداية حقيقية لدحر الغزو الإيطالي.. فهل ستكون قمة سرت بداية النهاية للتجزئة؟.. عندها سيكون للقمة شأن وأي شأن.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home