Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الأحد 27 ديسمبر 2009

رسوم ومآذن

د. مصطفى الزائدي

في سويسرا.. يتزاحم المصوتون.. يقسمون أن لا مكان للإسلام في بلاد المسحيين.. يتبادل الفائزون الأنخاب.. وقد قهروا الخائفين وصار تعديل الدستور.. في حكم اليقين.. وفي بلاد العرب والمسلمين.. فتور رهيب.. وصمت مريب للنظام العربي والإسلامي.. الرسمي والشعبي في التعامل مع القرار الخطير.. الذي صار سابقة تاريخية لم يسبق لها مثيل منذ محاكم التفتيش، إذ لم يتجرأ أحقد الصليبيين على اتخاذ إجراء لعين مماثل للقرار السويسري البغيض.. لا سراً ولا علناً.. يتبجح السويسريون دون أي خجل أو مواربة.. بأنهم سجلوا سابقة تاريخية لم يسبق لها مثيل، منذ بداية تطبيق النظام الغربي في السياسة الذي يستند نظرياً على وثائق حقوق الإنسان ويعترف بحرية الأفراد في ممارسة الشعائر والمعتقدات، ويتحدثون عن الأديان ومساواتها عند الاختيار.. وحقها في الانتشار، بل يعتبرون التبشير والتنصير ضمن أولويات إرساء دعائم الحضارة الغربية التي تدعي العلمانية.. فأقروا بذلك وثيقة دستورية جديدة.. تنسف كل تلك الدعاوي الزائفة.. وتكشف النوايا المبيتة.. وتظهر صورتهم البشعة.. لكن ما يجعل المشهد غريب هو ما حدث قبل وقت قريب.. عندما قام حاقد دنماركي بنشر رسوم كاريكاتيرية تسيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حيث انتفض العرب والمسلمون في كل مكان ضد الدنمارك.. نشروا البيانات وصدرت الفتاوى والتحريضات.. خرجت المظاهرات.. هاجموا سفاراتها.. دعوا ولو نظرياً لمقاطعة بضائعها وشركاتها.. وطلبوا منها الإعتذار.. على الرغم أن الأمر قد يعتبر ممارسة شخصية.. لا يتصف بالرسمية.. وقد يحسب فعلاً في إطار حرية التعبير التي يتشدق بها الغربيون.. ورغم تنصل السلطة الدنماركية الرسمية علناً من المسؤولية، التي ارتكنت إلى حجة حق التعبير في التبرير على اعتبار أن ذلك أحد الحقوق الأساسية المكفولة بالدساتير.. والذي لا يستطيع أن يغيره أو يبدله أي مسئول.

إن السؤال.. وعلامة العجب العجاب.. لماذا لم يواجه القرار السويسري بمثل ما واجه به رسام الكاريكاتير الدنماركي ومر مرور الكرام، وكأن شيئاً لم يكن، إذا استثنينا بعض الإحتجاجات البسيطة هنا وهناك.. والدعوات الخجولة بين حين وآخر؟. لماذا لم يغضب المسلمون لأن إخوانهم في سويسرا ممنوعون من أداء شعائرهم وممارسة حقوقهم بفعل القانون.. ومآذنهم صُوِّرت كصواريخ.. تهدد كيان المسيح؟. لماذا لم ينفجر الشارع الإسلامي ضد المصالح السويسرية الرسمية لكي تتحمل تبعات قرارها العنصري ضد الإسلام والمسلمين؟.

لما لم تثر تلك الصورة المسيئة للإسلام المصاحبة للحملة الدعائية إبان الإستفتاء، والتي يصفها الغرب بأنها صورة عنصرية لم تثر عاطفة علماء المسلمين الذين جاء بعضهم على تلك القضية لماماً.. فلم نسمع منهم الفتاوى والبيانات.. ولم نر أصابعهم تشير بالبنان.. ولم يطلبوا الدفاع عن المسلمين.. في حين أن الجهاد فرض عين للدفاع عن الله ورسوله والمؤمنين..

السويسريون الذين صوتوا بـ((لا)) على القرار ربما كان دافع أغلبهم الخوف من عاقبة اللعب بالنار.. و من ردة فعل المليار.. الذين لو بصقوا على سويسرا لغرقت في لعابهم.. ولو كبروا في فضائها لانهارت كنسائها.. ولو عملوا أي شيء ضدها.. سيقض مضجعها.

هذه الأسئلة وغيرها تفرض نفسها على الرأي العام.. في بلاد العرب والإسلام.. لسبب بسيط.. لأن ما أقدمت عليه سويسرا أمر جد جلل.. يحتاج إلى ردة فعل في مستوى الفعل، وربما يتطلب أفعالاً أخرى لمنع الآخرين المحفزين من الحذو حذوها في مهاجمة الإسلام والتضييق على المسلمين. بعض المحللين يذهبون إلى القول بأن تواطؤاً ما ربما يكون قد وقع بين أنظمة الدول الإسلامية لكبح جماح الحركات التي خرجت عن السيطرة وأصبحت تهدد النظام الإقليمي والدولي.. كان قد تشكل بعضها وفقاً لإرادة ومتطلبات النظام الغربي.. لكن بعضها تطور في اتجاه مخالف لسبب تكوينها.. والتي ربما استفادت من تسارع انتشار الإسلام في الغرب لتعزيز مواقفها وتوجيه ضربات إلى المؤسسات الغربية قد تهددها في وجودها.. ويذهب أولئك المحللون إلى الحد بأن تعاوناً وثيقاً يجري بين الأنظمة الغربية والأنظمة الإسلامية تحت شعار الحرب على الإرهاب.. في مواجهة المد الإسلامي في الغرب حتى وإن كان نتيجته التضييق على المسلمين، والحد من انتشار الدين الذي جاء رحمة للعالمين.

سيتهمنا البعض الذي أسقط في أيديهم كعادتهم بأننا نستند دائماً إلى نظرية المؤامرة.. وأننا نستغل الأحداث لصب جام الغضب على الغرب وأتباعه في بلاد الإسلام.. لكني أجهدت نفسي في البحث عن تبريرات منطقية لواقع الحال، فلم أجد شيئاً أركن إليه.. حيث لم تمتلئ الشوارع بالمتظاهرين المكبرين بأن الله أكبر من المتحدين.. ولم نر ردود فعل للإخوان المسلمين الذين يدّعون حماية الدين، بل وجدناهم تائهين في انتخاب مكتب الإرشاد الذي سيتولى أمر العباد، ولم تُرجم السفارات السويسرية بالبيض في أي مكان، ولم يُحرق العلم السويسري الذي حمل صورة المرأة المسلمة ممزقة بالصواريخ في إساءة معلنة للإسلام، ولم تمنع الخطوط السويسرية التي تحمل ذلك العلم شعاراً لها من الهبوط في مطارات الدول الإسلامية.. ولم تقاطع البضائع السويسرية التي يذهب مقابلها إلى جيوب من قرروا الحرب على الإسلام في سويسرا بداية لعملية صليبية جديدة.. ولم تسحب الأرصدة الإسلامية من المصارف السويسرية التي تمول أولئك المصوتين في الاستفتاء المشين.

لم نستمع إلى العلماء المسلمين الذين ينصِّبون أنفسهم بالحديث باسم ربِّ العالمين إذا اختلف الناس في تحديد مواقيت الأهلة وبدايات الشهور.. ويشحذون الهمم وينشرون الفتاوى لتأجيج الفتن بين المسلمين سنة وشيعة.. لم يمتنع المسلمون من السفر للعلاج والتسوق وربما التسول إلى سويسرا.. بل زادت الطوابير أمام السفارات ليس غضباً على القرار بل توسلاً للحصول على إذن الدخول.. ولم نشاهد أولئك المحللين في البرامج الحوارية الإسلامية في القنوات الدينية التي لا تحصى ولا تعد، والتي تسبح بحمد هذا المذهب أو ذاك.. يتعرضون للأمر من بعيد ولا من قريب.. لم نستمع إلى فتاوى الأزهر والأزهريين ولا فتاوى الوهابية والوهابيين في دار الحرمين.. ولم ينبش المجاهدون الذين يقتلون المسلمين بحجة إقامة الشرع والدين بكلمة.. لم يجتمع المؤتمر الإسلامي ولم تنتفض الجماعات الإسلامية ولم تعقد الندوات والحلقات في الجامعات الدينية ولم تعل أذكار الطرق الصوفية.. لم نر صدى للنقابات ولا للمنظمات ولا لتجمعات ما يسمى المجتمع المدني الجديد الذي يدعي الدفاع عن الحقوق.. ولم يتوقع أحد من الحكومات الإسلامية سوى الصمت لأنه عنوان جميل لمن يريد مزيد الفهم.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home