Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الإربعاء 27 اكتوبر 2010

أفيون الشعوب..

د. مصطفى الزائدي

الشغل الشاغل للسياسيين في كل دول العالم الثالث تقريباً هو البحث عن الدعم لتمويل الحملات الإنتخابية.. أغلبهم يمدون أيديهم إلى قوى أجنبية يتسولون المال بالرغم من معرفتهم المسبقة بوجود جداول عمل خفية ضد مصالح بلدانهم.. أكثرهم وطنية يلجأون إلى رؤوس الأموال المحلية لجمع النقود من أجل إطلاق الحملة الدعائية الإنتخابية وما تتطلبه من صور وشعارات جوفاء لا تعبر عن أي شيء ولا تطرح أي شيء له معنى يتعلق بحياة الناس.

موسم الإنتخابات موسم مناسب لنشر الأكاذيب كما هو موسم لرواج تجارة الدعاية والإعلان.. خلاله تجد أعداداً غفيرة من عمال المطابع والمذيعين والصحفيين مصدر رزق جيد.. الفوز في المعركة الإنتخابية يتطلب إعداد القوة اللازمة.. التي ترتكز على الكلام المعسول ونشر الوعود وإيهام الناس بالجنة الموعودة، من خلال حملة واسعة وفق خطط معدّة بإتقان وماكينات إعلامية قادرة على توجيه الرأي العام، يرتبط النجاح فيها على حجم الأموال التي تنفق عليها وقدرة وكفاءة الإعلاميين المستخدمين بها.. إنها معركة دائمة ومستمرة قد تخفت وتيرتها لبعض الوقت، لكن ما إن تنتهي معركة انتخابية في أية دولة حتى تبدأ الإستعدادات الحثيثة لإطلاق حملة جديدة.. وبدون مبالغة فإن الحياة السياسية السائدة اليوم في كل دول العالم تقريباً ليست سوى معارك انتخابية مستمرة.. تتصاعد تكاليفها بشكل مخيف بحيث لا تتمكن خزائن الممولين المحليين من الإيفاء بمتطلباتها فيصبح اللجوء إلى الخارج أمراً مشروعاً وضرورياً. أحزاب لا تحصى ولا تعد تتكون فقط من أجل تأمين النجاح في الإنتخابات من خلال جمع الأموال الضرورية وحشد المصوتين وتعبئة المشجعين.. تراهم في كل عواصم العالم يهيمون يعرضون خدماتهم مقابل ما يحصلون عليه من أموال.. لا مانع لديهم من رهن إرادتهم وإرادة شعوبهم مقابل الفوز في انتخابات لا تقدم ولا تؤخر.

السياسيون لا ينهمكون في تدبير شؤون بلدانهم ومعالجة مشاكلها ووضع الخطط لمستقبلها، بل تنصبُّ جهودهم عن البحث في السبل التي تؤدي إلى الفوز في الإنتخابات... فهم لا يجدون الوقت الكافي للتفكير في التنمية والتطوير ودراسة المشاكل الإقتصادية والإجتماعية والتعامل معها وتجاوزها.. الفائزون في الإنتخابات هم أولئك الذين ينجحون في جمع الأموال الكافية للحملة الإنتخابية.. يقيمون الإحتفالات ويتبادلون الأنخاب، ليس بسبب تحقيق إنجاز مادي أو معنوي لشعوبهم، بل لمجرد فوزهم في الإنتخابات، أمّا الخاسرون فيجدونها فرصة سانحة للطعن في نزاهتها والبحث على التبريرات المقبولة لإخفاقهم فيها ودائماً يعلقون فشلهم على مشجب التزوير.

ما إن ينجلي غبار المعركة الإنتخابية، حتى تنطلق من جديد الاستعدادات للمعركة القادمة.. وهكذا على مدار الساعة تدور رحا المعارك الإنتخابية في كل مكان .. تماماً كما تجري دوريات كرة القدم وبنفس السيناريوهات تقريباً.. فريق فائز وآخر خاسر.. شد وجذب.. صراع بالأيدي والسلاح.. أحياناً مشجعون كثر يفقدون أعصابهم فيأتون أعمال لا يتصورها العقل، ليس أغربها انتحار مواطن كيني بسبب هزيمة الأرسنال.. أمّا تحطيم الزجاج ولكم الحوائط وإشعال الحرائق.. وتحطيم المرافق العامة والخاصة فهو أمر شائع.. ينتهي كل ذلك مع بداية انطلاق الاستعدادات لمباراة جديدة في الدوري.. ودائماً تجري مباريات فاصلة.. مباراة حياة أو موت.. الإذاعات والصحف الأكثر مشاهدة وقراءة هي تلك التي تعنى بالرياضة.. آلاف المعلقين والمحللين الرياضيين يرددون نفس الكلمات بكل اللغات... يكفي النظر في أعداد وسائل الإعلام التي تتناول الأخبار الرياضية وشؤونها وأخبار الرياضيين وشؤونهم العامة والخاصة من صفقات انتقالهم إلى زواجهم وأعياد ميلادهم ليعرف المرء حجم المأساة التي تعيشها الإنسانية..

إنه عصر اللعب والمعارك في فضاء شبه افتراضي.. إن فوز فريق ما في مباراة رياضية تماماً كفوز حزب ما في الإنتخابات، لا يغير من أحوال الناس شيئاً، إلاّ أنهم يُشحذون لمزيد التشجيع في المباريات أو المعارك القادمة وأمام مخيلتهم دائماً البحث عن الفوز.. ولعل ابتداع بطولات جديدة كل عام في كل الألعاب الرياضية وما تعنيه من تواصل المباريات والكؤوس الوهمية وما ينتج عنها من أموال طائلة تذهب إلى جيوب الرأسماليين هو الدافع وراء اختراع منظومة انتخابات متواصلة في كل بلد.. انتخابات رئاسية و نيابية و محلية وبلدية إلى آخره.

المهم الناس تقع في كل الأوقات تحت تأثير الإنتخابات تماماً كما هي واقعة تحت تأثير المباريات الرياضية، ولأن أعداد الفائزين قليلة نسبة إلى أعداد المتبارين فان طعم الفوز له نكهة خاصة لفئة محدودة... أمّا الكثرة المهزومة التي لا تقارن أعدادهم بأعداد الفائزين يشعرون دائماً بالمرارة والإحباط، ذلك هو التفسير الأقرب إلى الواقع لكون الناس في الغالب تعيش حالة إحباط بسبب الفشل في تحقيق الفوز.

لو استثنينا القلة الفائزة في الملاعب والمعارك، فإن الأكثر تعرضاً للإحباط هم جمهور المشجعين وليس اللاعبين.. فاللاعبون لا يهتمون كثيراً للفوز أو الخسران فهم يقبضون الثمن مقدماً.. بغض النظر على نتيجة المباراة.. هم موظفون من أجل اللعب، يتقاضون مرتباتهم مقابل هذا العمل.. ولأن حال الإنتخابات من حال المباريات فإن المترشحين فائزون في كل الأحوال لكن المشجعين هم من يشعر بفقدان النتيجة.. لذلك السبب تتجه ماكينات الدعاية الإنتخابية إلى شحذ الناس وإثارتهم دون النظر إلى سلبيات ذلك، فجمهور المشجعين يمكن أن يأتي أي فعل مهما كانت خطورته على السلم والأمن الإجتماعي، المشاحنات والصراعات والاقتتال ترتبط عفوياً مع الإنتخابات تقريبياً.. على الرغم من أن ذلك الجمهور المشحون الذي يقاتل من أجل فوز مرشحه لن يناله شيء من ذلك الفوز وإنه لا يقع ضمن دائرة التعرف والاهتمام بالنسبة للمرشحين أساساً.. المرشحون الخاسرون يجدون في خسارتهم باب رزق يُفتح أمامهم من جديد سواء من خلال إضفاء مشروعية على أدوات الحكم بجلوسهم في مقاعد المعارضة أو باستعطاف الحكومة الفائزة.. علاوة على ذلك فهو مبرر قوي لطلب مزيد الدعم الخارجي لتأمين فرص نجاح في الإنتخابات القادمة التي ستقع لا محالة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home