Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الثلاثاء 27 ابريل 2010

نخب وأنخاب

د. مصطفى الزائدي

أكثرهم من يتحدثون ويكتبون عن معاناة الشعوب ومأساتها يقدمون الوصفات الجاهزة لتخليصها.. أينما يبحث المرء عبر الأثير أو بين الأوراق ستجد كماً هائلاً من الكلمات التي تحشى في أدمغة الناس.. كلام فاسد وقول طالح وآراء مخالفة ومختلفة.. سيجد أقوالاً وكتابات تبحث عن المشاكل لتضخمها فتصنع من الحبة قبباً.. وتفتح جرابها لتخرج منها حلولاً سحرية لكل المشاكل.

سوف يتبين بجلاء كم هي مسكينة الشعوب التي ترزح بين سياط التسلط، ودجل النخب، لكن التمعن في الحروف والسطور وبين السطور يظهر أن أولئك إنما يتحينون الفرص للقفز فوق الرقاب وقطع الأرزاق والأعناق.. يستخدمون معاناة الشعوب وآلامها وآمالها وسيلة للوصول إلى غاية واحدة وهي التحكم والاستئثار.. وسيرى الناس نيوب الليوث باينة متحفزة للإجهاز على فريستها.. يومها يعلمون أن تلك الدموع التي تسكب باسم الشعوب ليست سوى دموع التماسيح، وأن ذلك الصراخ والعويل لا يعدو كونه عواء جراء جائعة تتصارع للنيل من فريستها.. سيظهر أيضاً أن الجميع على اختلافهم وصراعهم يستخدمون نفس اللغة.. يتحدثون بنفس المفردات والكلمات.. يرفعون نفس الشعارات التي تدّعي مقارعة الظلم والدكتاتورية والقمع والإستعباد.

ولأن الأمثلة لا تحصى فلن نطنب في إيرادها احتراماً للقراء الأفاضل، فهي في متناول كل يد.. باينة في كل سطر يقرأ وفي كل جملة تسمع ومشهد يرى.. من احتلال العراق وقتل أهله وتشريدهم الذي تم تحت شعار الحرية والديمقراطية.. فكانت حسب ادعاءات رامسفيلد.. حرباً لتحرير العراق ولإعماره ولبناء عراق جديد.. إلى الإنقلابات العسكرية التي ترسم الخارطة السياسية لأغلب أدوات السلطة في العالم والتي يعتبرها الإنقلابيون عمليات ضرورية لإعادة الشرعية وإقامة الأنظمة الدستورية.. حتى صارت دعوات إلى الرئاسة لمدى حياة الرئيس مطلباً ضرورياً لحماية المكاسب التنموية.. ولتأمين البنى الإجتماعية.. وهكذا..

أينما تولون وجوهكم ستصدمكم ذات الشعارات- التي تقع بين ستعمل حكومتي وانتخبوني أنا أفضل لكم– ستتكرر عبارات (( انتخبونا نحن نضمن مستقبلكم.. انتخبونا نحن نحقق أحلامكم.. انتخبونا نحن دواء آلامكم.. وهلم جرا )).. وفي كل مكان.. عندما تدور رحى المعارك الإنتخابية تولد آلاف الكلمات الجديدة.. وتعلق ملايين اللافتات والملصقات.. تكتب مئات آلاف الشعارات المتجددة كلها دون استثناء، تقال وتكتب بلغة واحدة وتحوي عبارات واحدة.

عندما يقف المرشحون أمام أنصارهم الذين يقبضون الثمن نقداً وعداً ومباشرة قبل الإنتخابات.. سنرى حجم الكلمات التي تخرج من بين أوداجهم، فيخيل إليك أن الأنبياء يعودون وأن حياة أخرى سماوية قائمة بعد لحظات.

ولأن الأكاذيب تولِّد أكاذيب أخرى فإن لغة هذا الزمان هي لسان حال الكذابين حتى وإن وجدت من يصدق بعضها إلى حين..

لقد صارت حياة الناس مزيجاً بين مال مسروق وكلمات جوفاء على أمل المزيد.. سواء مزيد الأموال بالسرقة والإحتيال.. أو المزيد من خطابات رنانة وكتابات تحشى بكلمات بلا معاني في أغلب الأحيان.

وهكذا تختزل الحرية في كل معانيها السامية.. والحياة الكريمة بكل أوجهها المادية والمعنوية في شيء واحد.. أنا أفضل من يحكمكم.. وأنا أنزه من يتصرف في أموالكم.. ولن تجد بين طيات الكلمات سوى عبارات تبرير لنجاح مزعوم كاذب أو تجريح لأعمال الآخرين دافعها الحقد والحسد.. وإن كان المتكلمون يجمعون على إدعاء أن الموضوعية وسيلتهم واحترام الآراء الأخرى هدفهم والمصلحة العامة لكل الشعب غايتهم النبيلة.

يا هذا الإنسان التائه بين أكاذيب النخب وألاعيب السماسرة والحذاق.. يا هذا الفرد الذي خُلق ليكون خليفة في الأرض ائتمنه الخالق على صونها وحمايتها والحفاظ عليها.. يا هذا المخلوق المبجل بين كل الخلائق.. فكان له السمع والبصر.. يا هذا الإنسان الحالم بغد أفضل، الكادح إلى ربه ونفسه كدحاً فلا يلاقي شيئاً في الدنيا ولا الآخرة.. يا هذا البشر المبدع بإذن الله للأشياء كلها.. والمكلف بالأشياء كلها عبادة وعملاً صالحاً المسئول عن أعماله مباشرة في هذا اليوم وفي اليوم الآتي بعد الموت.. متى ترى آيات الله حقاً فتؤمن أن الإنسان مخلوق حر.. حر .. دون حدود.. ودون قيود.. مخلوق لا يفرق بينه وبين الآخرين لون.. ولا زمان ولا مكان.

يا هذا الإنسان الشاهد على الخلق في اليوم المشهود.. متى تحمل معولك.. وتطلق عقدة لسانك.. وتكتب أنت حروفك.. وتصوغ وحدك كلماتك.. فيكون منك ولك الكلم الصادق الذي كان في البدء وسيكون في الآخر؟. متى تدك أمواجك ذاك القصر الذي يبنى من الرمل فيتوهم من يسكنه أنهم محصنون.. فتنهار النخب وتنسكب الأنخاب؟. عندها سيكون ميلاداً جديداً.. ليوم جديد.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home