Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الثلاثاء 23 مارس 2010

شأن القمة وشئون الأمة

د. مصطفى الزائدي

تتجه أنظار الأمة إلى سرت.. تتطلع إلى نتائج القمة العربية.. في قلوبها الأمل بأن القادة العرب عندما يشدون الرحال إلى هناك فلابد أن تأتي الأخبار السارة.. فلقد عودتنا سرت على إحداث تغيرات قوية على الخارطة السياسية للعالم.

جاءها القادة الأفارقة من كل فج ليصوغوا أحلام القارة الإفريقية في الوحدة والتقدم، وكان الإعلان التاريخي في سرت الذي جعلها عاصمة إفريقيا الحقيقية، وصار يؤمها عدد من الزعماء الأفارقة الكبار أسبوعياً.. للتباحث والتشاور في عمليات الإندماج الإفريقي، ولا شك أن القادة العرب واعون لطبيعة المشاكل الحقيقية التي تواجه الأمة.. ويعرفون أسبابها المتمثلة في التجزئة من جانب ومحاولات المستعمر للعودة من جانب آخر، وأن أجزاء مهمة من وطننا العزيز لا تزال تخضع للاحتلال وأخرى أعيد احتلالها، وأن نسبة الفقر بين العرب أمر مخيف، رغم الحجم الهائل للثروات التي حباها الله عز وجل بها.. وأن نسبة كبيرة من العرب لازالوا يواجهون الجهل والأمية.

لكن أخطر المشاكل على الإطلاق هو الحالة البائسة المفروضة على نصف المجتمع العربي: النساء اللائي لازلن يعاملن بعقلية عصور ما قبل التاريخ، تحت ذرائع ما أنزل الله بها من سلطان.. فالمرأة في نظرهم نصف مخلوق وغير مسئول.. بالنسبة لهم هي مجرد إثارة للفتنة أو وسيلة للمتعة.. يدّعون أن ذلك من أحكام الدين مع أن الإسلام الحنيف وضع المرأة في موضعها الصحيح في المجتمع، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الحسن لدور المرأة المسلمة.. سواء في دعوتها للإسلام فكان لأم المؤمنين خديجة السبق على كثير من رجال العرب، أو في نشر الدعوة وحفظها ونقلها للأجيال.. وأم المؤمنين عائشة تقف على قدم المساواة مع أصحاب الرسول العظام، ولعل قوله إن صحت الرواية خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء يقصد عائشة رضي الله عنها وأرضاها.. دليل على ما ينبغي أن تقوم به المرأة في الحياة.. لكن التفسيرات التي تستند إلى إغفال الحقائق والجهل بالدين قدمت الإسلام على أنه عدو المرأة الأول.. بالرغم من أنه يدعو إلى المساواة التامة بين الرجل والمرأة في كل شيء.. في العبادات والمعاملات.

لقد لعبت المرأة العربية المسلمة أدواراً هامة في الحضارة العربية رغم حالة التعتيم الرهيب.. لكنها لم تنجح بعد في انتزاع موقع يليق بها كإنسان فاعل في المجتمع.. فبالرغم من اقتحام النساء في الوطن العربي لمجال التعليم في العقود الماضية وما نتج عنها من زيادة مضطردة في أعداد المتعلمات إلا أنها لاتزال بعيدة عن ممارسة دورها كاملاً في بناء النهضة العربية.. ولازلن النساء الجاهلات والمتعلمات على حد سواء يعاملن بنفس الأسلوب.. ويتعاملن بذات الكيفية.

أنا لا أدعو إلى إخضاع المرأة العربية الحرة إلى مقاييس النموذج الغربي واقتدائها بنسائه.. ولا أدعو للقفز فوق القيم والأخلاق التي اقتصرت على مفهوم ضيق ومحدود هو العلاقة الجنسية بين الذكور والإناث.. ولا أقول بما يقوله العلمانيون بأن الدين سبب المآسي التي تعيشها المجتمعات.. لكني أدعو إلى ثورة ثقافية تعيد الإعتبار للمرأة كإنسان له كامل الحقوق وعليه كافة الواجبات، كالرجال سواء بسواء في كل ما يتعلق بالحياة من ممارسات سياسية واقتصادية وعلاقات اجتماعية.

لا ينبغي النظر إلى المرأة كمخلوق دوني فتحرم من حقها في المعرفة والعمل والمساهمة في بناء المجتمع.. بنفس القدر الذي لا ينبغي فيه استخدام حرية المرأة مدخلاً للإنحلال الأخلاقي والقيمي والإجتماعي.

ومع أن النساء يقبلن على التعليم في الوطن العربي بشكل متزايد لكن لازلن يقبعن في عصور الماضي المظلمة.. ولم تصاحب التعليم عمليات ثورية ثقافية تمكن المرأة من استخدام المعارف التي تعلمتها في تحقيق رقي حقيقي في الوطن العربي.

سيقول الكثيرون إن مشاكل الأمة معقدة ومتشابكة تؤثر في بعضها بعضاً وأن مشاكل المرأة ناتجة عن حالة التخلف العامة السائدة في الوطن العربي والتي تطال الرجال والنساء بنفس القدر.. فلا يمكن تجزئة قضايا الأمة ولاتقسيمها وفقاً لمعايير الجنس والإثنية والموقع الجغرافي.. بل النهضة تطلب تحولات شاملة لكل مناحي الحياة.

إن دعوات تحرير المرأة لابد وأن ينظر لها بتوجس حقيقي لأن مصدرها الغرب وهدفها النهائي صهر المجتمع العربي في الثقافة الغربية حتى يتسنى ابتلاعه.. وهذا قول له ما يسنده في الواقع.. لكن مواجهته لا تتم بالاستمرار في قمع النساء وتكبيل حرياتهن وحرمانهن من حقوقهن.

نعم المشروع الغربي يستهدف المجتمع العربي كله برجاله ونسائه.. بأهله وأرضه وإن كان يتبع أساليب مختلفة للتعامل مع المشاكل المختلفة.

إن مواجهة دعوات التغريب تتطلب استنهاض كافة الطاقات الكامنة في الأمة.. والاستناد إلى مشروع ثقافي واجتماعي وسياسي متكامل ينطلق من ثوابت الأمة ويستند إلى ناموس الخلق.. مشروع ينفض الغبار الذي شوّه القيم العربية الإسلامية.. يشطب كل المحدثات التي يحاول البعض أن يضمنها في صلب الدين الحنيف تحت تبريرات مختلفة وحجج واهية.. مشروع يحترم الإنسان لأنه جوهر ومحور الإنسانية ويقدس الفرد ذكراً أو أنثى.

الدعوة الصادقة إلى قمة سرت أن تتجه إلى مناقشة جوهر الموضوعات التي تساهم في تحقيق الوحدة والتقدم، وأن لا تقتصر على معالجة المشاكل الآنية التي عادة ما تطرح على القمم العربية وهي سبب مباشر للإختلافات والفرقة بين قادة الأمة.

إن بعض المشروعات الاستراتيجية التي طرحت في أوقات سابقة كمشروع الإتحاد العربي والوحدة الإقتصادية والدفاع العربي المشترك لم يظهر في الأفق ما يبين أن القادة العرب جادون في التعامل معها.. فإن قضايا قد يتفق حولها الجميع من قبيل حرية المرأة يمكن أن تنال قسطاً من التوافق بين الأنظمة العربية.. كما أنه من المفيد أن يتاح للقادة التداول في قضايا لها علاقة بالمستقبل بعيداً عن الإختلافات السياسية الناتجة عن التأثير المباشر للدوائر الاستعمارية في القرار السياسي العربي.. فتخصص القمم الدورية لمناقشة موضوعات محددة يقتصر البحث فيها على أمر أو أمرين يشكلان همّاً رئيسياً للجميع وهكذا.. عندها ربما يكون للقمة شأن وأي شأن.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home