Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

السبت 23 يناير 2010

وما أدراك ما العزوف

د. مصطفى الزائدي

يثار نقاش في ليبيا حول عزوف الجماهير عن المشاركة في جلسات المؤتمرات الشعبية بكثافة.. ولمن لم يطلع على فكرة السلطة الشعبية وآليات تطبيقها ينبغي التذكير بأن المؤتمرات الشعبية هي الوسيلة التي يتمكن من خلالها الأفراد العاديون من ممارسة سلطة التشريع مباشرة دون نيابة، وتكلف أدوات لتنفيذ السياسات التي يقرونها من خلال الاختيار الشعبي المباشر "التصعيد" ، بتشكيل اللجان الشعبية على المستويات المختلفة.. وهي تضم في عضويتها جميع المواطنين الذين يبلغون سن 18 من الذكور والإناث.. وتنقسم المؤتمرات الشعبية أثناء الاجتماعات إلى مجموعة كومونات يضم كل منها 100 عضو لتمكين جميع المواطنين من مناقشة القضايا المطروحة بكل حرية وعمق وإصدار ما يلزم حيالها من قرارات.

المؤتمرات الشعبية هي الجهة الوحيدة المختصة بإصدار القرارات في كل ما يتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية.. بدءاً من الميزانية العامة للدولة إلى سن كل القوانين ورسم السياسات التي تنفذها القطاعات المختلفة، ولأن عدد البالغين الذين يحق لهم المشاركة في اجتماعات المؤتمرات الشعبية في ليبيا يصل إلى قرابة ½2 مليون نسمة.. وبالنظر إلى أن نسبة المشاركة في اجتماعات المؤتمرات الشعبية لهذا العام وصلت إلى قرابة مليون ومائتي ألف مواطن حسب المعلومات الواردة من أمانة المؤتمرات الشعبية.. فلقد أثيرت مسألة المشاركة.. وطرح السؤال لماذا لم يشارك كامل أو على الأقل أغلب أعضاء المؤتمرات الشعبية في الدورة العادية التي تختص برسم السياسة العامة ومناقشة الميزانية والقوانين؟. وبالرغم من اليقين بأن طرح تلك الأسئلة ليس من باب الحرص على أهمية وضرورة ممارسة السلطة الشعبية بشكل فاعل، لكنها ربما تكون كلمة حق يراد بها باطل، إن الموضوعية تتطلب مناقشة الأمر بتجرد من الأحكام المسبقة وبغض النظر عن الخلفيات التي ينطلق منها البعض عند الحديث عن نسبة المشاركة وما إليها.

ويمكن الانطلاق في مناقشة الأمر بالتمعن إلى الخلاصات التي يقدمها أولئك، فيتضح أن من يطرحون مشكلة عزوف المواطنين عن المشاركة في جلسات المؤتمرات يقفزون في تحليلاتهم واستنتاجاتهم مباشرة ودون مقدمات مناسبة إلى النتيجة التي يريدون الوصول إليها، وهي أن صيغة السلطة الشعبية غير مناسبة لممارسة الديمقراطية وتمكين الجماهير من السيادة وإدارة شؤونها ويدعون دون مواربة إلى ضرورة التراجع عنها والعودة إلى الصيغ السياسية السائدة في العالم القائمة على فكرة التمثيل.. وذلك مربض الفرس.. إذاً الأمر لا يتعلق بالحرص على أهمية مشاركة جميع الناس في تناول ما يتعلق بشؤونهم وصناعة القرارات السياسية التي تخدم أهدافهم.. بل هو محاولة للتسلل والتشكيك في شرعية السلطة الشعبية ومقدرتها على استيعاب آمال الجماهير وتحقيق أهدافها وأحقيتها لتكون بديلاً عملياً للنظم الديكتاتورية السائدة التي ترتدي لباس الديمقراطية.

لنفترض جدلاً أن من يشارك في جلسات المؤتمرات الشعبية هو نصف ما يعلن من أمانات المؤتمرات.. أي إن الأمر يتعلق فقط بإشتراك أكثر من 25% من السكان في مناقشة جدية ومعمقة لكل السياسات والقوانين والموازنات والإتفاقات والسياسة ويصدرون بشأنها ما يلزم من قرارات واجبة النفاذ.. لنقارن هذا الرقم بأعداد أولئك الذين يحق لهم المشاركة في مناقشة السياسات والقوانين والموازنات وإصدار القرارات في أية دولة من دول العالم.. بمراجعة أعداد النواب في البرلمانات.. عدد أعضاء مجلس النواب في لبنان يعد بالعشرات، وفي مصر بضع مئات، وفي أمريكا عدد أعضاء الكونغرس ، وعدد أعضاء مجلس البرلمان البريطاني بضع مئات أيضاً، وهكذا.. ولعل التعرض إلى الأرقام وحدها يكفينا عناء الجدل.. والبحث عن الأدلة على الفروق الشاسعة بين النظام الجماهيري والنظم السياسية السائدة.. لنرى بوضوح نسبة من يسمح لهم بتناول شؤون الدولة هنا وهناك.. هذا إذا تجاوزنا السؤال المهم عن أي نظام يُمكِّن المواطن العادي من التعبير الحقيقي عن آرائه والمشاركة في تسيير أموره.. ودون الحاجة إلى التطرق إلى إشكالية مهمة وهي هل يستطيع أي كان أن يعبر عن آمال وإرادة وطموحات الآخرين، فما بالك لو كانت أعداد من يمثلهم ويتحدث باسمهم تحسب بالملايين؟. وهل تتم عمليات اختيار الممثلين بطرق صحيحة؟. وعن نسب المشاركة في اختيار الأدوات التشريعية في العالم أي أعداد السكان المخولين قانوناً بذلك، حسب التقارير التي تصدر عند انتهاء كل انتخابات في كل أنحاء العالم - نسبة المصوتين تتناقص باستمرار- أي إن طوابير من تكمم أفواههم في إطار فكرة التصويت تتقلص يومياً، في ذات الوقت الذي تتطور فيه أساليب تزوير الانتخابات بداية من قوانين الانتخابات التي تصدرها أدوات الحكم، إلى من يسمح لهم بالترشح ومن يسمح لهم بالتصويت فما إن تبدأ وتنتهي عملية أية انتخاب في أي مكان تنطلق تهم التزوير التي تلحق بها كلها دون استثناء.. إذا أغضضنا النظر عن الصراعات المدمرة التي تواكبها وتعقبها دائماً، وما ينتج عنها من قتلى وجرحى، وتدمير للبنى الاقتصادية والاجتماعية وما يصاحبها من نزاعات فئوية وطائفية وقبلية وجهوية.. وهو السبب الرئيسي لعزوف الناس عن المشاركة فيها واضطرار النظام الغربي إلى ابتداع أساليب معقّدة للدعاية والترويج الانتخابي وما ينتج عنها من استنزاف رهيب لموارد الشعوب المالية والبشرية.. وهي أيضاً الدافع الحقيقي وراء ظهور ما يسمى المجتمعات المدنية في أشكال متعددة حيث يحاول الأفراد إيجاد موطئ قدم لهم في نظام مغلق ومقفل وشمولي بكل ما تعني الكلمة من معنى رغم الدعاية الزائفة المحيطة به.

إن مشاركة 25% من عدد السكان في ليبيا في إصدار القرارات المناسبة لتنظيم الحياة السياسية والاقتصادية بعد مناقشة مفصلة ومطولة تعطي للديمقراطية معنى حقيقياً، فيصبح الحكم للشعب وبالشعب حسب التفسيرات المتواترة للمصطلح الإغريقي أمراً مطبقاً عملياً على الأرض.

والسؤال كيف يتجرأ أولئك البعض إلى التلميح بأن النظام السائد يوفر فرص مشاركة أفضل من نظام سلطة الشعب رغم ما يقدمه هذا النظام البديع من فرص لإقامة ديمقراطية حقيقية وليست شكلية.. مع حق الاحتفاظ بالقول إن سلطة الشعب تجربة إنسانية في بدايات الميلاد تحتاج إلى مزيد الرعاية والعناية حتى تصبح يافعة قادرة على التحدي.. لكنها تقدم أفضل البدائل إلى الإنسانية الحائرة التائهة الغارقة في دوامة الصراع من أجل التحكم والنفوذ والاستغلال.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home