Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الأحد 22 نوفمبر 2009

معارك وملاعب

د. مصطفى الزائدي

المعركة الكروية التاريخية المصرية الجزائرية مادة أساسية لوسائل الإعلام العربي تبين مدى الإنحطاط الذي وصلت له الأمة.. ومدى السطحية التي تواكب تحليل أحداثها وحجم الفتنة الناتجة عنها.. حتى إن كبار المشايخ من رجال الدين لم يجدوا بداً من التدخل في المعركة وتقديم المواعظ المجانية عبر القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية.

فجأة سُدل الستار أنهى حكم المباراة المنافسة بين اللاعبين اللاهثين خلف الكرة.. لكن أصوات المحللين الرياضيين والإعلاميين تستمر وتتسع دائرة النقاش حولها.. وتتحول المعركة الرياضية إلى معركة حقيقية، جرحى وربما قتلى، حملات إعلامية عنيفة، إجتماعات طارئة للنقابات والفعاليات.. حيث تصدر القرارات والبيانات المطالبة بالثأر ومحو العار.. وصل بعضها إلى حد الدعوة إلى قطع العلاقات بين الشعب الواحد الذي تفصله حدود رسمت من قبل سايكس وبيكون قبل عقود قليلة من الزمن.. فصار للحدود قداستها ورسمت للناس هويتها.

في ساعة تحولت بلاد الوزيرين سيئي السمعة التاريخية إلى بلد أوروبي واحد.. حيث انتخبت لها رئيس واحد ووزير خارجية واحد بعد أن صارت سياساتها في الثقافة والإقتصاد والإجتماع واحدة تقريباً.. رغم التاريخ الحافل بالصراع.. وأنهار الدماء التي سالت في القرن الماضي في أشرس حربين عرفتهما البشرية.

تذكر الجميع معارك داحس والغبراء في زمن الجاهلية الأولى بين قبيلتي عبس وذبيان.. بسبب سباق للوصول إلى الفوز لحراسة قوافل حجاج المناذرة.. فسبقت الغبراء فرس حذيفة بن بدر داحس حصان قيس ابن زهير، لكن اتهامه بنشر نفر من أتباعه في بعض الشعب الصحراوية ليردوا داحس كي تسبقه الغبراء.. كانت الشرارة التي أشعلت فتيل الحرب الضروس لأربعين عاماً.. قتل فيها آلاف الأبرياء.. وتم سبي مئات النساء.. وأشهر قتلاها عروة بن الورد وعنترة بن شداد وحمل بن بدر وعمرو بن مالك ومالك بن زهير وغيرهم..

توقفتُ عند الفتاوى العديدة لبعض مشايخ الفضائيات وعلماء الزمان حول حكم لعب ومشاهدة كرة القدم وما فيها من مخالفات ومحظورات.. فقلت في نفسي، كيف تمكن الإعلام من التدخل في حياة الناس؟.. فهو يصنع الحدث ويجبر الجميع على الدخول فيه.. ومن ثم يوجه التفكير ويضع النتائج فأستحق أن يكون الاختراع الأكثر أهمية في القرن العشرين.

خطر على بالي ذلك الجدل حول قانون الإنتخابات في العراق الذي لم يحسم أمره بالنقض، لأن المجلس الموقر انقسم على نفسه وفقاً لطوائفه ونزولاً عند رغبة قوات الإحتلال التي تبحث عن الجدل في القانون ولا تسعى إلى الإنتخابات، لأنها رغم تزويرها المؤكد ستطرح مطلب إزالة الإحتلال ولو من باب الدعاية الإنتخابية وجلب الأصوات.. حاولت التمعن في الكيفية التي تمكن بها الأفغان من حسم الرهان وتجاوز تهمة التزوير بإعلان أحد المرشحين اللذين هما وجه واحد لنفس العملة الإنسحاب من السباق وتطوعه للتجهيز لإقامة حفل التنصيب المهيب في القصر الحصين وسط كابول المدججة بالقوات.. بحضور المدعوين الذين جاءوا خلسة مكرهين لا مختارين مختبئين عن العيون لأن مجاهدي طالبان يتربصون بهم في كل مكان.. والتي تمكنت بقوة السلاح من صد العدوان.. والسيطرة على أغلب أنحاء أفغانستان رغم التعتيم الذي تفرضه إرادة البنتاجون على وسائل الإعلام.. فلا يكتب حرف أو تقال كلمة إلا بعد التمحيص والتدقيق في إطار حرية التعبير وحق الناس في الحصول على الأخبار، فاتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الإعلام يصنع ما يريدون، وهو ليس بناقل أمين لواقع الناس وليس بمعبر مأمون لطموحاتهم وآمالهم..

لقد ساءني حال أولئك الإعلاميين العرب الذين شحذوا كل الهمة للاحتفال بالنصر العظيم في موقعة الخرطوم.. لكن كرة مملوءة بالهواء منعت الفرحة.. وأوقعت الصدمة.. فقلت ماذا تراهم فاعلون.. لابد وأنهم يبحثون عن معركة أخرى فالحالة تتطلب المعارك حتى وإن كانت بالأقدام وفي ملاعب معشبة صناعياً وتحت الأضواء الكاشفة؟ المهم المحللون والمعلقون يجدون ما يكتبون ويقولون رغماً عن أنف البنتاجون..

السؤال هل نحتاج إلى معارك نتناولها بالمتابعة أم ترانا في أتون معركة طاحنة قد لا تترك لنا مادة نتابعها، فنحن مهددون في وجودنا، بلادنا مستباحة، وكرامتنا مُدَاسة وإرادتنا مرهونة، أم هل هذه وسيلة محتشمة للهروب من الواقع إلى المجهول.. ومن المعركة الحقيقية على الأرض إلى معركة افتراضية في الهواء؟.

هل عادت عقلية داحس والغبراء.. وجاءت من جديد البسوس.. وتحتاج عبلة إلى بطولات عنترة حتى نقول أن لا فرق بين عربي أبيض وأسود إلا بمدى الإستعداد للدفاع عن الأعراض والبلاد وبالأخذ بالثأر ومحو العار، هل نحن نعارك في الملاعب ونلعب وقت المعارك؟!!

أم إن عمليات غسيل العقل الممنهجة آتت أكلها.. وترى الشباب العربي بعشرات الآلاف في الشوارع يهيمون يرددون أناشيد فرح كاذبة.. يتوقعون انتصارات وهمية من الهواء.. أم إن ذلك مجرد عملية إعلامية وهمية مرسومة من الأعداء، لتقديم العرب على غير حقيقتهم تضخم صورة حجمها ضئيل.. وتروج لاهتمامات محدودة لدا البعض القليل.. وأن أولئك الغارقون في الأحلام.. نسبة جد بسيطة من تعداد هذه الأمة العظيمة التي تقاتل على كل الجبهات.. ويعمل فيها شباب صادقون على إعادة الأمر إلى طبيعته حتى تمارس رسالتها إلى العالمين.. إلى ذلك الحين لن يتوقف طرح السؤال.. لكن البديل هو التفكير الجدي في قضية الإعلام، فهي أهم من الديمقراطية ومن حقوق الإنسان.. فنتائجها قد تكون كارثية على عقول الأجيال وإن تمكن السطحيون والمرتبطون وأصحاب المآرب الخاصة على تعددها من السيطرة على هذه الأداة المهمة فسنرى ما هو أعمق وأخطر من مما نراه اليوم.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home