Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الثلاثاء 21 سبتمبر 2009

تلك هي مجتمعات اللقطاء

د. مصطفى الزائدي

يتداول بعضهم الدعوة إلى إقامة مؤسسات أو منظمات المجتمع المدني ويعتبرونها وسيلة أساسية لتحقيق الديمقراطية والعدالة بين الناس.. بعضهم عن قصد سيء يهدف إلى تدمير أسس المجتمع القائم وآخرون- كثر منهم- يقومون بذلك من قبيل ترديد الشعارات الجوفاء دون وعي بالمعاني الحقيقية للمصطلحات ولا فهم لطبيعة تلك الدعوات وغاياتها وأهدافها المعلنة والمخفية.. ببساطة ولمن لا يعرف المجتمع المدني هو مجتمع اللقطاء.. مع الاعتذار إلى أولئك الذين وضعتهم خطيئة الآخرين ضمن هذه الخانة وتحملوا وزرها ويعانون آثارها الضارة طوال حياتهم.. فلقد ظهرت الدعوة لإقامة ما يسمى المجتمعات المدنية في الغرب بعد أن دمرت العلاقات الاجتماعية.. انهارت الأسرة واختفت القبيلة.. فظهرت الحاجة إلى وسائل وآليات لربط الناس بعضهم إلى بعض تقدم لهم الحماية اللازمة والمساعدات المطلوبة، لذا عمدوا إلى إقامة تكوينات مدنية في شكل جمعيات ونواد ومنظمات ذات اهتمامات محددة.. تطورت لتشكل مظلة لأولئك الأفراد يستظلون بظلها، وملتقى اجتماعي يتواصلون من خلاله وعائلة اصطناعية جديدة يركنون إليها في الضراء.. ثم تطور الأمر إلى استغلالها من قبل بعض الأفراد لتحقيق تواجد على الخارطة السياسية والإقتصادية. في البداية لعب ذلك الدور الأحزاب السياسية التي استعملها بعض الأفراد للوصول إلى سدة السلطة وتأمين مصالحهم الإقتصادية، لكن مرحلة الحزبية لم تدم طويلاً فسرعان ما انتهت الأحزاب وتقلص دورها وتحولت في أغلب الدول الغربية إلى تكوينات شخصية، الأمر الذي أدى إلى ضرورة البحث عن أدوات أخرى بديلة.. فظهرت التجمعات والجمعيات التي قيل عنها عند انطلاقها إنها لا علاقة لها بالسياسة لكن أعدادها ونفوذها في المشهد السياسي والإجتماعي سرعان ما تصدر القائمة.

منظمات المجتمع المدني في حقيقتها مؤسسات اصطناعية بديلة عن الأسرة وعن القبيلة ولا أتوقع أن يجادل أحد في أن الأسرة بكل ما تعنيه من معاني لم تعد موجودة في المجتمعات الغربية بالرغم من المجهودات المضنية التي يبذلها المحافظون في تلك المجتمعات في محاولة يائسة للعودة إلى قيم العائلة وإعادة الاهتمام إليها.. المجتمعات الغربية مجتمعات تتكون فقط من الأفراد وبمعنى أدق أفراد في سن العمل.. كل يعمل وفق مصالحه وأهدافه.. دون أي رابط اجتماعي مدني أو قيمي أو أخلاقي مع الآخرين سوى العلاقة الوظيفية التي تحكمها ما تصدره أدوات الحكم من قوانين وضوابط لتنظيم حياة الناس.. وفي ذلك يكمن سر الإرتباط بين الدعوة إلى إقامة منظمات المجتمع المدني وفكرة سيادة القانون واحترام القانون، وقدسية القانون وما إليها من الأمور التي يعتبرها أولئك بديهيات غير قابلة للمناقشة ولا يتوقعون طرح أسئلة ولا الاستماع إلى علامات استفهام حولها حتى لو كانت تلك الأسئلة تدور حول أمور بديهية من قبيل معنى القداسة.. وأصلها في اللغة وفي القيم.. والكيفية التي تجعل من نصوص موضوعة من كلمات وجمل تصل إلى درجة القداسة.

لكي تعاد الأمور إلى وضعها الصحيح لابد من التذكير بأن فكرة الدعوة إلى إقامة منظمات المجتمع المدني، وتقديس النصوص القانونية الوضعية تتطلب أولاً إلغاء العلاقات الإجتماعية القائمة، أي القضاء على الأسرة وتدمير الروابط الإجتماعية وإلغاء القبيلة كمظلة اجتماعية، وكذلك إلغاء كل المقدسات والعقائد الموجودة من التراث والأعراف إلى الدين حتى يتسنى تقديم بديل مقدس جديد.. القانون فوق كل الأشياء، إنه المرجعية المطلقة وهو من يحدد الخير والشر.. المحرم والمباح.. إذاً هو بمعنى آخر بديل للأشياء الأخرى التي تحمل نفس المعنى..

قد يقول قائل إن هذا مبالغة في تفسير الأشياء وهي استنتاجات تستند إلى أحكام أيديولوجية مسبقة.. وذلك يجانب الصواب، لأن واقع الحال هو كذلك.. الدعوة إلى إقامة مجتمع وفق الطرح الغربي من خلال منظمات مدنية وقوانين تقدس والذي يُطلق عليه العلمانيون مسألة معروفة، لكن الجهل في كثير الأحيان هو سيد الموقف.

بالنسبة لنا فإن الدين هو الشيء المقدس الوحيد الذي يربط الناس إلى الحياة وإلى بعضهم بعضاً وهو محدد القيم.. الفاصل بين الخير والشر.. فإذا طرأ شيء آخر من قبيل النصوص القانونية ليتولى ذلك الدور فإن ذلك يعني عملية استبدال ليس إلا.. أي استبدال الدين بالقوانين الوضعية.. العلمانيون في الغرب لا يجدون غضاضة في ذلك لكن ناقلي العلمانية عندنا لن يتجرؤوا على طرح هذا الأمر بشكله الصحيح بسبب الجهل أو الخوف.. والأمر الأكثر غرابة أن بعض من يعلنون انتماءات إلى منظمات تستخدم الدين يدعون أيضاً لإقامة ما يسمونه المجتمع المدني.

العلاقات الاجتماعية القائمة على الأسرة والقبيلة هي نقيض لأية علاقات اجتماعية أخرى تقام من خلال مصالح العمل أو ظروف الحياة أو اتفاق واختلاف الرؤى.. وهذا يجعل من توصيف فكرة منظمات المجتمع المدني بمجتمع اللقطاء أقرب إلى الواقع، لأن اللقيط فرد يوجد هكذا في مواجهة الحياة.. يحتاج إلى من يعتني به ويهتم بشؤونه.. وبالتالي يرغم على العيش في دور الرعاية الإجتماعية التي تكون بديلاً مناسباً عن العائلة التي يفتقدها.. فينتمي إلى مؤسسة اجتماعية مدنية تقوم على أساس وحدة ظروف الحياة وليست علاقة دم ولا حتى المصالح..

إن خطورة الدعوة إلى ما يسمى المجتمع المدني تكمن كما أسلفت في عدم فهم كثير ممن يطلقونها لماهيتها وخطورتها.

ولأن المؤسسة الإعلامية الغربية قادرة على توجيه الرأي العام والتأثير في أفكار الناس.. فنجحت في إبراز تلك الدعوة كموضة يرددها كثيرون كالببغاوات.. دون فهم ووعي.

نجد أن البعض الآخر يقوم بذلك عن سابق إصرار يتعرضون صراحة إلى القيم الإجتماعية ويدعون لتفكيك الأسر.. ولا يتورعون في الجهر بمعاداة القبيلة وتقديمها كأمر مستهجن دون إبراز أهميتها القصوى لحياة الأفراد والمجتمعات.

السؤال الأهم الذي يتغافله أولئك.. أيهما أفضل الأشياء الطبيعية التي فطر الله الناس عليها من قبيل الأسرة والقبيلة أم التكوينات الإصطناعية المستوردة؟. وما علاقة تبني تلك المشاريع المشبوهة بتحقيق العدالة، والحرية والديمقراطية، وهل نجحت المجتمعات الغربية التي اختفت معها القيم الإجتماعية في تحقيق العدل والمساواة بين الأفراد، وهل ساهمت تلك المنظمات المدنية وفق تعريفهم في تمكين الأفراد من المشاركة الحقيقية في العمليات السياسية والإقتصادية، أم أنها مجرد أشكال واهية وضعيفة ومحدودة التأثير؟.

إذا كانت الدعوة لإقامة منظمات المجتمع المدني من أجل الديمقراطية، فلماذا لا نتجه مباشرة إلى الموضوع وندعو للديمقراطية.. وهل من نموذج ديمقراطي أفضل من ذلك الذي يمكِّن الجميع دون استثناء من المشاركة المباشرة والفاعلة في إدارة شؤونهم؟. أسئلة أخرى تطرح نفسها.. لكن الحاجة ماسة لمناقشة خطورة الدعوة لما يسمى منظمات المجتمع المدني على الديمقراطية والعدالة والقيم والحياة الإنسانية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home