Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الثلاثاء 20 يوليو 2009

طربوش الوزير

د. مصطفى الزائدي

يعرف الليبيون الذين عاصروا العهد الملكي المباد استخدامات طربوش الوزير وأهميته، خاصة قبل اعتماد نتائج الإنتخابات فهو الصندوق الأخير الذي تتجمع فيه أصوات الناخبين لتتم الغربلة وتحسم النتائج ويعلن الفائزون.. ولهم في ذلك حكايات وحكايات.. لكن لطربوش الوزير قصصاً أخرى أظرفها حكاية السائق المسكين مع الطربوش اللعين... كان رجالات العهد المباد يتنقلون في أرتال من السيارات الفخمة تضم المرافقين.. وجرت العادة أن يجلس كبار رجال الدولة في الكراسي الخلفية على يمين السائق.. ومن المحظورات على السائقين النظر إلى الخلف أو التحدث مع الراكبين في الكراسي الخلفية... وتكفي إشارات أو لمزات من عكاز أو همسات من مرافقين جالسين في الكراسي الأمامية لإعطاء الأوامر بالسير.. وتحديد الوجهة إلى ذات الشمال أو اليمين.. سيارات الوزراء ومن في مستواهم من المسئولين مجهزة بستائر سوداء تحجب أعين الناظرين وأخرى تمنع نظر السائقين.. في أحد الأيام كان أحد الوزراء راجعاً من رحلة طويلة في عاصمة الملك الشرقية مرفوقاً برتل مهيب من السيارات وفي الطريق استمع إلى المذياع يحكي قصة عن سلطان أراد أن يعرف شؤون العباد فخرج متنكراً إلى الأسواق... طاف الزقاق فلم يلق إلا وجوهاً بائسة ولم يسمع سوى اللعن والسب والشتم... فعلم علم اليقين كيف كان رجال البلاط يحجبون عنه الحقائق حول حياة الناس رغم براعتهم في إحاكة الدسائس والمؤامرات.. "استمخ" الوزير الأمر وأراد أن ينزل إلى الناس.. ليتفقد الأحوال ويسمع مباشرة من أفواه الشعب الأخبار.. وعندما وصل الرتل إلى مدينة مصراته توقف الوزير وأمر الجميع بمواصلة السير.. لأنه مضطر لزيارة خاصة إلى بيت صديق.. ولأن المرافقين كان قد أعياهم السفر فلم يترددوا في إطاعة الأمر.. طلب الوزير من السائق أن يعرج إلى اليمين... جال في المدينة لوقت قصير، لكنه خشي من أنه لو نزل إلى الشارع سيعرفه الناس وربما تذهب الأمور إلى مالا يحمد عقباه.. فصرف النظر عن فكرة تفقد الأحوال وأمر السائق أن يستمر في الرحلة الميمونة إلى عاصمة الملك الغربية.. ولأن الخوف تسرب إلى فؤاده.. خشي من مصاعب الطريق وآفات الليل وغضبة الجماهير التي كان يعلمها علم اليقين.. كان عليه أن يجد وسيلة لتصحيح الخطأ الذي أوقع نفسه فيه.. فلا بديل عن البحث عمن يؤمن الطريق .. فلما وصل مدينة زليتن طلب من السائق أن يتجه إلى مقر الحكمدار ليتدبر أمر بعض الحراس والبحث عن مرافقين.. متحججاً بطول الطريق والخوف من المتاعب والمصاعب.. وكان له ما أراد.. وفي الباب أوقف السائق السيارة.. لكن الوزير وضع طربوشه المهيب على الرف الخلفي للسيارة ونزل.. تسلل النعاس إلى السائق المسكين فأخذت عينيه غفوة على حين غرّة... لكن الأمر لم يطل واستيقظ على صوت ما.. تسللت أصابعه لتزيل الستار ونظر إلى الخلف فرأى الطربوش بين الأضواء الخافتة.. فخيل له أنه الوزير.. وأن رأسه قد يطير إن أطال الوقوف.. فما كان عليه إلا أن ضغط على البنزين وانطلق في الطريق.. يسابق الريح حتى لا يشعر الوزير بأن نعاساً أخذ من عينيه وليتأكد أنه دائماً شديد الإنتباه..

وقتها لم توجد شبكة للإتصالات.. ولا هواتف "نقالات"... ولا حتى وسائل تخابر متطورة، تجاوز السائق مدينة الخمس.. والوزير جالس في معية الحكمدار يحدثه عن الأخبار.. وعندما هم بمواصلة المسير بعد أن تدبر الحكمدار بعض من سيارات ترافق سيادة الوزير.. كانت سيارة الوزير قد تجاوزت قصر الأخيار.. فكانت الطامة الكبرى.. وفقد الوزير صوابه.. ومن مقر الداخلية المركزية كانت أرتال وقوات تتجه نحو الشرق لتبحث عن سيارة الوزير.. وأعلنت حالة الطوارئ في الأجهزة السرية وبدأ البحث في ملف السائق الغلبان.. الذي دفع ثمناً باهظاً من جراء ذلك الطربوش.. هذه ليست قصة من نسج الخيال.. بل هي واقعة مضبوطة،.. تواريخها معلومة.. وشخوصها معروفة.

طربوش الوزير كان له في ليبيا شأن كبير بالرغم من أن الليبيين لا يلبسون الطربوش.. ولا يقيمون له أية طقوس.. ويغطون رؤوسهم بالشاشية التي تسمى شنة أو طاقية.. فمن أين تراه قد جاء الطربوش؟؟.. هل هو من بقايا الجنود الأتراك.. أو جيء به مع بعض المتعلمين من الأزهر أو الشام.. أم أن وزراء العهد المباد وجدوا فيه وسيلة ليتميزوا عن الناس؟. سؤال لا يحتاج إلى بحث وعناء.. والجواب عليه لا يفيد ولا يضيف أي جديد.. لأن الطربوش وكذلك الوزير صار حكاية من الماضي ومادة للتندر.. وصورة تعلق في المتاحف وعظاماً نخرة تملأ المقابر.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home