Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الثلاثاء 20 ابريل 2010

تعاويذ وكلمات

د. مصطفى الزائدي

بعضهم ينبش بين القبور عساه يجد خرقاً يسوِّقها لباساً للمستقبل.. وآخرون يرون في المومياءات صور الغد المبهرة.. لكن دفاترهم القديمة لم تحو سوى تعاويذ لم تنجح في دفع الضرر.

عندما كانت الدولة البرجوازية تتأسس بين أقدام الفقراء الخارجين -عن طاعة نواب الله في الأرض- من أروقة الكنائس.. تمكن نفر قليل من الإستحواذ على إمكانات الناس.. ملوك القرون الوسطى يتثاقلون من التخمة وملوك الدولة المؤسسة حديثاً يتثاقلون من التخمة ومن اللهث خلف مزيد الأموال، لكن صياغة شيطانية لمفهوم الحرية قلبت الأمور رأساً على عقب.. صارت مجرد كلمات جوفاء تنبس بها الأفواه وتكتبها بعض أقلام رافضة وصارت معان في بطون الشعراء.. أن يستحوذ الحذاق على أموال الناس فذلك عنوان عريض للحرية!. وأن يكابد سدس سكان الأرض الجوع فذلك أيضاً ممارسة للحرية!.

عند أولئك تحمل الحرية وجوهاً عديدة وتكتب بلغات متعددة، فمن يا ترى يستمتع بالمعنى الحقيقي للحرية؟. سؤال لن يجد إجابة سوى بضع كلمات مراوغة. يعتبر بعضهم أن الإضراب عن الأكل حتى الموت وسيلة ناجحة لممارسة شعائر الحرية.. المضربون عن الطعام طوعاً أو كرهاً يتضاعفون كل يوم.. منهم من يعمل ذلك عن سابق إصرار وآخرون ترغمهم ظروف الحاجة.. العالم يشهد سباقاً محموماً بين الإستعباد ودعوات التحرر.. حول المضمار يجد السماسرة سوقاً رائجة للكلمات والشعارات.

في الماضي كان العبيد يربطون على مجاديف السفن كي تبحر في رحلة قرصنة أو تجارة أو غزو ما، أما اليوم فيساق العبيد إلى طوابير الإنتخابات لتلتقط لهم صورة تصلح أن تكون "مانشيتاً" لصحيفة ما.. تضفي بصمة أصابعهم المتشققة من الكد.. شرعية ما للبعض لكي يستحوذ على كل الأشياء.. يقول صديقي عبد الرحمن سيدوا من النيجر: إن أكثر من أربعين في المائة من سكان النيجر غير موثقين في سجلات الدولة يهيمون في الأرض بلا هوية.. قلت في نفسي كيف يدعي الساسة في النيجر أنهم نتاج إرادة شعبية.. حيث قرابة نصف السكان دون أوراق تمكنهم من الإقتراب من الصناديق السحرية التي تصبغ الشرعيات وتصنع الشرعيين؟.

بين الركام الناتج من شدّة القمع ووطأة الجوع يولد يومياً آلاف الأطفال.. لتجد آلة الجوع ما تطحنه.. ولكي تصطف طوابير تضاف إلى أخرى.. في رحلة باتت بلا نهاية.. لأن الحياة صارت أشد فتكاً.. أطفال في عمر الزهور يرغمون على الأعمال الشاقة.. ويجبرون على حمل السلاح في أتون معارك طاحنة.. وآخرون يجبرون على ممارسة الرذيلة مع القساوسة والرهبان.. كي ينالوا الصفح الرباني من تحت.

بعض المحظوظين من الأطفال يجدون طريقاً إلى تجارة أكثر يسراً حيث تباع الممنوعات، لأنها تدر أرباحاً دون حدود.. سيصيب الأطفال بعضاً منها.. وأطفال تبتاعهم شركات ليصيروا متسولين في شوارع المدن المخضبة بالقهر.. لأغراض ليست إنسانية فهي تجارة مربحة.. ودون ضرائب ولا تحتاج إلى تراخيص.. آلاف الأطفال في أماكن عدة وبألوان مختلفة ومن كل الأعراق والأجناس يمدون أيديهم في هذه الأرض التي حباها الله بخيرات جمّة... لكن الصدقة تطير من أيديهم إلى أياد أخرى تتلقفها..

سيقول جهابذة الرأسمالية وماذا في ذلك؟؟ المهم الحرية.. دعه يعمل دعه يمر.. أليست كلمة حق لتبرير وتمرير الباطل؟. ماذا لو سمح لكل إنسان أن يعمل ويمر؟. هل سيجد أولئك الرأسماليون مجالا للكسب الحرام؟. سَيورِدُون حججاً من كتب صفراء بالية مردود عليها.. سيقول قائلهم الاشتراكية منظومة فاشلة عكست حالة البؤس والفقر.. تناسوا أن البؤس موجود فيهم.. يخفونه بمساحيق تجميل وأنوار كاشفة وأضواء وبهرجات.. نسألهم هل ترجمون بالغيب؟.. أين الإشتراكية لتنعوها وتدفنوها.. هل ولدت بعد؟ فكيف تكتبون عليها الموت؟ وتتشدقون أنكم أوجدتم درباً لحياة أفضل؟ تلك أسماء أنتم أطلقتموها لم ينزل الله بها من سلطان.. تلك رأسمالية في أشكال مختلفة أنتم أوجدتموها.. واعتبرتموها قضاء ربانياً.. وناموساً طبيعياً.. وهي صياغات ركيكة لمقولات قديمة بالية.. الاشتراكية ياسادة تعني ببساطة الحرية الكاملة والتامة للكل وفي نفس الوقت وبنفس القدر.. تعني اشتراك الناس جميعاً دون استثناء في الإستفادة من خيرات الأرض.. الاشتراكية اسم آخر لمفردة الحرية التامة والمطلقة.. حيث يختار الناس التعايش السلمي معاً لأن ناموس الخلق يرغمهم على ذلك.. وبين الحرية والإرغام أمور كثيرة قد تبدو متناقضة.. لكن البدء والمآل هو الحرية.. منها تشتق عبارات الرقي.. ولها تنصب الصروح.. ولن تجدوا بين المقابر عناوين تنشر غداً لكن الغد يشرق بين أيديكم.. ولن تجدوا تعاويذ تمنعهم من دك حصون الظلم.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home