Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

السبت 19 ديسمبر 2009

استقلال القضاء في مهب ليفني

د. مصطفى الزائدي

فرح الكثيرون لقرار القضاء البريطاني بملاحقة الإرهابية مجرمة الحرب ليفني.. وإصدار أمر قبض بحقها لمحاكمتها عن الجرائم التي ارتكبت إبان حرب الإبادة الجماعية في غزة في شهر الكانون 2008 مسيحي.. والتي أثبتتها تقارير المنظمات الدولية.. وأكدها تقرير جولدتستون.. لكنها فرحة لم تكتمل بسبب تدخل السياسيين وإفلات المجرمة من قبضة العدالة.. تماماً كما حدث في وقائع قبلها تتعلق بنفس جرائم الحرب التي شهدتها الساحة الفلسطينية.. كإفلات موفاز.. وباراك وشارون من قبضة العدالة.

للوهلة الأولى يتوهم السطحيون أن مجريات الأحداث إنما تبرهن على صحة الحياة الديمقراطية في الغرب.. وتوضح حالة العدالة السائدة فيه، حيث لا أحد فوق القانون.. والكل خاضع لضوابطه.. وفق مفاهيم استقلال القضاء وتمتعه بكافة الصلاحيات التي تمكنه من إقامة العدالة ومعاقبة المجرمين، وحماية الحقوق الأساسية للأفراد، وضمان الضوابط الأخلاقية عند الصراعات.

لكن التطورات التي صاحبت الحدث صدمت أولئك، وكشفت حقيقة العدالة الغربية، فلكون الأمر يتعلق بالمجرمين الصهاينة الموضوعين فوق كل الترتيبات القانونية والأخلاقية لم يسمح السياسيون بمجرد تطبيق أمر القبض الذي صدر تحت ضغوط شعبية وقانونية واسعة ،وبعد تقديم أدلة أكثر من كافية أحرجت القضاء وأجبرته على إصداره.. فالمعلومات التي تسربت تؤكد أن الإرهابية ليفني كانت متواجدة ببريطانيا لحظة صدور أمر الإعتقال.. وأُبلغت بالقرار ومُكِّنت من المغادرة العاجلة.. لتنطلق حملة محمومة تطالب بتغيير القوانين كي يفلت المجرمون من العدالة ، وألقت المؤسسات الصهيونية المسيطرة على النظام الغربي بثقلها خلف تلك الحملة، خاصة بعد أن آتت أكلها في اسبانيا التي أرغمت على تغيير قوانينها وتعديل إجراءاتها القضائية.

إن ما جرى في قضية مجرمة الحرب ليفني يبين زيف النظام الديمقراطي في الغرب، فمن الناحية النظرية يتحدثون عن فصل بين السلطات يمنع من تداخل صلاحيات الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية.. ويضمن مراقبة شفافة لأداء الأجهزة المختلفة، بما يضمن حقوق الأفراد، ويحافظ على المصالح الخاصة للمواطنين والعامة للدولة، لكن الواقع يثبت أن ذلك لا يعدو كونه مجرد شعارات جوفاء لا يوجد لها ما صدق على أرض الواقع.

فالسلطة التشريعية والتنفيذية هي سلطة واحدة شكلاً وموضوعاً، حيث النظام التعددي البرلماني أساس الديمقراطية الغربية يفرض أن يشكل الحزب أو مجموعة الأحزاب ذات الأكثرية البرلمانية السلطة التنفيذية التي سوف تتمتع طيلة الفترة النيابية بأغلبية تشريعية توافق على كل الإجراءات التي تتخذها وتمكنها من تمرير كل القرارات والقوانين التي تصدرها، إنه اندماج كامل وشامل وتام بين السلطة التنفيذية والتشريعية، نتيجته تمتع رأس السلطة التنفيذية بحق التصرف المطلق في كل الأمور دون منازعة ولا رقابة حتى ولو كانت شكلية.. إنها دكتاتورية فردية سافرة.. لاشك في ذلك.. وعندما يفقد ذلك الفرد الذي يتربع على رأس السلطة التنفيذية الأغلبية البرلمانية تسقط حكومته التي يشكلها هو من أفراد تابعين له وموالين لسياساته وأفكاره.. لتتكون أخرى ذات أغلبية برلمانية.

إن فكرة الأغلبية البرلمانية التي تتشكل وفقها الحكومات في الديمقراطية البرلمانية تنسف أساس فصل السلطة التشريعية عن التنفيذية.

إن نظرة عابرة على أداء الحكومات المشكلة وفق هذا المنهج ستوضح بما لا يدع مجالاً للجدل زيف الدعاوى الغربية حول فصل السلطة التنفيذية عن التشريعية.

أمَّا السلطة القضائية التي تمتلك شكلياً نوعاً من الاستقلال عن السلطة التشريعية والتنفيذية والتي أحيطت بهالة من القدسية والمصداقية بسبب غموض ممارساتها وإجراءاتها، فإن الأمر قد يحتاج لبعض الجهد والعناء لكشف المستور وإسقاط القناع المزيف.. وقد تساهم حادثة ليفني في فضحها.

في حقيقة الأمر السلطة القضائية لا تتشكل ذاتياً من خارج السلطة التنفيذية والتشريعية، بل هي التي تكونها وفق مصالحها واشتراطاتها من أناس يرتبطون بوثاق ما.. معها.. والأهم من ذلك فهي تلتزم بتنفيذ القرارات والقوانين الصادرة عن السلطة التنفيذية التي تتحكم في السلطة التشريعية.. ولا يجوز لها التصرف إلا وفقها.. وفي أغلب الأحيان تمتلك السلطة التنفيذية حق نقض الإجراءات القضائية إذا تطلب الأمر ذلك.. فعندما اضطر القضاء البريطاني تحت وطأة بشاعة جرائم الحرب التي ارتكبتها ليفني لإصدار أمر التوقيف، تدخلت السلطة التنفيذية مباشرة وبشكل عاجل للحيلولة دون تنفيذ الأمر بتسهيل هروبها من بريطانيا.. أو على الأقل تنبيهها إلى ضرورة تأجيل زيارتها لها.. ومن ثم بدأت إجراءات إصدار تشريعات جديدة تلغي تلك التي استندت إليها السلطة القضائية في إصدار مذكرة التوقيف واستبدالها بأخرى؛ أي نزع الأدوات التي قد تضطر السلطة القضائية لاستخدامها ضد المجرمين الصهاينة.. وهذا يعني أن السلطة التنفيذية تتحكم عملياً في السلطة القضائية.. فضيحة ليفني مثلها مثل آلاف الأمثلة التي يمكن تناولها لإثبات أن القضاء في الدول الغربية هو جزء أساسي من المؤسسة الحاكمة يأتمر بأمرها ويخضع لإرادتها دون أن ننسى أن وزراء الداخلية ووزراء العدل يحتفظون دائماً بحق الفيتو على كل قرارات القضاء في كل الأحوال.

سيقول البعض: إن القضاء يمكن أن يوجه اتهامات إلى السلطة التنفيذية ويمكنه محاسبتها.. وردي إن ذلك إجراء ممكن من الناحية النظرية لكن البحث عن أمثلة عملية تثبت ذلك ستكون مضنية ودون جدوى، لكن التعمق في الحالات التي خضعت فيها السلطة التنفيذية لمتابعة السلطة القضائية قد تبين العكس تماماً.

إن السلطة التنفيذية المتنفذة في وقت ما هي من يستخدم السلطة القضائية لتصفية حسابات ما مع المتنافسين معها.

إن فكرة فصل السلطات من حيث الواقع ليست سوى عملية مسرحية في إطار الصراع على السلطة بين أدوات الحكم المختلفة وتقع ضمن إطارها.. إنها بهارات تضاف إلى الطبخة حتى يمكن ابتلاع فكرة الدكتاتورية والانصياع إلى إرادتها.

والسؤال هل يعني ذلك إن المجرمين الصهاينة سيفلتون من العقاب؟. الإجابة القاطعة هي النفي.. لكن الحالمين بأن يحاكم المجرمون –المجرم- هم واهمون.

من أقام دولة الكيان الإرهابي ويدعمها في ممارسة إرهابها لا يمكن أن يحاكمها.. الكيان الصهيوني هو نتاج النظام الغربي السائد، بكل أدواته، وجرائمه المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني إنما تقع تحت مرأى ومسمع ذلك النظام.. لكن الحقيقة الثابتة هي أن محاكمة الصهاينة عن جرائمهم أمر حتمي.. وقد لا يكون عاجلاً.. لكنه سيترتب بالتأكيد على انتصار المقاومة.. يومها سيجد المظلومين من ينصفهم.

أ.د. مصطفى الزائدي
كاتب ومحلل سياسي ليبي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home