Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الأحد 19 يوليو 2009

وحدة ومسيرة وتحديات

د. مصطفى الزائدي

قبل ستة وثلاثين عاماً.. كان السادات يعد العدّة للرحيل بعيداً عن الركب الثوري يمتطي جواد الردة ...في رحلة اللاعودة .. وكان شباب ليبيين يركبون سياراتهم القديمة ويجمعون الزاد ويشحذون الهمم في مسيرة الثورة الشعبية من أجل الوحدة العربية.. التي انطلقت راجلة .. فراكبة من رأس جدير متجهة نحو الحدود الوهمية في إمساعد.. لأول مرة في تاريخ الأمة يزحف مئات الآلاف في رحلة تاريخية جماعية نحو الحدود الوهمية لتحطيمها وللدعوة إلى الوحدة العربية الإندماجية الفورية.. لكن قطار الشؤم في منطقة فوكه قطع الركب.. ومنع الوصول وقهر إرادة الأحرار.. حطم الآمال وأحبط المعنويات .. لقد كانت صورة رائعة بكل المقاييس .... عملية ثورية كبرى حدثت دون ترتيب وبلا إمكانات مادية ولم تنال حقها من الأخبار والتحليل.. اللجان الشعبية التي تشكلت للتو بعد إعلان زواره التاريخي إعلان الثورة الشعبية .. عرفت بحسها الجماهيري أن الديمقراطية والوحدة والتقدم أمور مترابطة ومتلازمة.. فجمعت الناس ودعت لمسيرة رمزية تنطلق من بنغازي إلى السلوم .... لكن المفاجأة كانت أكبر من التوقعات فتطور الأمر في بضع ساعات إلى سيل عارم من البشر يقطعون الصحراء الليبية نحو القاهرة .. وفي مخيلتهم أنهم ذاهبون إلى مصر عبد الناصر .. وأمام أعينهم المخاطر التي تهدد إتحاد الجمهوريات العربية.. وفي أذهانهم أسئلة عن أسباب فشل الحوار من أجل الوحدة الإندماجية.. عندما أشرقت الشمس على إمساعد كان جرار محفوف بالهتافات الشعبية يدمر البوابة المصطنعة .. ويقتلع الأسلاك الشائكة التي وضعها الجزار جريسياني .. أذكر حواراً مع أشخاص قدَّموا أنفسهم أنهم محافظ ومدير أمن منطقة مطروح.. كانوا يحاولون عبثاً إيقاف الزحف الجماهيري فاقترحوا عقد لقاء في مدينة السلوم تحضره فعاليات شعبية من مصر .. سألته بكل عفوية عن السبب الحقيقي لوجهة نظره تلك... وتساءلت عن الوقت الذي سيستغرقه حضور تلك الفعاليات الشعبية من مصر إلى السلوم .. وعن آلية إدارة ذلك اللقاء .. تهرب من الإجابة بسؤال ساذج .. قال لي يا ابني ألم تسمع بحريق القاهرة قلت بلى.. وكنت أعلم أنه أحد الأسباب التي عجلت بالثورة.. قال من يدري لعل من بين المسيرة من يشعل حريق هنا أو هناك فتكون الكارثة.. أجبته بابتسامة ساخرة وشكرته على تحليلاته الجهنمية.. سألني عن زعيم المسيرة.. قلت لقد انتهى عهد الزعامات .. وبداء وقت الفعل الشعبي..

في فوكة كان بعض الناس جوعى فعلاً لأن التموين لم يكن كافياً .. وكان البعض الآخر لا يمتلك مياه كافية.. وكان الجنود المصريين المدججين بالسلاح يقفون في حالة حرب جنب القطار الذي قطع الطريق .. وعندما خيم الليل.. وأنهك البعض... كان الناس قد أجمعوا على إستمرار الإعتصام حتى السماح لهم بالدخول إلى القاهرة.. أو الموت في الصحراء من أجل الوحدة.. لكنهم وجدوا أنفسهم أمام خيار واحد عندما استمعوا إلى نداء القائد الذي طالبهم بالعدول عن مواصلة المسيرة.. وأنه مواطن عادي كان قد استقال من كل مناصبه.. فشدو الرحيل في رحلة العودة وكان الإعتصام في بنغازي حتى تراجع الأخ القائد عن قراره .. لأنه ضمان حقيقي للثورة والوحدة .. وكان رائهم صائباً..

ذهب وفد صغير لمقابلة السادات وكنت من ضمنهم .. تنقل الوفد بطائرة خاصة من مطروح .. أبدان لم تلمس الماء لعدّة أيام .. ثياب متسخة وبطون جائعة.. لم يكن هناك مفر من الخلود للنوم ولو لبضع دقائق.. في فندق فخم كان الإنتظار.. وفي قصر القبة كان اللقاء.. جاء السادات وكأن شيء لم يكن .. قال ما قال .. ومن ضمن ما قال أنه لن يرضى بالوحدة إلا بوجود معمر القذافي وكامل أعضاء مجلس قيادة الثورة.. استغرب الوفد تكراره لكلمة كل أعضاء مجلس قيادة الثورة.. لكن شهوراً قليلة بينت انه كان يبيت لأمر ما.. لكنه فشل وسقط مشروعه كما سقط هو في مزبلة التاريخ.. سألت السادات لماذا لم يسمح للمسيرة بالوصول .. ولماذا ذلك القطار المشئوم .. نظر إليَّ نظرة حنق .. ولم يجب .. تدخل اللواء مصطفى الخروبي الذي حضر اللقاء .. وقال عن أي قطار تتحدث إنه من مخلفات الحرب العالمية الثانية.. عندها تأكدت أن السادات من مخلفات الحرب العالمية الثانية وأنه في طريق آخر .. لن يرجع منه أبداً .. من كان أكثر وعياً وإدراكاً بالأحداث .. الجماهير العربية الليبية الحرة أم السادات .. وماذا لو حققت تلك المسيرة التاريخية الرائعة أهدافها.. واندمجت مصر وليبيا .. ألم يكن لهذا البلد الكبير شأن أكبر ودور أعظم.. في ليبيا كان بعض الإقلميين الخائفين من الوحدة اللذين يحسبون الأمور وفقاً لمصالحهم هم .. يقولون أن الوحدة سوف لن تسمح لنا بالتنمية والتقدم.. فماذا يقولون اليوم .. وهم أنفسهم يرددون أن التنمية لم تحقق أهدافها كاملة.. أليس السبب الحقيقي لأي فشل في التنمية يرجع إلى أن الكيانات الوهمية القزمية الصغرى لن تتمكن من إنجاز الأهداف التامة لأية عملية سياسية أو اقتصادياً أو اجتماعية .. وأن التجزئة والإقليمية صارت أمراً واقعاً لن يمكن تجاوزه بسهولة.. وان الأمة دفعت أثماناً باهظة من دماء أهلها .. وحرمتهم من تحقيق حياة أفضل .. بسببها.

الشعب الليبي الذي تحرر بالثورة .. وتعززت إرادته بالثورة الشعبية يعرف الطريق.. لكن البعض ممن يضعون على أعينهم نظارات السادات لا زالوا يعبثون بنا .. اليوم صارت الوحدة القومية مطلباً لا يلبي الطموحات.. لقد تجاوزه العصر بظهور التكتلات العملاقة .. وتشكل الفضاءات الكبرى .. لكن مسيرة الثورة الشعبية من اجل الوحدة العربية حدث رائع بكل المقاييس.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home