Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الإربعاء 19 مايو 2010

تجارة آخر زمان

د. مصطفى الزائدي

في الأيام الخوالي.. ينتظر الناس من يأتي بالخبر اليقين فيكونوا له مصدقين.. لا يخطر لهم على بال أن محدثهم ربما يكون قد اصطنع الأحداث وفبرك الأخبار وزوّر المعلومات.. أمّا اليوم فصناعة الأخبار أكثر أنواع التجارة رواجاً.. مؤسسات ضخمة في كل أنحاء العالم مهمتها الأساسية متابعة هموم الناس وصناعة الأحداث وصياغة الأخبار وتقديمها، لتبدو للناس وكأنها حقيقة واقعة مع أن بعضها أو جلّها خيال محض.. ملايين الناس شغلهم الشاغل.. تقديم الروايات وتصوير الوقائع.. وكتابة التعليقات حتى صارت مهنة الإعلام أكثر المهن جذباً للباحثين عن العمل.. وربما أهمها إدراراً للأموال.. أينما تولوا وجوهكم تواجهكم حوادث عن أمور ما أنزل الله بها من سلطان.. وتستمعون إلى أحاديث عن أحوال ليس لها في الواقع مثال.. يقول أحد الأصدقاء ربما يستمتع الناس بالأكاذيب.. يصدقونها.. يتعايشون معها.. وربما يجد بعضهم في الترويج لأشياء مختلقة نوعاً من السبق فيكسب منه شيئاً ما وشهرة بأي ثمن.

المهم فتش عن الحقيقة إن استطعت إلى ذلك سبيلاً.. واضرب لنفسك ما شئت من الأمثلة.. سيختلط عليك الأمر، ولن تجد وسيلة سهلة لغربلة الأشياء، وفرز الصالح من الطالح.. في الماضي كان الدس يتصل فقط بالأمور الكبرى.

يجتهد الناس ليقدموا أشياء مختلقة لكنهم دائماً يستندون إلى أمور لها بعض ماصدق.

سألني صديق عن سبب الإختلاف العميق بين المذاهب الإسلامية إلى الدرجة أن يمس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُنعتوا بأوصاف فيها إثم كبير فيقال عن فريق منهم النواصب وفريق آخر الروافض.. الجعفريون يقولون عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وغيرهم من أصدق أصحاب رسول الله النواصب.. أي أنهم أعداء للرسول الكريم لأنهم حسب زعمهم يناصبونه وأهل بيته العداء ويعتبرونهم خارج الملة.. وبعض من أهل السنة الذين يتبعون أئمة كان معلمهم وإمامهم، ومرجعهم بحر العلوم جعفر الصادق.. يصنفون شيعة على عليه السلام بأنهم رافضون للحق خارجون عن الملة يجوز قتالهم حتى يعودوا إلى أمر الله ورسوله.. لكن البحث في أدبيات هؤلاء وأولئك سيبين العجب العجاب، أحاديث وأحاديث كلها منسوبة ومسنودة بأوثق الأسانيد.. مربوطة بسلاسل لا تنفصم معنعنة بكل التفاصيل.. لكنها لا تأتي على الحقيقة من بعيد أو قريب.. بسطاء المسلمين يعتقدون أن خلاف العلماء وكثرة المذاهب رحمة من الله عز وجل بهم.. لكن المتربصين يستخدمونها أداة لتحقيق هدف ما.. لا يضيرهم التلاعب بالدين إن كان وسيلة ناجحة لتحقيق تلك الغاية اللعينة.. المهم لا شيء فوق الأكاذيب.. الناس لا تتفحص ما يقدم لها من أقوال بل تأخذها على علاتها.. تصدقها.. وإن كانت أكاذيب عارية دون غطاء.. من يسبق بتقديم الخبر.. يصدقه الناس دون مراجعة.. لا أحد ينتظر الإستماع إلى وجهة نظر أخرى قد تكون مخالفة وربما صحيحة.. قليل هم من يتمعن في الأمور فلا يصدر أحكامه حتى يستمع إلى جميع الأطراف بموضوعية ودون أحكام مسبقة.

في واقع الحال الأحكام المسبقة هي سيدة الموقف في هذا الزمان.. ما يقدم من شروح وتوضيحات على أساس أنها براهين وأدلة لأمر ما ليست سوى أمور شكلية لا تغير في جوهر الموضوع.

كثير من الناس تشكل أحكامها المسبقة بناء على معلومات مضللة.. لكنهم لا يكلفون أنفسهم عناء التحقق.. ومشقة البحث.. أو يخافون مواجهة الحق.

شبكة المعلومات الدولية صارت وسيلة مناسبة للترويج لأي شيء، لأن الكل يمكن أن يقول ما يشاء دون خجل فلا أحد يراه.. أي كذبة قد تنتشر فيها انتشار النار في الهشيم.

مجرد وجود معلومات متناقضة حول موضوع واحد يعني أن أحد الآراء أو كلها غير صحيح.. بعض الناس يستهويهم تلفيق الأحداث.. إنها عقدة امتلاك أسرار المعلومات.. ذلك يجعلهم يتبجحون بأنهم يعرفون ما يجهله الآخرون.. هذا سبب كاف للدخول في دوامة فبركة الأخبار.. لننظر في مشهد أي حوار عادي في أي مستوى بين أي مجموعة من الأفراد حول أي شيء.. التمعن في الحوار سيبين أن كل أطراف المجموعة يحاول أن يقدم معلومات أكثر حول الموضوع.. ومن هنا يتسلل الكذب إلى الحديث.. يتصاعد الكذب بسرعة البرق فيصير جل الكلام تراكماً للأكاذيب.. لعل هذا سبب مباشر في تعدد الروايات وتعقدها حول حدث ما حتى لو كان حادث مرور عادي، الأمر سيكون أكثر تشويقاً لو تعلق الأمر بسقوط طائرة.. سوف يستمع المرء إلى روايات وكأن الرواة كانوا حاضرين للحدث، مع أن كل المعنيين ربما صاروا في العالم الآخر.. هكذا دائماً الحال.. لكنه يزداد تعقيداً لو تعلق الأمر بالسياسة أو التاريخ.

البعض يشكك في مصداقية رواية السيد هيكل عن رؤية العالم لتفجر ثورة الفاتح العظيم لحظة بزوغ فجرها.. ما شدني قوله: إن آمر قوة دفاع برقة قبل تفجر الثورة كان إنجليزي يسمى ولسون وهو محل ثقة مطلقة للملك.. يا للهول من يصدق اليوم أن قوة الأمن الرئيسية في ليبيا كانت تدار بواسطة ضباط إنجليز؟. أعرف أن ليبيا كانت دولة تتمتع باستقلال صوري.. لكن الإعلام الليبي في ذلك الوقت أوهمنا بأن قوة دفاع برقة قوة ليبية مستقلة يقودها ضباط ليبيون.. المشكلة الأساسية أن يستبسل بعضهم في محاولة خداعنا بأن ليبيا كانت بلداً مستقلاً.. وبعضهم يمجد عهد الإحتلال.. وبعضهم يرنو أن يعود الملك.. ويعود ولسون معه.

حجم هائل من التضليل.. ومحاولات بائسة لتزوير التاريخ.. وجهداً محموماً لتشويه صورة أهم حدث وطني في تاريخ هذا الجزء من الوطن العربي.. يوم إعلان الحرية الحقيقية لهذا الشعب في الفاتح العظيم.. فهل هذا زمن تروج فيه تجارة الكذب، أم أن حبل الكذب جد قصير؟!


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home