Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

السبت 17 اكتوبر 2009

عالم من الجياع

د. مصطفى الزائدي

يصادف 16 من شهر التمور اليوم العالمي للغذاء، الذي أصبح مناسبة لتذكر الجوعى، وإصدار بيانات التعاطف معهم !! حيث يتوالى نشر التقارير والمعلومات عن أوضاعهم في العالم.

في هذا العام جاء في تقرير مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة (( الفاو )) وبرنامج الأغذية العالمي التابعين لمنظمة الأمم المتحدة أن الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت العالم دفعت بعدد الجوعى إلى القفز إلى أرقام قياسية، حيث تجاوز الرقم المليار.. أي أن شخصا من كل 6 أشخاص في العالم يعاني ويلات الجوع.

وضع يصعب تخيله لكن المرء يمكن أن يتصور أن اثنين من أبناء أي أسرة ليبية على سبيل المثال، يكابدان الجوع.

أشارت التقارير والتصريحات الصادرة عن مدير عام منظمة (( الفاو )) إلى عدم وجود إرادة سياسية على المستوى الدولي لمحاربة الجوع، ولم توضع أية برامج حقيقية للتعامل مع هذه الظاهرة المهددة للحياة البشرية، فالعالم يشهد عدم توازن غذائي مرعب يشكل تهديداً خطيراً للاستقرار على المستوى الدولي، وفي نفس الوقت لم تظهر أية جهود جدية لمحاربة الجوع رغم توفر الإمكانات المادية والتقنية اللازمة لتأمين الغذاء للجميع.

في إفريقيا وحدها يوجد قرابة ربع مليار جائع، أي أن أكثر من ربع الأفارقة جوعى رغم الإمكانات والموارد الهائلة التي تحتويها القارة الإفريقية في مجال إنتاج الأغذية، ورغم الدعاية المفرطة من المؤسسات الغربية التي تتبجح بتقديم المساعدات الإنسانية للقارة.

الجوع ينخر أيضاً جسد قرابة أكثر من 40 مليون عربي بالرغم من الكم الهائل من الأموال العربية المكدسة في المصارف المختلفة على امتداد مساحة العالم، وحجم الممتلكات والاستثمارات العربية في عديد المؤسسات الدولية.. وعدد الأثرياء العرب الذين اخترقوا قوائم أغنى أغنياء العالم، وربما تربع بعضهم على رأسها لوقت طويل، ورغم التعاليم الدينية الواضحة والمحددة التي تحث على البذل والعطاء والصدقات..

اليوم يتحدث الكثيرون عن الجوع.. مجلدات تصدر تحوي تحليلات عن أسبابه، وعن سبل التخلص منه؛ كل السهام تتوجه مباشرة إلى السبب الرئيسي المسئول عن ظهور العوز ومن ثم الجوع؛ إنه النظام الاقتصادي القائم على توليد النقود من لا شيء وبلا شيء.. فقط إنتاج الأوهام.. والأوراق النقدية.. الذي أدى إلى التحول من اقتصاد يساهم في إنتاج الغذاء إلى أنشطة اقتصادية تدر أموالاً دونما الحاجة إلى مشاق العمل في قطاع الزراعة والقطاعات ذات العلاقة بإنتاج الغذاء، إضافة إلى الزيادة المضطردة في الحاجة إلى الطاقة وضرورة تدبير مصادر لتوفيرها حتى وإن أدى الأمر إلى تحويل الموارد الغذائية إلى استعمالات الطاقة وبداية استخدام الطاقة الحيوية، وربما السبب الأكثر أهمية في أزمة الغذاء هو الدمار الهائل الذي لحق بالبيئة بسبب النشاطات الاقتصادية الجديدة التي لا تولي أي أهمية لإنتاج الغذاء، وانخفاض معدلات الأمطار، وزيادة التصحر، والضرر الذي لحق بالتوازن البيئي.

أياً كانت الأسباب فعدد الجوعى يتزايد باضطراد يثير الفزع، ففي عام 2007 مسيحي حسب تقارير الأمم المتحدة وصل عدد الجوعى إلى 800 مليون.. ليرتفع عام 2008 إلى 900 مليون.. ويخترق عام 2009 مسيحي حاجز المليار جائع.

ببساطة أكثر من 100 مليون إنسان ينضمون سنوياً إلى طابور الجوعى! ومهما كانت محتويات التقارير والدراسات والتصريحات فإن النتيجة واحدة، الحياة على سطح كوكب الأرض مهددة ما في ذلك شك، فلو أضيفت أزمة الجوع إلى المشاكل الناجمة عن الدمار المريع الذي لحق بالبيئة، وارتفاع المخاطر الناتجة عن ظاهرة الاحتباس الحراري، وانتشار الأوبئة والأمراض المستعصية عن العلاج، وانقلاب الهرم السكاني بتدني نسب الولادة وإطالة أمد الحياة وعدم التمكن من إنتاج أنظمة صحية على أسس أخلاقية وما نتج عنها من انتشار وسائل غير أخلاقية في التعامل مع الأمراض، وزيادة الشكوك حول إنتاج الميكروبات بغرض إنتاج أدوية والترويج لها وبيعها واحتكارها ضمن سياسة احتكار العقاقير وارتفاع أثمانها، وعدم تمكن الفقراء من الحصول على رعاية صحية تحت أي عنوان.. يضاف إلى ذلك آثار الأزمات الاقتصادية المتتالية، وانتشار الحروب والصراعات على نطاق واسع.

نعم لقد صارت معالم الوجه القبيح للحضارة السائدة على العالم اليوم أكثر وضوحاً.. يمكن اختصارها في صورة طفل جائع يعشعش الذباب في فمه.. أو عجوز في هيئة جلد يكسو عظام نحيلة تنام على حافة الموت.

والسؤال المهم أين تلك الصورة التي تحاول الأنظمة المسيطرة على حياة الناس الترويج لها من خلال استخدام تقنيات التصوير والخدع ((السينمائية))، والتي تظهر الحياة في أزهي وأبهى مظاهرها؟ المثل الليبي يقول: لا يحس بالنار إلا من تقع قدماه فيها.. فالأغنياء لا يشعرون بالجوعى.. لولا هذه التقارير التي تفرض نفسها على المنظمات الدولية بمناسبة يوم الغذاء العالمي ما كان لأحد أن يتصور هذا الكم الرهيب من الجوعى.. ولا يتوقع هذا العدد المأهول منهم في مختلف بقاع الأرض، لأن الأرقام المتداولة إعلامياً تتحدث عن أشياء مختلفة من قبيل أسعار انتقال اللاعبين من ناد رياضي إلى آخر، أو أعداد نسخ أغاني مايكل جاكسون، أو عدد المستفيدين من خدمات شبكة المعلومات الدولية عبر العالم، وأعداد المواقع الالكترونية وأعداد المشاركين في المسرحيات السياسية والأدبية.

وأهم الأرقام دائماً تدور حول أسعار الأسهم في البورصات، ومهما كانت تلك الأرقام الأكثر شيوعاً، فهي وفي كل الأحوال حتى ولو جمعت على بعضها البعض فلن تصل إلى الرقم مليار.. الذي حققه الجوعى وهم يصارعون الموت، وهو رقم لن يجد طريقاً إلى موسوعة جينس، لأنه رقم يتحطم باستمرار أمام ازدياد أعداد من يفتحون أفواههم ينتظرون من يلقي بها ملعقة غذاء. الجوعى الذين يصارعون الموت يجعلون من يوم 16 التمور ((أكتوبر)) يوم الغذاء العالمي موسماً لتذكر الجوعى والبكاء على معاناتهم، يوماً يتمكن فيه معدو التقارير ومسئولو المنظمات والهيئات التابعة للأمم المتحدة من إلقاء مواعظهم حتى وإن صمّت آذان السياسيين وصنّاع القرار في العالم عن سماع أنين الجوعى، وعميت أبصارهم فلم تر أشباحاً من البشر تموت على قارعة الطرقات.

لعل تراكم جثث الجوعى قد يمهد طريقاً ما نحو الخلاص.. فربما يصنع الجوعى بصيص أمل من أجل الحياة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home