Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الأحد 15 نوفمبر 2009

صراع وأوهام

د. مصطفى الزائدي

الوضع العربي الراهن لا يسر أحداً.. وأكثر المحللين تشاؤماً لم يتوقعوا هذا الكم من التدهور وهذه الدرجة من الإنحدار والإنحطاط.. وهذا التسارع المريع للأحوال من السيئ إلى الأسوأ.. رغم النصر الباهر الذي أنجزه العرب في معركة تحرر الوطن الكبرى، التي خاضوها دون غيرهم من الشعوب المستعمرة مكنتهم من طرد المستعمرين عنوة بعد حروب طاحنة ومريرة وطويلة لم يواجهها الإستعمار في معظم المناطق التي استعمرها.. ورغم بشائر النهضة التي أطلقتها الثورة العربية التي جاءت تتويجاً لكفاح الآباء من أجل الاستقلال، وتمكنت من طرح رؤية سياسية للنهضة وبرنامج اقتصادي سمح بإعادة توزيع عادل نسبياً للثروة عل المواطنين بعد استردادها من الإقطاعيين الأجانب، سواء أولئك الذين اندمجوا بسبب طول فترة تواجدهم في المجتمع العربي كما هو الحال في مصر والشام، أو أولئك الذين ابقوا على تميزهم العنصري كما هو الحال في ليبيا والجزائر.. ورغم انطلاق عملية واسعة لنشر التعليم ومقاومة الجهل والفقر، واستنهاض كافة الطاقات من أجل البناء وتجاوز التخلف الذي فرض لسنين طوال.. ورغم المحاولات العديدة لإقامة كيان عربي موحد وما واكبها من تجاذبات وتحديات أدت إلى عرقلتها.. رغم كل ذلك ورغم مرور أكثر من نصف قرن على الاستقلال نجد الوطن العربي اليوم في أسوأ حالات الضعف والإرتهان للأجنبي.. يدار بواسطة أنظمة عاجزة عن كل شيء.. لا تستطيع أن تؤمِّن متطلبات الإدارة في أبسط معانيها حتى لدواوينها.. وتسخر الأجهزة الإدارية والمالية الأمنية والعسكرية لخدمتها وحمايتها وإطالة أعمارها، ذلك سبب ارتهانها بالكامل لأجهزة الدول المعادية..
ولم يتمكن العرب من الاستثمار الأمثل للإمكانات والثروات الهائلة التي تزخر بها أرضهم للإنتقال من التخلف إلى التقدم.. وتكوَّن اقتصاد عربي مجزأ.. طفيلي.. ريعي.. استهلاكي.. مرتبطاً كلياً باقتصاديات الدول المستعمرة مكنها من إحكام سيطرتها على الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي والتحكم في إرادتها السياسية.
إبان غزو العراق خلال ما سمي عملية تحرير الكويت قال لي صديق "أتمنى من الله أن لا تزداد الأمور تدهوراً إلى الأسوأ".. قلت: وهل هناك أسوأ من هذا الحال؟ نحن الآن في الحضيض.. قال: لا.. هناك ما هو أسوأ.. واليوم بعد عقدين من تلك الأيام أشهد أن صديقي كان محقاً وأني كنت مخطئاً.. فالعراق العظيم يعاني ويلات الاحتلال والسودان مهدد بالتقسيم واليمن تدمره حرب أهلية.. والمغرب العربي يتعرض إلى مؤامرة خطيرة تستهدف الوجود العربي فيه.. وعن مصر والشام فحدث ولا حرج.. والجزيرة وما أدراك ما يدور في الجزيرة؟
وهكذا لا نرى سوى مستقبل قاتم.. ولا نتوقع سوى الأخطار المحدقة.. فلسطين صارت في عالم النسيان والحديث فقط عن نتائج حرب 1967.. ويكفي أن ترى مليوناً ونصف مليون عربي يواجهون الموت جوعاً وعطشاً وقهراً في غزة الصامدة.. ولا ساكن في هذا الوطن الكبير يتحرك!!.
إن السطحيين يرجعون كل ذلك إلى المشروع القومي للنهوض ويحملونه المسئولية كاملة.. يروجون إلى أن ذلك المشروع فكرة خاطئة من أساسه.. سببت فيما وصلت إليه أحوال الأمة.. يقيمون حجتهم ويقدمون دفوعهم مستندين على وهم.. وكأن المشروع القومي قام من الأساس، وأن الكيان القومي الواحد تأسس.. والدولة القومية المنيعة بنيت.. فأخذوا بدوافع متعددة يوجهون سهامهم إلى الفكرة القومية يحمِّلونها مسئولية التخلف والتبعية والتجزئة.
والأكثر سطحية منهم يعملون على طرح ما يسمونه المشروع النهضوي الحضاري الإسلامي بديلاً عن المشروع القومي.. وكأن الصراع في الوطن العربي قائم بين العروبة والإسلام كطرفي نقيض يستوجب هزيمة أحدهما لتأمين نجاح الطرف الآخر.. وليس صراعاً بين العروبة والإسلام من جانب و الإستعمار المعادي ثقافياً وتاريخياً ومصلحياً للأمة من جانب آخر.
لقد ساهم كثير من المتسترين بشعارات قومية أو إسلامية في الترويج لهذه الفتنة الخطيرة.. التي كان بالتأكيد للدوائر الإستعمارية الدور الأساسي في التنظير لها وتأجيجها.. لكن تبقى الأمة في حالة صراع افتراضي يسمح باستمرار حالة التخلف.. ويحول دون إمكانية النهوض.. ويمكِّن من استمرار الهيمنة.
الحقيقة التي يعرفها الجميع ويتجاهلها البعض هي أن العروبة والإسلام وجهان لنفس العملة.. هي هوية الأمة التي يستهدفها العدو الذي لا يفرق بين العروبة والإسلام في شيء.. بعض الإسلاميين ابتلعوا الطعم وتآمروا صراحة على المشروع القومي.. قدموا خدمات جليلة قد لا تغتفر للأعداء ساهمت في الحد من مد حركة التحرر القومي.. وتكونت منظمات بشعارات إسلامية هدفها مواجهة المد القومي.. تلقت دعماً مادياً ومعنوياً من الدول المعادية.. صارت مخلب القط للأعداء.. لكن العدو سرعان ما ألقى بها في المزابل بعد أن استنفذت مهمتها.. ولم تعد له حاجة بها.. بعض الصادقين منهم لشعاراتهم الإسلامية عرفوا حجم المؤامرة وخطورتها فراجعوا أنفسهم.. وحسموا أمرهم.. وانتظموا في عمليات المقاومة الشريفة.. التي تستنهض الأمة في فلسطين والعراق..
واليوم يبتلع بعض القوميين الطعم بعد أن ركبوا موجة الليبرالية متوهمين أنها تقدم حلولاً للديمقراطية وتضمن حقوق الأفراد والجماعات وتمكن للتنمية.. ولم يترددوا في تقديم خدمات جليلة للأعداء لمحاربة الإسلام.. تحت شعارات الحرية ومواجهة التخلف والأصولية.. محاربة الإرهاب.. والانفتاح والتقدمية.. بالرغم من معرفتهم بأن الإسلام هو روح العروبة وطريق الخلاص للإنسانية.
والآن بعد أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه وبعد أن بانت نوايا العدو وظهرت حقيقته كما هي.. وصار الجميع يرون بأم أعينهم نتائج الحرب الشاملة على العروبة والإسلام على حد سواء.. فإن الدعوة ملحة لإعادة النظر في بديهيات الأمور.. انطلاقاً من أن المعركة لازالت قائمة من أجل تحرير الشعب العربي.. وبناء الدولة الموحدة.
إن النهضة تبدأ من تأمين التحرير.. وبناء الكيان القادر على المنافسة. المعركة تتطلب جهد ومجهودات الجميع، لأن وسيلة النصر فيها هي إقحام الجماهير في عمليات التحرر حتى يتحقق الاستقلال.. وتبنى دولة يتمكن الفرد العادي فيها من ممارسة حقه في السلطة والثروة والسيادة.. يتعايش الجميع في إطار منظومة جماهيرية تجمع ولا تشتت.. وتصلح أن تكون نموذجاً يتبعه العالمين.
الشعارتيون سواء المتلبسين بالإسلام أو العروبة الداعين للتحزب والتصادم إنما يسعون للحكم، لا يهتمون بطبيعة الصراع ونتائجه.. التحرر والإستقلال، النهضة الحقيقية لا تتحقق إلا بتجاوز هؤلاء وأولئك وأن تندفع الجماهير لممارسة إرادتها في المقاومة والوحدة كما تشاء دون وصاية من أحد.. عندها لن تجد من يطرح صراعاً بين العروبة والإسلام.. وعندها فقط ستلوح بشائر النصر المبين.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home