Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

السبت 13 فبراير 2010

أوهام السلام

د. مصطفى الزائدي

تعاني الأمة منذ عقود طويلة من النتائج الخطيرة لما سمّي بمسيرة السلام، التي أطلقها السادات على سياسة الإستسلام التي انتهجها.. ولا ندري هل كان يدور في خلده عندما أطلق هذا المصطلح اللعين أن الأيام ستكشف كل شيء.. وأن النتائج ستكون بهذا الحجم الهائل من الدمار الذي لحق كل شيء.. وإن الآثار الناجمة عن رحلته الخيانية القصيرة التي قطعها بين القاهرة وتل أبيب عاصمة الكيان الغاصب امتدت لكل هذا الزمن.. وأن الهالة الإعلامية الضخمة التي أحاطتها بها وبشرت الناس بالخير والراحة والتقدم والأمن والاستقرار ذهبت مع الريح؟. مسيرة السلام المزعوم التي توجها اتفاق أوسلو الذي دبر في غرف مغلقة بليل كالح السواد.. رغم بياض أيام النرويج الصيفية.. وأريد له أن يكون المسمار الأخير في نعش المقاومة والصمود وجيء بكلينتون وزوجته إلى غزّة ليوزع ابتسامات الأمل الكاذبة التي تبخرت مع السنين الطوال.. وليروج إلى فكرة التعايش مع العدو.. فكان مصيره الدفن في مقبرة اسطبل داوود بعد أن تمزقت أوراقه.. واختلطت حروفه مع دماء الصامدين المجوَّعين المحاصرين في غزّة.

المؤسف أن النظام العربي الرسمي والمثقفين والسياسيين العرب، إضافة إلى دعاة المشروع الغربي في منطقتنا، المروجون لبضاعته الفاسدة في أسواقنا.. تحدثوا عن السلام أكثر من حديثهم عن المواجهة.. طبلوا وزمروا.. فلم تخلو خطبة أو مقالاً أو حديثاً من التبشير بفوائد السلام المزعوم.. اسقطوا من دفاترهم.. وأوراقهم شعار ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها الذي لم يمكث سوى بضع سنين لتحل محله دعاوى السادات المنمقة حول السلام.. وسلام الشجعان.. والتعب من الحرب والمواجهة.. ودولة القانون.. ودولة الإيمان وما إليها من كلمات بلا مضمون.. كان يقول: إن الوصول إلى السلام أمر حتمي لا يحول دونه سوى حاجز نفسي سينهار على عجل.. أجبر النظام العربي المهزوم نفسياً ومادياً على تبني ما أسموه استراتيجية السلام.. تسابقوا في التطوع بعرض المشاريع العديدة دون أن تلقى من العدو آذان صاغية لهم.. على العكس تماماً استمر في التعبئة وشن الحروب.. فما خاضه العدو من معارك هي أكثر بكثير من تلك التي خاضها عندما كان العرب يقولون لا صلح ولا اعتراف.. في زمن مسيرة السلام احتل بيروت.. واستوطن الضفة وغزّة.. وهوّد القدس وفرض الإتفاقات مع الأردن علناً ومع الخليج ودول عربية أخرى سراً.. تجول ساسته في كل العواصم بدون استثناء إلا ما ندر.. ملأت بضاعته الأسواق العربية وتحولت المطالب المشروعة في تحرير فلسطين من النهر إلى البحر إلى استجداء لدويلة معزولة عزلاء ¾ سكانها من المستوطنين تقام على أقل من عشر الأراضي التي احتلت عام 1967.

استبدل شعار العودة التامة للاجئين إلى البحث عن حلول حياتية يومية لمعالجة أوضاعهم الإنسانية.. سقطت دعاوى طرد الغاصبين القادمين من وراء البحر وتبدلت إلى نداءات خجولة لوقف مؤقت للاستيطان لمدة 3 أشهر على الأكثر ليتمكن المفاوضون على لا شيء ولأجل لا شيء من الجلوس على طاولة المفاوضات.. فلابد من الاستمرار في مسرحية المفاوضات ليسهل التمكين للعدو في الأرض. ولتجد دعاوى السلام مبرراً لاستمرارها.

استبدل مبدأ عدم الإعتراف بالأمر الواقع بشعار الواقعية السياسية وضرورة الجلوس مع العدو واستدرار عواطفه للوصول إلى الغايات والأهداف.

والأنكى من ذلك تحول شعار قومية المعركة من أجل تحرير فلسطين إلى دعم عربي للوجود الصهيوني على أرض فلسطين.. جرّمت المقاومة ووضعت في ميزان الإرهاب ووضع الجلاد في مستوى واحد مع الضحية من حيث المسؤوليات والاستنتاجات.

استبدل الموقف الشعبي والرسمي العربي بدعم الشعب الفلسطيني وتسليحه بنداءات خجولة لتقديم بضع أطنان من أغذية فاسدة أو أدوية منتهية الصلاحية أو قطع قماش بالية علها تأوي الأطفال المحاصرين حتى الموت في غزّة والضفة.

غُض النظر عن تحرير فلسطين وعودة اللاجئين واستعيض عنها بشعار تحرير المقدسات الإسلامية التي لم تعدو خطابات جوفاء عن المسجد الأقصى ودعوات خافته إلى حماية وتدويل بضع مترات مربعة فوق سطح الأرض حيث الحرم القدسي.. أسقطت المطالب بالمساجد والكنائس في فلسطين.

العدو يمارس كل أصناف الغطرسة والظلم ضد المواطنين العزل التي ليس أقلها منع المصلين تحت سن الأربعين من أداء الصلاة في الأقصى وفرض ذلك أمراً مقبولاً مسكوتاً عنه.

لعل أكثر النتائج كارثية لما سمي عملية السلام تلك استقبال المجرمين الصهاينة في أغلب البلدان العربية بشكل عادي في إطار التحضر والرقي.. فلم يواجه أي منهم برفض أو غضب أو استنكار أي كان حتى في أحلك الأيام سواداً أيام مذابح غزّة.. وجنوب لبنان وجنين ونابلس التي محيت من الذاكرة.. رغم أن دماء الشهداء لازالت تسيل.

لقد أصبح الحديث في إطار ما يسمى مسيرة السلام يدور حول هوية أشد الصهاينة عنفاً أو اعتدالاً أيهما أفضل مقبولية.. ليفني مدبرة مجزرة غزّة أم ليبرمان مايسترو فرق الموت ضد الشعب الفلسطيني.. بيريز قاتل أطفال قانا الأولى أم باراك قاتل أطفال قانا الثانية.

مسيرة السلام.. هي سبب كل المآسي التي تتعرض لها الأمة.. التي ليس آخرها الغموض وراء اغتيال المناضل المبحوح التي تجنب الإعلام العربي الخوض فيها والتي حدثت في ديار عربية بدوية بعيدة عن فلسطين المغتصبة.. قال لي صديق كيف لبلد عربي مستقل أن يكون ساحة تمارس فيها أجهزة القتل الصهيونية هوايتها المفضلة؟. قلت لنسأل أولاً أين الاستقلال..؟!! إذا كان المستعمر لازال يتواجد بثقافته وشركاته وإرادته السياسية.. فما بالك إن كان متواجداً بقواته العسكرية على الأرض.

السؤال هل نعلن شعار السلام خياراً استراتيجياً أم نعلن أن الحاجة ملحة فعلاً إلى حرب جديدة للتحرير ليس على طريق القاعدة التي انطلقت من رؤية خاطئة؟. بل على طريق حركات التحرر الوطنية التي قاومت المستعمر.. الدعوة موجهة أولاً إلى الحكام العرب وثانياً إلى الجيوش العربية وفي الأساس إلى الجماهير العربية... بالرغم من أن الكثيرين يرون في النظام العربي السائد استمراراً مادياً للنظام الإستعماري رغم حالة التحرر الظاهرة ورغم وجود مؤسسات شكلية تبين أن الدول العربية مستقلة سياسياً واقتصادياً.

لكن واقع الحال يؤكد أن النجاحات التي تحققت بفعل حرب التحرير التي سالت فيها دماء غزيرة قد سرقت.. وعاد المستعمر من النافذة بعد أن طرد من الباب.. معركة التحرير القادمة لا تستلزم الكفاح المسلح بل تتطلب الدعوة المدنية السلمية للجماهير العربية للاشتراك في المعركة.. تحرير فلسطين يبدأ من سيطرة العرب على إرادتهم السياسية وهذا لن يتأتى دون ثورة شعبية حقيقية تمكن الشعوب العربية من ممارسة السلطة مباشرة دون نيابة أو تمثيل.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home