Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الأحد 12 يوليو 2009

العرب تناقضات وطموحات

د. مصطفى الزائدي

الوطن العربي غني بكل شيء .. بالبشر والموارد.. بالتاريخ والحاضر.. انه نموذج لأشياء متعددة ومختلفة.. فهو الوحيد بين بقاع الأرض قام أهله بالدفاع عنه بالدم.. فخاضوا المعارك الطاحنة من اجل تحريره من براثن الاحتلال الأجنبي .. تؤكد ذلك نظرة على وسائل التعامل مع الاحتلال الأجنبي في أماكن عديدة حيث المقاومة المسلحة حتى التحرير كانت السمة السائدة للمقاومة في هذه المنطقة من العالم دون غيرها .. دفع العرب أثماناً باهظة في سبيل الحرية الحرية.. فالأرض العربية زاخرة بالشهداء .. مليئة بالقيم.. منها انطلق شعار المقاومة حتى النصر الحاسم.. ذلك أنها تعرف أن المستعمر لن يخرج من تلقاء نفسه.. ولا مفر من طرده بالقوة .. وانه يمكن أن يبدل جلده ويغير لونه ليؤمن لنفسه البقاء بأسماء وعناوين متغيرة ومتجددة أطول فترة ممكنة.. فأصبح الوطن العربي ساحة صراع متصل ومتواصل بين مشاريع الاحتلال والهيمنة وإرادة المقاومة والنزعة إلى الحرية.. فاكتسب ريادة شعوب الأرض قاطبة واستحق عن جدارة قيادتها في معركة التحرير..

منه تنطلق بشائر الأمل إلى العالمين بان عمر الظلم قصير وان طال.. وإلى أرضه يتوافد المتطلعون للحرية اللذين يرفضون الذل والخنوع.. لتعلم فنون إدارة الصراع والتدرب على أسلحة المقاومة واكتساب مهارات العراك العسكري والسياسي .. من بين ظهرانيه خرج اغلب قادة حركة التحرر في العالم .. فيصدق القول أن اغلب واهم المقاومين للمشروع الغربي في كل وقت ومكان هم صناعة عربية بامتياز..

ومن زاوية أخرى عند قراءة الوطن العربي نجده يزخر بأشد الأنظمة تخلفاً ودكتاتورية على الإطلاق.. فيه تنتشر علناً المؤسسات والهيئات التي تعمل على استمرار التبعية وتروّج لمشاريع المستعمر دون خجل أو حياء.. به تختلط الأحداث والأمور وتتعقد إلى درجة يصعب على الكثيرين فهمها..حيث تختلط فيها مفاهيم محددة معانيها لغة.. واضحة معالمها ممارسة.. وعلى سبيل المثال فالخيانة والوطنية قد تتداخل.. فيحاول البعض تشويه مفهومها.. فالخونة بكل ما تحمل الكلمة من معاني.. هم عناصر وطنية عند البعض.. والمدافعون عن حرية الوطن والأمة المقاتلين في سبيلها خونة وعملاء عند البعض الآخر.. الوطن العربي من أغنى بقاع العالم ثروة ... وله تنسب قلة من أكثر أثرياء العالم جمعاً لأرقام الأموال.. وبه يعيش أفقر سكان الأرض .. منه تنطلق صيحات الحرية .. وبه يقبع الآلاف في السجون والمعتقلات .. به ملايين المثقفين والعلماء والمبدعين.. ويستجدي مئات التافهين لتقديم المشورة والمساعدة في التخطيط للتنمية.. من بين أهله ملايين العاطلين عن العمل ويؤمه ملايين آخرين يطلبون العمل فيجدونه بكل سهولة ويسر...

الوطن العربي تتطلع إليه الشعوب لقيادتها ومساعدتها.. فيدير ظهره لها .. ويلهث خلف المستعمرين ... يعرض خدماته بثمن بخس.. في بعض الأحيان يخيل للمرء أن الأمور شديدة الغموض والتداخل.. لكن التمعن في بواطنها تجعل الأشياء واضحة جلية... الإشكالية الأساسية أن الوطن العربي لازال يخوض معركة التحرر في كل جوانبها التعبوية والحربية والثقافية.. وفي ذات الوقت يحاول بناء التنمية والتقدم والنهوض ..فكان لابد من الاستعانة ببعض المشروعات الجاهزة في محاولة لتجاوز عقدة الوقت .. ربما أدى ذلك إلى الوقوع في شرك أهمية المستعمر .. وبرر الحاجة إلى ضرورة استمرار علاقة السيطرة الأجنبية لضمان النجاح في ما سمي مسيرة الاستقلال الوطني.. التبعية أمر مفروض على الوطن العربي وهي ليست نتاج اختيار داخلي لأي من مكونات الأمة... هي حالة طارئة ووقتية.. ودليلنا أن مقاومة التبعية بمختلف أشكالها تتصاعد كل يوم.. ولم يتمكن المستعمر بمختلف وسائله وتعدد أدواته ولأكثر من نصف قرن بعد الاستقلال الشكلي من تامين ارتباط حقيقي بينه وبين الوطن العربي.. على خلاف كل بقاع الأرض الأخرى ... حيث تمكن المستعمر من النجاح في أحداث تبعية حقيقية للدول التي كان يستعمرها بفرض لغته وثقافته وربطها سياسياً واقتصادياً بمؤسساته.. أن العالم مقسم من الناحية الواقعية إلى فرانكفونية وانجلوفونية .. أي بين القوة الاستعمارية السابقة .. يعززه ارتباط تام وشامل بسياسة هذه الدولة وتلك وارتهان كامل لإرادتها .. وسيطرة مطلقة لشركات معدودة منها على اقتصاديات الدول المُستعمَرة.

أرى أن الوطن العربي تمكن نسبياً من تجاوز محنة فرض الهوية الثقافية .. وتمكن من تجاوز فتنة الصراعات الإثنية ..وسيتجاوز بالتأكيد مؤامرة قداسة الحدود الوهمية التي رسمتها خطة سايكس بيكون .. المصممة في الأساس لضمان استمرار هيمنة الدول المستعمرة على الأرض العربية .. ويقاوم مشاريع التغلغل الثقافي التي تروج إلى استمرار الدور الاستعماري بواجهات جديدة... وتحت مسميات مؤسسات المجتمع المدني حيث يعمل دعاتها على تدمير البنية الاجتماعية الراسخة في الوطن العربي واستبدالها بمكونات اصطناعية في إطار التمدين والتماشي مع السائد في العالم.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو حول قدرة الوطن العربي الرافض المقاوم على الصمود.. وحول إمكاناته في ظل المعطيات القائمة على تحقيق اختراق مهم في مواجهته القاسية مع العدو.. الذي يستخدم كافة الأسلحة.. العسكرية والثقافية والدعائية والاقتصادية.. العدو الذي يقاتل مباشرة بجنوده وعتاده .. وبشكل غير مباشر عبر ممارسة التدمير والتهيئة له بواسطة عملائه وأدواته الذين ينشرهم ويغدق عليهم بدعم مادي لا محدود.. الإجابة ليست من السهولة بمكان ليقدمها المرء دون تروي.. أنها تتطلب دراسة للتاريخ.. ومراجعة للأحداث.. وقراءة للواقع ..انطلاقاً من استشراف المستقبل.. غير أن نظرةً عابرة على الأحداث وتبعاتها وقراءة في أسباب الهزائم المتتالية التي تلحقها المقاومة بالعدو ربما تبين أن هذا الوطن العربي سيتمكن من التغلب على أعدائه.. وستتاح له فرصة لنشر قيمه الحضارية الإنسانية بديلاً لحضارة المستعمر. . التي تدمر الأرض وتهلك النسل .

إلى لقاء ..

بقلم / مصطفى الزائدي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home