Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الأحد 11 اكتوبر 2009

تساؤلات حول تقرير جولدستون

د. مصطفى الزائدي

جولدستون لم يقل كل الحقيقة.. حاول تغطية أشياء بأشياء أخرى.. ساوى بين الضحية والجلاد.. بين من يطلق بضع صواريخ محلية الصنع لرد المغتصبين الذين احتلوا منازل المواطنين وشردوهم من ديارهم.. وبين من يستخدم الدبابات والصواريخ والأسلحة الكيماوية والفسفورية وربما الأسلحة البيولوجية والنووية لقتل النساء والأطفال والشيوخ.. يساوي بين من يواجهون بصدورهم العارية قذائف العدو وصواريخه وقنابله العنقودية والنارية الفسفورية.. وبين من يتمترسون خلف الحصون والدروع.. ويستخدمون الأطفال الأبرياء دروعاً بشرية.. من يعدمون أسراً بكاملها وهم يبحثون عن مقاوم ما.. يساوي بين من أطلق بضع عشرات من تلك الصواريخ التي ربما بثت الرعب في نفوس المعتدين لكنها لم تترك أي دمار مادي يذكر.. ولم تقتل أي نفس.. وبين من أحرق الأخضر واليابس.. من قتل عشرات آلاف الناس.. وشرد مئات الآلاف.. من دمر كل المباني على رؤوس الأبرياء.. هدَّم المنازل والمدارس والمساجد، ومقار الأجهزة المدنية، ومقار المنظمات الدولية... قوس النار كان يأتي على كل شيء.. حي أو جماد.
ورغم أن تلك المساواة لا تأتي تحت أي مبرر من ناحية القانون الدولي ولا المنطق الإنساني ولا التقييم الأخلاقي.. ورغم كونه تقريراً مجحفاً بكل ما تحمله الكلمة من معاني إلا أن العالم ألقى بتقرير جولدستون في سلة المهملات.. وكان العذر أقبح من الذنب.. العذر أن السلطة الفلسطينية سحبت طلبها بالتصويت على التقرير في مجلس حقوق الإنسان.. وكأنَّ السلطة الفلسطينية هي التي أوعزت بإعداد ذلك التقرير وهي من أودعته أروقة ذلك المجلس.. وهي من يقرر ما يتخذ بشأنه من إجراءات وكأن العالم يستجيب عن طيب خاطر لكل مطالبها ومتطلباتها.
السؤال المطروح من الجميع حتى الأطفال لماذا قبلت السلطة الفلسطينية التي يفترض أن تكون سلطة للشعب الفلسطيني معبرة عن إرادته وآماله.. وحقوقه.. لماذا قبلت سحب التقرير من مداولات المجلس.. وطلبت تأجيل التصويت عليه إلى شهر الربيع القادم.. وماذا سيستجد في الربيع القادم حتى تجد التبريرات التي ساقتها السلطة الفلسطينية آذاناً قد تستمع إليها..
لكن السائلين تناسوا بديهيات عديدة منها؛ إن تلك السلطة الفلسطينية هي في حقيقة الأمر سلطة وهمية.. لا وجود لها في الواقع فهي أحد مظاهر اتفاقية النرويج المشبوهة التي دُبِّرت بليل لتحجيم الحقوق الفلسطينية المشروعة في العودة والاستقلال والحياة الحرة الكريمة والمساواة باعتبار أن الشعب الفلسطيني هو الشعب الوحيد في العالم الذي لازال يخضع تحت وطأة الاستعمار الاستيطاني، في وضع مشابه تماماً للاستعمار الاستيطاني في الجزائر وتونس وليبيا والذي خرج إلى غير رجعة، وهي اختراع شيطاني لشمعون بيريز للقفز فوق المطلب العالمي الملح بضرورة إيجاد حل عادل لقضية الشعب الفلسطيني المشروعة بعد الحماس الكبير الذي شهده العالم في ذلك الوقت لما سمي بقضية تحرير الكويت.
والسلطة الفلسطينية ودونما الحاجة للتعرض لرموزها وقياداتها، هي ولادة مشوَّهة لتلك الاتفاقية المطعون فيها أصلاً، فهي ليست نتاج ممارسة ديمقراطية حقيقية للشعب الفلسطيني ولا تعبر عنه، ولا تمتلك الوسائل والإمكانات على الأرض لتحقيق أي من أهدافها المعلنة، ولعل الصراع العلني الدائر في فلسطين بين القوى التي تدعي قيادة الشعب الفلسطيني والسلطة يبين أنها تعبر عن رأي أقلية ضئيلة داخل فلسطين ربما ترتبط مصالحها الشخصية بمصالح الكيان الصهيوني..
السائلون تناسوا أيضا أن العالم الذي تسيطر عليه حكومات تدار من وراء ستار بواسطة مؤسسات تهيمن عليها الدوائر الصهيونية التي تمكنت من استغلال مآسي الحرب العالمية الثانية، وتسللت إلى دوائر صنع القرار في الدول المنتصرة في الحرب وتمكنت من تعزيز وجودها وفرض إرادتها حتى صارت الحكومات الغربية ذات السطوة والنفوذ على كل دول العالم تقريباً.. تعمل فقط لتأمين حماية مصالح الكيان العنصري في فلسطين، وأن تلك الحكومات لن يسمح لها تحت أي ظرف أن تسجل إدانة ولو شكلية للمؤسسة الإرهابية في دولة الكيان الصهيوني المغتصب، أو أن تمرر أي قرار ولو شكلي ضدها..
والسائلون ربما تناسوا أن المنظمات الدولية بكل أشكالها الرسمية وغير الحكومية تقع بالكامل تحت سيطرة المؤسسات الصهيونية تأتمر بأمرها وتعمل لخدمة أهدافها.
ومن هنا فمن السذاجة التوقع أن تتخذ تلك المنظمات الدولية موقفاً قد يعرِّض مصالح الكيان الصهيوني للخطر مهما كان ضئيلاً.. ذلك أنهم يعرفون أن أي شيء مهما كانت بساطته قد يؤدي إلى تدمير ذلك الكيان الضعيف، سواء كانت صواريخ القسام بدائية الصنع، أو صواريخ المقاومة اللبنانية حديثة الصنع أو تظاهرات الأطفال العزل في الانتفاضات المتتالية، أو إشارة ولو على خجل في تقرير جولدستون، ذلك أن الكيان الصهيوني كيان ضعيف وهن هش.. يتصدع بمجرد اللمس.. وهو قاب قوسين أو أدنى من الانهيار والتلاشي.. ما في ذلك شك..
مهما كانت الأسباب فان تقرير جولدستون لن يجد طريقاً للمناقشة على الصعيد الإعلامي البحت، ولن تجد أياً من الاقتراحات الواردة فيه طريقاً إلى التطبيق عدا تلك المتعلقة بإرهاب الشعب الفلسطيني..
ببساطة لأن الأمر برمته يتعلق بأمن الكيان الصهيوني، ذلك الأمن الذي لا يتردد رئيس أي دولة في الغرب بالتبجح بالتزامه التام والدائم في الحفاظ عليه، على خلاف المنطق الذي يفترض أن أي رئيس دولة في العالم لا يلقي اهتماماً بأمن الدول الأخرى، بل يهتم بأمن بلاده، لكن الاستثناء الوحيد هو أمن الكيان الصهيوني، فكل المسئولين في الدول الكبرى لابد وأن يعلنوا وبشكل مستمر ودائم التزامهم التام بأمن الكيان الصهيوني.. هنا مكمن الداء.. وهنا مربط الفرس.. أمن الكيان الصهيوني هو أمن كل المؤسسات الحاكمة في العالم، هذا ليس لغزاً.. بل حقيقة.. السؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح تام.. هو عن ماهية ارتباط أمن الكيان الصهيوني وأمن النظام السائد في العالم.. وبمعنى آخر: هل سينهار النظام العالمي الحالي عندما تنهار دولة الكيان الصهيوني عما قريب؟؟.. وهل يساهم حجب مناقشة تقرير جولدستون في تأجيل ذلك الانهيار ولو إلى حين؟.. سؤال لن نجد عناء في الإجابة عنه..
وإلى لقاء...


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home