Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الثلاثاء 11 مايو 2010

انتخابات بريطانيا
مزحة براون..وحزب الأغبياء

د. مصطفى الزائدي

قد لا يتوقع الكثيرون وجود حزب سياسي رسمي في بريطانيا يطلق عليه اسم حزب الأغبياء.. يتكون من المهرجين والهزليين.. مهمة أعضائه السخرية من السياسة البريطانية.. وتقوم دعايته على التهريج.. وقد شارك الحزب في كل الانتخابات البريطانية طيلة العقود الماضية.. منذ تأسيسه في بداية الخمسينيات بواسطة اللورد ساتش الذي تزعمه حتى نهايات القرن الماضي، وانتقلت القيادة بعده إلى ألان هوب.. ولا يزال يخوض غمار المعارك الإنتخابية الضارية... يشد انتباه كثير من الناخبين الذين ملّوا مشاهدة طقوس الإنتخابات التقليدية وملّوا ألاعيب السياسيين وأكاذيبهم وسئموا من المشاركة فيها.

يتخذ حزب الأغبياء من السخرية إطاراً عريضاً لدعايته، يقدم السياسة والسياسيين في صور تهريجية كاريكاتيرية.. وبالرغم من عدم تمكنه من حصد أصوات كافية تؤهله للدخول إلى دواليب مؤسسات الدولة، إلا أنه نجح في لفت أنظار المتابعين إلى أن شيء هزلي ما يجري.. وأن نتائج الإنتخابات لن تغير السياسة في بريطانيا.

عندما اكتسحت المرأة الحديدية قاتلة الأطفال مارجريت تاتشر الإنتخابات البريطانية عام 1975 ف .. وحققت فوزاً تاريخياً للمحافظين.. وتمكنت من تشكيل الحكومة البريطانية كما تريد وأحكمت السيطرة التامة على كافة أدوات التشريع، توهم بعضهم أن بريطانيا جديدة بدأت تتشكل، وأن سياسة أخرى مختلفة آخذة في الظهور، وأن أحلاماً حول الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس قد تعود، وأن صورة الملكة فيكتوريا تتكرر من خلال صناديق الإقتراع.. لكن الزخم الدعائي والهالة الإعلامية التي أحيطت بها تلك المرأة سرعان ما اضمحلت وظهرت تاتشر على حقيقتها.. خادم مطيع لذلك الممثل المجنون القابع حول منصة إطلاق الصواريخ خلف المحيط.. يأمر فتنفذ ويقول فتردد.. وأجبرت على المغادرة المبكرة حفاظاً على بعض من ماء وجهها... دفعت بأحد أتباعها المغمورين جون ميجور للقيادة، لكنه لا يمتلك القدرة والشجاعة على تغيير الأحداث.. فاستمر مخلصاً في تنفيذ أوامر الساكن الجديد للبيت الأبيض... أدخل بريطانيا العظمى سابقاً في أتون حرب خاسرة، ودفع لأول مرّة منذ عدة عقود بآلاف الشباب الإنجليز لمواجهة الموت من أجل أوهام شيطانية.. كان ذلك سبباً قوياً لسقوطه المروع أمام الإكتساح التاريخي لحزب العمال بقيادة توني بلير.. يومها انحبست الأنفاس ورسمت صورة خيالية لهذا القادم الجديد.. الخطيب المفوّه.. المحامي الشاب توني بلير وكأن بريطانيا ولدت من جديد، وأن زعامة أوروبية ظهرت وأن فصولاً جديدة في التاريخ ستدون.. لكن الضوء خفت مبكراً.. وأرغمت الأحداث الرجل على الظهور بحقيقته... فبان أن لا شيء تغير رغم بلاغة الكلام ونارية الخطابات.. لا زالت بريطانيا تدور في فلك سياسة القطب الأوحد.. وصار الشاب الثائر تابع مطيع للسيد الأول خلف المحيط، بل ربما ذهب إلى أبعد من ذلك فمدّه بالنصح.. وجرجره إلى العدوان.

اليوم يتكرر نفس المشهد بنفس السيناريو، وإن اختلفت الأسماء والمسميات وزادت أو قلت نسب الفائزين في الإنتخابات.. ها هم المحافظون يكتسحون الإنتخابات تماماً كما ظهر في تقارير سبر الآراء المسبقة.. والعمال يخسرون.. الأحرار قادمون.. هل من نهاية قريبة لهذا المسلسل الممل.. لماذا يجبر الناس على مشاهدة نفس المسرحية عدّة مرات.. حيث لا مجال للخروج على النص فهو ثابت دائماً حتى وإن تغير الممثلون.. وهل من بصيص أمل أمام حزب مغمور كحزب الأغبياء ليساهم في صياغة مختلفة لسياسة بريطانيا.. فلربما يقدم على أمر جدي وجاد.. لو أتيحت له فرصة مناسبة، رغم هزليته من حيث الحجم والمضمون..

كثر هم من راهن على أداء السيد نيك كليغ زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار مستندين إلى حالة النجاح الإعلامي الذي حققه، توقعوا أنه وحزبه قد يجتاز العقبة ويدخل إلى قمة السياسة البريطانية من أوسع أبوابها، الأغلبية الساحقة، لكن شيئاً من ذلك لم يقع.. وبقيت التوقعات مجرد حروف على صفحات الجرائد وكلمات ذهبت مع الريح.. إذ أن ما يحدد النتائج أمور لا نعلمها ليس من ضمنها وضوح السياسات.. وشخصية القيادات ورصانة البرامج.

من سوف يشكل الحكومة البريطانية القادمة؟؟.. سؤال يشكل أرضية خصبة ومادة هامة للتناول الإعلامي.. فهو زاد المحللين والمحققين ومعدي البرامج وهو صلب التقارير.. وهو النبأ الأهم في كل الأخبار.. الذي سوف يستمر إلى حين.. لكن الثابت أن السياسة البريطانية الداخلية والخارجية لن تتغير.. لأن حكومة ما.. تقبع في الخفاء.. لا يراها الناس... هي التي تدبر كل أمر.. وتسرب كل خبر.

في بريطانيا نموذج الديمقراطية الأول في العالم، تتكون السلطة التشريعية من مجلس للعموم.. ومجلس آخر للوردات يتشكل بتعيين كل أعضائه دون استثناء.. منهم المحظوظون الذين ينالون ثقة الملكة التي تملك ولا تحكم!!!... وآخرون هم ورثة طبقة النبلاء... لو سألت الكتبة والمحللين السطحيين خاصة أولئك المنبهرين بالديمقراطية البريطانية... هل يوجد اليوم في بريطانيا أو غيرها طبقة للنبلاء.. يحق لها أن تفرز مندوبيها إلى مؤسسات الحكم.. فإن النفي القاطع سيكون دون تردد الجواب!!.. فهم يتوهمون أن مساواة إلى حد كبير قد تحققت بين الناس في ذلك العالم الذي تشكل معالمه الأضواء الكاشفة وصخب الحانات والمراقص وضجيج المهرجين من كل الأصناف..

ومن نافلة القول التذكير بأن لمجلس اللوردات القول الفصل في كل شيء.. فلا تشريع قانون كان.. أو قرار أو لائحة يمكن أن يصدر دون بصمته.. وإن مجلس العموم لوحده لا يستطيع أن يغير أي أمر مهما حمى وطيس المعركة الإنتخابية، ومهما كانت نتائج الإنتخابات ومهما كانت سخونة وحدّة المناقشات.. ومهما علا الصراخ وارتفعت الأصوات.. ومهما تغير السياسيون فالسياسة ثابتة لا تتغير..

ولأن المزاح دائماً سيد الموقف في الإنتخابات البريطانية وغيرها فلقد حاول جوردون براون أن يدخل الدعاية من بابها الواسع فجاء بإعلاميين حرفيين للإشراف على حملته انطلاقاً من أهمية استخدام كافة الأسلحة لكسب الأصوات.. فالغايات تبرر الوسائل.. طلب براون من منظمي حملته ترتيب لقاء في الشارع حتى يظهر وهو يتحدث بعفوية مع المواطنين يشاركهم همومهم.. ويسألهم آراءهم فيراه الناس رجلاً متواضعاً يتحدث مع الجميع دون حواجز.. ورغم دقة التنظيم وحبكة الإخراج إلا أن الرياح أتت بما لم تشته حملة براون.. فكان لقاء مع سيدة ما.. لم تنجح براعة المخرج الإعلامي وحرفيته في منع المرأة المسكينة من الإنسجام في دورها على ما يبدو.. وطرحت أسئلة صعبة بخصوص المهاجرين.. لم يكن السيد براون يريد لها أن تطرح.. فصب جام غضبه على منظمي اللقاء.. ومما زاد الأمر سوءاً.. وعكر أجواء الحملة الإنتخابية أن أولئك الحرفيين الإعلاميين نسوا جهاز الإرسال المعلق في مكان سري من سترة جوردون براون أو لم يحكموا إغلاقه.. فظل ينقل الحديث عبر الهواء مع أنه مخفي لا تراه عيون المشاهدين الواهمين أن ذلك لقاء عفوي مجرد في الشارع للحديث مع الناس وليس للنشر في وسائل الإعلام.. فما إن ركب السيارة حتى بدأ بتعنيف المرافقين بكلام غليظ.. صاباً جام غضبه على من نظم اللقاء مع تلك السيدة الغبية على حد قوله بالحرف الواحد.. الصدمة أن المنافسين كانوا بالمرصاد.. فأعيد بث التسجيل كاملاً عبر الإذاعات والمواقع الإلكترونية لعدّة مرّات.. فكان فخاً حقيقياً ومشهداً مسلياً من مشاهد الحملة الإنتخابية.. جن جنون المرأة.. وأعلنت أنها لم تخرج على النص الذي لقن لها.. واضطر براون للإتصال بها هاتفياً معتذراً.. لكن الأوان قد فات واختلط الجد بالهزل.. إنها مهزلة الإنتخابات.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home