Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الثلاثاء 9 نوفمبر 2010

حديث في الكلمات

د. مصطفى الزائدي

لا شك في أن الكلمة هي المرآة التي يرى منها الناس الآخرين.. وهي مدخل الإنسان للتعامل مع الأحداث.. "تكلم لأراك".. حكمة تعكس بديهية الحياة، فلو لم يتكلم الناس فلن يتعرفوا على بعضهم البعض.. والكلمة هي رأس الحكمة وهي مضمون المناهج كلها.. منها تبدأ الحضارات وبها قد تنتهي.. لولا كلمات الحكماء والأنبياء وكلام الله الخالق الأحد لعم الأرض فساداً مخيفاً.. بعض الناس يتكلمون بما يرغب المستمعون... لا يقولون ما يقدمهم هم للآخرين ليتعرفوا عليهم.

يصف أحد أصدقائي شعوب الصحراء بأنهم عندما يتكلمون يقولون كلاماً ما.. ويقصدون أموراً أخرى غير التي قالوها.. ويتوقعون من المستمع أن يفهم أموراً أخرى تختلف عمّا قالوه وما قصدوه.. ولعل صعوبة الحياة في الصحراء وأجوائها القاحلة تجبرهم على ذلك، حتى إن البعض يقول: إن الرمال المتحركة تدفن معها كثيراً من الكلام الطيب والخبيث.

عندما تكون الكلمة من أجل قضية، فإنها تنزل كالمطر على الأرض القاحلة فتنبت بها العشب.. لأنها كلمة تنبع من الصدق ومملوءة بالصدق لا تطلق عبثاً دون هدف.. إنها درر من أحرف نورانية يراها الأعمى ويسمعها الأصم حتى وإن كانت لا تروق للبعض ممن يسترزقون من قضية ما.

وعندما تكون الكلمة لغاية في نفس يعقوب فإنها تنزل على الأرض الخضراء فتأتي على الأخضر واليابس، إنها سم يُسْكب فيقضي على الحياة.. إنها لا تختلف كثيراً عن محتويات البالوعات... أشياء شبيهة بالوحل يتقيأ بها صاحبها فيمتعض الكل.. يقول ماوتسي تونغ "عندما يهاجمني الأعداء فإنني أشعر بالغبطة لأن خطاً إيديولوجيا فاصلاً يتكون بيني وبينهم فيمنعني من السقوط في الوحل".

الوضوح.. في الأهداف والمقاصد والسبل يتطلب وضوح الكلمات التي تعبر عنها.. أمّا الأمور المضخمة بكلمات جوفاء، فهي تعني مزيد التعقيد وتؤدي إلى الكارثة.. عندما تظهر بين الناس فكرة جديدة تقابل فوراً بالرفض والمقاومة حتى وإن كانت رسالة منزلة من الخالق.. ولحكمة لا يعلمها إلا هو فإنها تواجه بالتشكيك والتسفيه.. تطلق ألسنة عديدة كلمات نارية ضدها وتكتب وتروى أحاديث فجة حولها، لكنها تنتصر وتصبح حقيقة لا يقبل الناس مجرد المناقشة حولها.. التدافع بالكلمات سمة الخلق لا شك في ذلك، لكن عمر الإسفاف جد قصير.. عندما ظهرت الفكرة الجمهورية قبل عقود قليلة كانت مثار سخرية، لكن الأخطر أن ملايين الناس لقوا حتفهم حتى أخذت طريقها إلى العقول ومن ثم إلى الألسن.. من يقبل اليوم مجرد المقارنة بين النظم الجمهورية وتلك الإقطاعية الإستبدادية.. لقد صارت الكلمات التي دافعت عن النظام الإقطاعي البائد مجرد حكايات تروى للتندر.. لعل أكثرها شهرة قولة ماري أنطوانيت للفقراء أن يأكلوا البسكويت بعد تفاقم أزمة الخبز.

الجاهل من يسدد سهامه وكلماته إلى الفكرة الجديدة.. ولنا في الرسول العظيم أسوة حسنة... لقد كان أبو جهل نموذجاً للكلمة الحاقدة.. فصارت الجاهلية تسمية لكل أولئك الذين حاربوا الدعوة الجديدة.. ولأن كثيراً من الجهلة والسطحيين والصيادين المهرة في المياه العكرة سيقولون، ما أعرف أنهم سيقولون، فإني أقول: إن الرسالات الجديدة حتى الوضعية منها يقابلها الجهلة بالمعارضة والتسويف.. ولأن حجتها ومنطقها من القوة بمكان فليس لهم بديل عن القدح والشتم. وهكذا فعلوا مع الرسول العظيم.. فقالوا عنه مجنون وقالوا ساحر وقالوا شاعر.. وهكذا هم فاعلون في كل زمان ومكان لكن التوجيه الرباني للرسول العظيم هو: أن أعرض عن الجاهلين.

الجاهليون يقبلون الهزيمة بسهولة يتشبثون بتحليلات زائفة.. ويتقولون بكلمات جوفاء عساهم يجدوا فيها عزاء.. لكن دورة الحياة تتجه دائماً إلى الأمام وعجلة الزمان لاتدور للخلف.. عندما حاول بعض المنافقين تأليب عكرمة بن أبي جهل ليطلب أن يسمى عكرمة بن أبي الحكم كان رده حاسماً بأنه يفتخر بالاسم الذي أطلقه الرسول على والده، فكان محارباً صلباً في سبيل نصرة الدين الحنيف فكتب مع الشهداء.. مع الصديقين.. إن الأثير مليء بالأحرف والكلمات وبكل اللغات، لكن السؤال يدور حول كم من الكلمات وجدت طريقها عبر الأزمنة إلى الناس وكم من الكلمات كانت هباءً منثوراً..


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home