Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الثلاثاء 9 مارس 2010

جموع وأصوات وتصويت

د. مصطفى الزائدي

في أثينا يجتمع الناس أمام قاعة البرلمان في مشهد يذكِّر بالديمقراطية الأولى.. شعارهم لا.. لقرار البرلمان بفرض مزيد الالتزامات على الشعب لتجاوز الأزمة المالية.. نواب الشعب المفترضون ليسو أمناء حقيقيين على رغبات المواطنين الذين يقفون على حافة الإفلاس.. اخترق صوت العمال أمواج الأثير.. قالوا بوضوح هم من ينبغي أن يدفع الثمن.. أولئك اللصوص الذين اكتنزوا ثروات اليونان لأنفسهم وتركوها على قارعة الطريق تتسول اللئام عساهم يتكرموا عليها بفتات خبز بائت.. هل الشعب أكثر وعياً من النواب؟!!.

في بغداد تفوح رائحة الطبخ الأمريكي للإنتخابات المزعومة تزوير ومزورين في كل الأنحاء.. اكتملت عدّة الشغل.. صناديق بلاستيكية شفافة.. أصابع مغموسة في حبر سري ترفع أمام الشاشات ليصدق الناس أن الإنتخابات ستنال قدراً من النزاهة والشفافية.. صراخ الشعب يخترق الأثير الكل يجزم بأن التزوير قادم لا محالة.

قال أحدهم ماذا لو وزعت هذه الأموال التي صرفت على الحملات الإنتخابية لشراء أصوات الناس على الفقراء والمحتاجين؟. أقسم أن لن يبقى من يتضور جوعاً في بلد الشهداء.. لكن المفوضية المستقلة لها رأي آخر.. لقد أسقطت كل أسماء المستقلين فشملت القائمة أناساً في رأس السلطة.

عندما ذهب الناخبون وجدوا أسماءهم مشطوبة.. صرخوا ألسنا عراقيين.. أليست دماؤنا تروي أرض العراق المجيد.. لكن الكلمة الفاصلة كانت للدستور.

قرأت صفحات من كتاب بول بريمر "عام في العراق".. تأكدت من سبب المأساة التي يعانيها العراقيون.. الرجل قال كل شيء.. فضح الجميع.. وكشف ما تحت الجلابيب والعمائم التي حاول البعض أن يخبئ تحتها قبو إمام قد يحضر متأخراً أو يفتح باباً نحو المنطقة الخضراء.. لكن ضجيج الإنتخابات يملأ الأرجاء.. يصنع أملاً كاذباً.. وتبدأ الحكاية من جديد.. إعادة بائسة لنفس المشهد.

في سرت جلس أعضاء مؤتمر الشعب العام يحيون العيد الثالث والثلاثين لإعلان قيام سلطة الشعب.. اليوم العظيم الذي تجاوز فيه الشعب الليبي مهازل البرلمانات وألاعيب البرلمانيين.. وخدعة الإنتخابات.. اليوم الذي وضع فيه الإنسان الخطوة الأولى في مسيرة الحرية.. حيث الإنسان الفرد الحر.. الجدير بالحياة.. وحيث الشعب السيد مجموع الأفراد لا مغبون ولا مهضوم ولا سيد ولا مسود.

في ليبيا لن يقف أي دجال ليقول انتخبوني أنا أفضل من يمثلكم.. سأعمل لكم وأعمل من أجلكم.. ولأن يجد سماسرة الإنتخابات وسيلة لجمع المناصب وتجميع الأموال.. لن تمتلئ شوارع ليبيا بملصقات تمجد هذا المرشح أو ذاك.. ولن يكون مجالاً لمهرجانات الكذب في الحملات الدعائية الإنتخابية.

في سرت يجلس الأمناء في قاعة مؤتمر الشعب العام يحملون قرارات المواطنين لصياغتها في صورة نهائية.. لن يقف أحد يتبجح بأنه يحمل طموحات الجماهير.. ويسعى لتحقيق آمالهم وأحلامهم.. بل يجتمع المصعدون من قبل الجماهير.. كل يفتح حقيبته.. يقرأ ما قاله الناس العاديون في مؤتمراتهم الشعبية الأساسية.

منتقدو الديمقراطية المباشرة يستندون إلى أمرين أساسيين.. أولهما عدم وجود آلية عملية لتطبيقها.. وثانيهما.. عدم وعي الناس العاديين البسطاء وعدم معرفتهم ومقدرتهم على ممارسة السياسة وإدارة أمورهم وتصريف شؤونهم.. لكن 2 مارس عام 1977 قدم آلية عملية بسيطة قابلة للتحقيق لكيفية ممارسة الديمقراطية المباشرة.. من خلال تقسيم الشعب إلى تجمعات صغيرة يتمكن فيها المواطنون من ممارسة حقهم المشروع في السلطة.. وتكوين لقاءات في مستويات تنسيقية لصياغة ما يتناوله الناس في شكل قرارات وقوانين ورسم سياسات وما إليها.. أمَّا الاعتراض الثاني الذي يقول بعدم أهلية المواطنين العاديين لممارسة حقهم في السلطة والإدارة والتشريع فهو باطل من أساسه، ويمكن دحضه بطرح السؤال المنطقي.. لماذا إذاً هم يستندون إلى وعي المواطن وقدرته ومعرفته على اختيار أدوات الحكم؟.. لو كان المواطن العادي جاهلاً.. بسيطاً عاجزاً فماذا ستكون نتائج اختياره؟؟ إن فكرة الإنتخابات تفترض نظرياً أن الشعوب واعية وقادرة على اختيار حكامها وتقييمهم.. وكل الحملات الإنتخابية تتخذ من ذلك محور دعاياتها ونداءاتها.. الأمر ينبغي أن يكون محدداً.. أبيض أو أسود.. أن يكون المواطن قادراً عل التصرف في شؤونه فيترك وشأنه في ممارسة حقه.. أو أن يكون غير قادر فليترك في شأنه أيضاً، وأن تتكون أدوات الحكم بواسطة القلة القادرة.. ببساطة منظروا المشروع الليبرالي يوقعون أنفسهم في تناقض صارخ لابد من التعامل معه.

لو صدقنا ما يقوله جميع السياسيين على مختلف عقائدهم في أنهم إنما يقدمون أنفسهم لخدمة الشعب ويقسمون على رعاية مصالحه العليا فلماذا لا يسمحون للشعب أن يخدم مصالحه بنفسه؟. عندها سيقدم لهم الشكر والتقدير وتدرج أسماؤهم في قوائم الشرف.

المسألة الأخرى التي يطرحها الثاني من مارس هي أن الديمقراطية الحقيقية وحدها تمكن من التعايش السلمي بين الأفراد والمجتمعات.. فلقد وضعت النظرية الجماهيرية الفرد وحريته وحقوقه ومصالحه في موضعها الصحيح فلم تقدمه مجرد مصاص دماء يبحث عن الفرصة ليستحوذ على ما لدى الآخرين كما هو في النظام الرأسمالي.. ولم تبقه جملة خطابية جميلة عن الشعب والجماهير كما هو واقع الحال في الأنظمة الشمولية.. الشعب ليس سوى مجموع أفراد.. وسلطة الشعب نقلت السيادة إلى كل فرد من أولئك الأفراد.. سلطة الشعب تعني سلطة كل الأفراد أي أن يمارس كل فرد حقه كاملاً في التصرف في شؤونه ويشارك مع الآخرين من خلال النقاش والحوار في صياغة آليات التصرف في شؤونهم الجماعية.. في النظرية الجماهيرية الفرد دولة في حد ذاته.. والمؤتمر الشعبي يمثل ائتلاف دول الأفراد الأحرار.. في داخل قاعة المؤتمر الشعبي تطرح الآراء وتقارع الحجة بالحجة ليتوافق الناس على أمر ما.. التوافق هو سمة الديمقراطية الشعبية المباشرة وهو عملية طوعية من كل فرد نتيجة حوار ونقاش ومن ثم اقتناع.

ذلك يفضح الدعاية الزائفة للديمقراطية الغربية التي تدعي حرية التعبير وحق طرح الآراء وفكرة الرأي والرأي الآخر.. في واقع الحال الديمقراطية الغربية تقوم على الرأي الواحد.. وعلى توحيد السلطات وعلى أن السلطة سلطة والمعارضة معارضة حتى انتهاء الدورة الإنتخابية.. من لهم الأكثرية التسلطية.. ومن منهم الأقلية الرافضة والمعارضة هم قوة ثابتة لا تتغير إلا بانتخابات جديدة يسمح للناس خلالها من التعبير بإلقاء ورقة في صندوق بلاستيكي.

في واقع الحال الانتخابات عملية تكميم قسري للأفواه حتى وإن سميت مجازاً تصويت.. في سلطة الشعب يتفق الأفراد ويختلفون حول أمر ما.. لكن الأغلبية والأقلية ليست ثابتة بل متغيرة.. أساسها قناعات الأفراد واهتماماتهم ومصالحهم وتنتج عن عملية حوار ونقاش وجدل قد يكون حاداً ومطولاً.. فمن يضمن حرية التعبير إذاً ؟؟.

إن أثينا وبغداد وسرت شواهد حية على أن العالم يبحث عن نظام آخر جديد وبديل.. فمهما كانت حملات الدعاية وجعجعة الإعلام وأكاذيب السلطويين.. فلن تستطيع أن تخفي حقيقة الأشياء إلى الأبد.. اليوم القادم يوم للحرية ما في ذلك شك.. والثاني من مارس سيكتب في تاريخ الأمم يوماً مشهوداً.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home