Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الثلاثاء 5 اكتوبر 2010

المجتمع المدني الحقيقي

د. مصطفى الزائدي

صاحب العلة توخزه مرافقه.. مثل شعبي لا يحتاج مني لشرح أو توضيح لتبيان حالة بعض من الذين علَّقوا على ما كتبناه عن المجتمع المدني.. من حقهم أن يفهموا كما يشاءون، لكني لم أقصد التعرض لأحد، إنما أوردت بعضاً من جوانب المجتمع المدني المطروح التي لم ينكروها في ردودهم.. واستعاضوا عن ذلك بالتسطيح والقدح وترديد اسطوانة مشروخة عن الإقصاء والتخوين.. أنا أعلم علم اليقين أنهم لا يستطيعون تغيير معاني المصطلحات كما يشاءون.. لأن ما ذكرناه من طبيعة المجتمع المدني الذي يراد فرضه.. فهو لا يعني على الإطلاق الجمعيات الخيرية الأهلية كجمعيات رعاية المكفوفين والأيتام وجمعيات البر والإحسان، ولا حتى جمعيات حقوق الأفراد والحيوان، ذلك أن المجتمع الغربي صاحب المشروع لا علاقة له بالبر والخير والشفقة والرحمة، فهو مجتمع الشر.. يتولى قيادته الأشرار.. هو مجتمع تحسب فيه أعداد الجرائم بالثواني وليس بالساعات، مجتمع يزني فيه الأب مع ابنته والابن مع أمه ويقتل فيه الأخ إخوته.. ينام فيه ملايين البؤساء في الشوارع في وقت تهدر الأموال الطائلة في سبر غور المريخ وبلوتو، وتحرق مليارات الدولارات في جبال تورا بورا وصحراء الرمادي لإشباع نزوات شيطانية.. المجتمع المدني الذي يعنونه هو الذي أطلق منه رامسفيلد مسمى حرب تحرير العراق على عملية غزوه وتدميره.. وكان أعوانه من "الشلبيين" يتصدون لكل من يحاول أن يفضح ذلك ويتهمونه بالدفاع عن الدكتاتورية والشمولية والمقابر الجماعية، والنتيجة المؤلمة هي عراق اليوم الذي قتل فيه أكثر من مليون وشرد منه أكثر من ستة ملايين ودمر فيه كل شيء.. المجتمع المدني الذي يعنونه هو الذي أعلن فيه بوش الحرب على الإسلام تحت ذريعة محاربة الإرهاب.. فدمر بلاد المسلمين وأرعب العباد في كل مكان، في وقت لم يطلق فيه كلمة واحدة ضد الإرهاب الحقيقي الذي تمارسه العصابات الصهيونية في فلسطين وخاصة في غزة وفي لبنان، ولم يتجرأ الغرب مجرد الطلب إليها الإنضمام تحت لواء منظمة الطاقة النووية الدولية خوفاً أن يحد ذلك من قدرتها على استخدام أسلحة الدمار الشاملة..

والله لن نرضى لبلادنا أن تصل إلى ذلك ليعرف الناس حقيقة المجتمع المدني الذي يراد فرضه على العالم.. والذي يعني النظام الغربي العلماني بكل تفاصيله من الدستور الذي يراد منه فرض قيم الغرب على المجتمعات والمعد سلفاً من خلال لجان وكالة الإستخبارات المركزية والخارجية الأمريكية ونسخته "النموذج دستور بريمر في العراق" وليس الدستور الذي يدعو له البروفسور رجب أبودبوس.. إلى التعددية التي يراد منها بث الفتنة والصراع داخل المجتمعات.. إلى نشر المسيحية بدل الإسلام، إلى التطاول على المقدسات وتدمير الهويات والخصوصيات للأمم.. أيها السادة نحن لسنا أطفالاً مغفلين تنطلي علينا الحيل ونصدق كل ما يقال.

إن كان بعض أولئك يدعون فعلاً إلى مجتمع مدني آخر غير الذي نعرف.. مجتمع تتعزز فيه حرية الفرد وتحترم آدميته... نقول لهم إن المجتمع الجماهيري هو المجتمع المدني الحقيقي، لأنه قائم على أنقاض النظام الرسمي السائد حيث ألغيت الحكومة وحل محلها نظام شعبي مدني.. يمارس الناس فيه السلطة مباشرة دون نيابة أو تسلط عن طريق المؤتمرات الشعبية ويكوِّنون لجاناً شعبية تتولى المهام التنفيذية للسياسات التي ترسم في المؤتمرات فتحققت عملياً حالة مدنية كاملة وتامة على أرض الواقع، فمن يريد أن يعمل بجدية لتحقيق فكرة المجتمع المدني الحقيقي يتوجب عليه الدعوة لإقامة النظام الجماهيري وتعزيزه، لأن مؤسسات المجتمع الجماهيري هي تكوينات مدنية بطبيعتها.. حيث يتواجد الشعب بكامله دون استثناء في دائرة السلطة، فهو أداة التشريع، وهو الذي يصنع الأدوات التنفيذية ويوجهها ويتابعها ويحاسبها، وهو من يرسم لها حدود واجباتها والسياسة التي تتبعها والآلية التي تعمل وفقها.. من خلال منظومة تشريعية وإدارية عملية تمكِّن الجميع دون إقصاء ودون عناء من المشاركة الفاعلة في إدارة شؤون المجتمع، والمساهمة المباشرة في تنميته وتطويره وتسخير الطاقات كافة لتحقيق الحياة الكريمة لجميع أفراده.. ويسمح للفعاليات والتفاعلات الإجتماعية داخل المنظومة الجماهيرية بالعمل فقط من أجل تعزيز وترسيخ السلطة الشعبية.

المجتمع الجماهيري يضمن للأفراد تحقيق رغباتهم وإشباع حاجاتهم بحرية تامة دون الحاجة للتخلي عن المنظومة الإجتماعية والقيمية ودون التنازل عن المكتسبات الثقافية والفكرية..

المجتمع الجماهيري يفسح المجال واسعاً أمام الأفراد للخلق والإبداع في إطار الإحترام التام للآخرين.. وينهي بشكل تلقائي حالات الصراع المدمرة بين الأطراف في المجتمع، التي تعمل بكل الوسائل والأساليب لتحقيق غاية واحدة وهي امتلاك السلطة.. بإلغاء أهم أطراف الصراع وهو الحكومة، وأرباب العمل وكافة أشكال وأدوات القمع والسيطرة، وأيلولة كل اختصاصاتها إلى الشعب مباشرة، حيث يتم التعامل مع الإشكاليات المختلفة ومعالجتها بواسطة الحوار والنقاش ومن ثم التوافق، وبذلك تنتفي الحاجة نهائياً إلى التحزب والتجمع والتظاهر وكافة المظاهر السائدة في العالم اليوم والتي هي نتاج طبيعي لأزمة الأنظمة الموجودة الآن في العالم.

المجتمع الجماهيري يمكِّن الأفراد من المحافظة على الروابط الأسرية والقبلية التي هي من طبيعة الخلق.. وأساس الحياة البشرية، ويؤسس لعلاقة تعارف وتعاون بين الشعوب والأمم بديلاً عن حالة التنافس.. التصادم والصراع.. يستند إلى شريعة مقدسة لا تتبدل ولا تتغير وهي العرف والدين.. تصيغ توافقاتها بما يخدم مصالحها وأهدافها، تمكن من الحفاظ على الهويات المختلفة للشعوب.. وفي المجتمع الجماهيري تأخذ الفنون والآداب والرياضة موقعها الصحيح بعيداً عن التجارة والإستغلال.. وهو مجتمع العدل والمساواة حيث لا مغبون ولا مهضوم ولا سيد ولا مسود، بل إخوة أحرار.. وهو بذلك لا يفسح مجال لمن يدَّعون التحدث باسم الضعفاء أو من يستترون بالقيم أو الدين لتحقيق مآرب خاصة بهم.. ولا لمن يجمعون أنفسهم تحت شعارات وكلمات هي محل استخفاف من الجميع، وهو المجتمع الذي تجد فيه الأجيال المتعاقبة مكانتها وإمكاناتها، وهو كما تحددت معالمه في وثائقه الأساسية يتحمل مسؤولية دعوة الآخرين إلى النور، لأن قضية الحرية لاتتجزأ.. والديمقراطية مطلب شرعي لكل إنسان أينما وجد.

في المجتمع الجماهيري تنزع كل أشكال القوة من مغتصبيها وترد إلى أصحابها الشرعيين، فالسلطة والثروة والسلاح ينبغي أن تكون بيد الشعب حتى لايستقوى بها طرف على الأطراف الأخرى... فالمجتمع الجماهيري، ومهما قال الجهلة والسطحيون أو حاول العملاء المرتبطون بالأجانب.. أن يخفوا عين الشمس.. هو بلا شك مستقبل البشرية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home